ليلى تباني - هكذا تألّم زرادشت ، وكذلك تعلّم نوفل الإنسان الذي تأخّر عن خلاصه

ليست الكتب العظيمة تلك التي تمنحنا أجوبة جاهزة، بل تلك التي تفتح أمامنا نوافذ جديدة كلّما أعدنا قراءتها . بل تفتح أعيننا لأشياء لم نكن لنراها ، هناك كتب تمرّ مثل عابر سبيل، وكتب أخرى تبقى كامنة في أعماقنا، تنتظر لحظة معيّنة من نضجنا كي تكشف معناها الحقيقي. ولهذا، في كل إعادة قراءة، لا نكتشف الكتاب وحده، بل نكتشف أنفسنا أيضا بصورة مختلفة .

وأنا أعيد قراءة رواية "هكذا تكلم زرادشت" لفيلسوف القرن " نتشه" تسلّل إلى ذهني، على نحو غامض ومباغت، رواية "مستر ولا شيء " للروائي واسيني لعرج . في البداية بدا الأمر غير منطقي ، ما الذي يمكن أن يجمع بين نبيّ نيتشه المستنسخ ، الخارج من عزلة فلسفية متوحشة، وبين نوفل آل فريد، الكاتب العربي المنهك بخيبات الجوائز والوسط الثقافي والاعتراف المؤجل؟ لكن كلّما تعمّقت في النصين، أدركت أن التشابه لا يكمن في الأفكار وحدها، بل في ذلك الجرح الوجودي العميق الذي يحرّك الشخصيتين من الداخل .

كان "زرادشت" عند فريدريك نيتشه ينزل من الجبل ليعلن أن الإنسان ليس غاية، بل جسر نحو شيء أعلى. كان يحتقر الخضوع للقطيع، ويرى أن العظمة لا تولد من الانسجام مع العصر، بل من التمرّد عليه. لهذا كتب نيتشه عبارته القاسية




" كل ما هو عظيم يولد ضد عصره " .

ولعلّ هذه العبارة تحديدا هي المفتاح السرّي الذي جعلني أرى نوفل آل فريد كائنا نيتشويا متأخّرا، أو بالأحرى زرادشت عربيا وصل متعبا إلى نهايته قبل أن يبلغ خلاصه الكامل .

في مستر ولا شيء ، لا يظهر التمرّد بصورة بطولية صافية، بل بصورة ساخرة، حزينة، ومهشّمة. نوفل لا يحمل ألواح الحكمة مثل زرادشت، بل يحمل خيبات النشر، والهزائم الصغيرة، يحمل إحساسا داخليا بأنّه أكبر من الوسط الذي يعيش فيه. إنّه يشبه أولئك الذين تحدّث عنهم نيتشه ، البشر الذين يشعرون بأنّهم وُلدوا خارج زمنهم، وأنّ العالم المحيط بهم أصغر من أحلامهم . لكنّ الفرق الجوهري أنّ زرادشت كان يملك يقينا فلسفيا حادّا، بينما نوفل يملك شكّا وجوديا مرهقا. زرادشت الذي كان يريد خلق قيم جديدة .أمّا نوفل، فيبدو كأنّه يريد فقط النجاة من انهيار القيم القديمة . وهنا تحديدا تتجلّى مأساة الشخصية. فـنوفل ليس الإنسان الأعلى ، الذي حلم به نيتشه، بل الإنسان الذي تأخّر عن خلاصه ، كائن أدرك زيف العالم ، لكنّه لم يمتلك القوة الكافية لتجاوزه بالكامل، فبقي عالقا بين الحلم والسخرية، بين الرغبة في المجد والشعور العميق باللاّجدوى ،أم أنّ الأمر يمتدّ للمؤلّف ، فيقع نتشