الأسموزية الفكرية ومستقبل العقل العربي بقلم ا.د. محمد لبيب سالم


في العلوم الحيوية، تُعرَّف الأسموزية بأنها حركة الماء عبر غشاء شبه منفذ من منطقة أقل تركيزًا إلى منطقة أعلى تركيزًا، استجابةً لفارق الضغط أو التركيز بين الجانبين. إنها ليست حركة عشوائية، ولا قرارًا واعيًا من الماء، بل استجابة لقانون ضغط خفي يعمل عبر الحدود الدقيقة.

ومن هذه الصورة البيولوجية يمكن استعارة مفهوم الأسموزية الفكرية لفهم ما يحدث للعقل الإنساني حين يعيش داخل مجال عام شديد الضغط، كثير الضجيج، مملوء بالتكرار والخوف والسلطة الرمزية. فكما ينفذ الماء عبر الغشاء بفعل فرق الضغط، قد تنفذ الأفكار إلى الداخل لا لأنها أصدق، ولا لأنها أعمق، بل لأنها أعلى ضغطًا وأكثر حضورًا وأشد تكرارًا.

ليست المشكلة إذن في وجود الأفكار خارجنا، فالعقل لا يعيش في عزلة، ولا ينبغي له أن يعيش كذلك. المشكلة تبدأ حين يفقد الداخل قدرته على الاختيار، وحين تتحول الضوضاء المحيطة إلى معيار للحقيقة، وحين يصبح التكرار بديلًا عن البرهان، والانتماء بديلًا عن الفهم، والخوف من العزلة بديلًا عن شجاعة السؤال.

ولهذا فإن الأسموزية الفكرية تختلف عن العدوى الفكرية. فالعدوى الفكرية تعني انتقال فكرة محددة من عقل إلى عقل، كما تنتقل الشائعة أو الحماسة أو الخوف. أما الأسموزية الفكرية فهي أعمق وأخطر؛ لأنها لا تنقل فكرة بعينها فقط، بل تغيّر شروط استقبال الأفكار نفسها. إنها لا تضع رأيًا داخل العقل فحسب، بل تعيد تشكيل الغشاء الداخلي الذي يفرّق بين ما نقبله وما نرفضه، بين ما نراه معقولًا وما نراه شاذًا، بين ما نجرؤ على التفكير فيه وما نخاف حتى من الاقتراب منه.

في مشروع «مستقبل العقل العربي» لا يكفي أن نبحث عن وفرة المعرفة، ولا أن نتغنّى بماضٍ علمي أو حضاري عظيم. فالمعضلة الأعمق ليست في نقص المعلومات، بل في هشاشة الشروط التي تسمح للمعلومة أن تتحول إلى فهم، وللفهم أن يتحول إلى موقف، وللموقف أن يتحول إلى فعلٍ حرّ ومسؤول.

العقل العربي لا يُستنزف اليوم لأنه أقل ذكاءً، بل لأنه يعيش في بيئة تضغط عليه باستمرار؛ بيئة تجعل التفكير البطيء مكلفًا، وتجعل الاستجابة السريعة أكثر أمانًا ومكافأة. وهنا يتحول الذكاء نفسه إلى طاقة معطلة إذا لم يجد شروطًا تحميه: تعليمًا نقديًا، ولغة دقيقة، ومساحات آمنة للاختلاف، ومؤسسات لا تخاف السؤال.

ليس العقل جهازًا محايدًا يعمل في فراغ، ولا صندوقًا مغلقًا داخل الجمجمة. العقل، في عمقه، طريقة وجود في العالم: كيف نحضر، وكيف نفهم، وكيف نسمّي الأشياء، ثم كيف نقيم عليها حكمًا. ومن هنا فإن العقل لا يعيش منفصلًا عن محيطه، لا لأنه هش بالضرورة، بل لأن الإنسان نفسه لا يكتمل إلا بسياق: لغة تسبقه، وتاريخ يحيط به، وجماعة تعرّف له ما يجوز وما لا يجوز، وما يُعدّ معقولًا وما يُعدّ خروجًا عن المألوف.

ولهذا يصبح السؤال عن مستقبل العقل العربي سؤالًا عن شروط إمكان التفكير:
ما الذي يسمح للعقل أن يظل عقلًا لا صدى؟
ما الذي يحفظ له حق التمييز وسط ضوضاء لا تنتهي؟
وما الذي يمنعه من أن يتحول إلى مجرد ممر لما يضغط عليه من الخارج؟

هنا تبرز الأسموزية الفكرية بوصفها أحد أخطر أمراض المجال العام: أفكار تتسرب إلى الداخل لا بسلطة البرهان، بل بضغط الصخب والتكرار والخوف من العزلة. أفكار لا تُناقَش، بل تُستنشق؛ لا تُختار، بل تتراكم حتى تبدو جزءًا من البداهة اليومية.

وفي هذه الحالة لا يعود الخطر في الفكرة وحدها، بل في الطريقة التي دخلت بها. فالإنسان قد يظن أنه اقتنع، بينما هو في الحقيقة استسلم لضغط عام. وقد يظن أنه اختار، بينما الاختيار قد تم فيه قبل أن يعي. وقد يظن أن صوته هو صوته، بينما هو يردد ما استقر في داخله بفعل تكرار طويل وضجيج متواصل.

إن أخطر ما تصنعه الأسموزية الفكرية هو وهم الأصالة: أن يعتقد الإنسان أنه يتكلم من ذاته، بينما هو في الحقيقة يتكلم بصوتٍ استقر فيه من الخارج. يستعير غضبه من موجة، ويستعير يقينه من تصفيق، ويستعير موقفه من إجماع لا يعرف كيف صُنع. وهنا لا يعود الداخل داخلًا؛ بل يصبح ساحة مفتوحة تديرها مؤثرات الخارج.

والصخب، في هذا السياق، ليس مجرد ارتفاع صوت. إنه نظام كامل لإنتاج المعنى. حين يسود الصخب تصبح السرعة فضيلة، والتريث ضعفًا، والاختصار علامة ذكاء، والتفصيل نوعًا من المراوغة، والانفعال دليلًا، والبرهان ترفًا. يتحول السؤال إلى شبهة، والتردد إلى خيانة، والمنطقة الرمادية إلى جريمة.

وبدل أن يسأل الإنسان: هل هذا صحيح؟

يبدأ في سؤال آخر أكثر خوفًا:
هل هذا شائع؟ هل هذا آمن اجتماعيًا؟ هل سيضمن لي القبول؟

عند هذه اللحظة لا يبحث الإنسان عن الحقيقة، بل عن الصيغة التي تسمح له بالبقاء داخل الجماعة دون خسائر.

وفي السياق العربي تتضاعف هذه الظاهرة لأسباب عديدة منها هشاشة التربية النقدية، وتسييس المفاهيم الكبرى مثل الدين والوطن والهوية، والخلط بين الاحترام وتعطيل النقد، وبين الثوابت ومنع التفكير، وضعف المساحات الوسيطة التي تسمح بحوار هادئ لا يتحول فورًا إلى اتهام أو تخوين.

ولهذا فإن مقاومة الأسموزية الفكرية لا تعني الانسحاب من المجتمع، ولا التعالي على الناس، ولا بناء عزلة نخبوية. إنها تعني أن يعيش الإنسان داخل الجماعة دون أن يذوب فيها، وأن يصغي دون أن يستسلم، وأن يختلف دون أن يدمر ذاته أو يدمر الآخرين.

هذه المقاومة تبدأ من استرداد حق البطء. فالبطء ليس كسلًا، بل أخلاق التفكير. ما لا يحتمل التمهل غالبًا لا يحتمل الحقيقة. وتبدأ أيضًا من تحويل الضجيج نفسه إلى موضوع للفحص: من يصرخ؟ ولماذا الآن؟ وما الذي يراد إخفاؤه بهذا الصخب؟ ثم من إعادة تأهيل اللغة، لأن اللغة إذا فسدت فسد التفكير من المنبع.

إن مستقبل العقل العربي لا يبدأ من كثرة المعلومات، بل من ترميم العلاقة بين الداخل والخارج؛ أن يعيش العقل في الجماعة دون أن يسلم لها مفاتيحه، وأن يسمع الأصوات دون أن يتركها تقيم فيه، وأن يظل قادرًا على التمييز بين ما يريده حقًا، وما يريده خوفًا من خسارة الانتماء.

في زمن يربط القيمة بارتفاع الصوت، تكون مهمة العقل النبيل أن يعيد القيمة إلى المعنى، وأن يثبت بهدوء لا يطلب تصفيقًا أن الصمت الذي يفكر أعمق من الضجيج الذي ينتصر. فليس الخطر أن يعلو الصخب في الخارج، بل الخطر أن يصبح الصخب مقيمًا في الداخل.

وضبط الأسموزية الفكرية يساعد على سيادة المناعة المعرفية لتحقيق القدرة على حماية التفكير من الاختراق غير المرئي: التلاعب بالعاطفة، وابتزاز الجماعة، وتصفية المفاهيم إلى شعارات، وتقديم الإجماع كأنه حقيقة. ليست المناعة رفضًا للآخرين، بل مهارة التمييز.

تلك المفاهيم وتدويلها وتمكينها من خلال تعليمها لنشيء تضمن نمو عقل جمعي يعي ما بداخله وما حوله فيقوي بضياء أفكاره ولا يكتوي بنار أفكار الآخرين. ومن هنا نمنع هشاشة الداخل ونقوي مناعة العقل في زمن الضجيج.

ا.د. محمد لبيب سالم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...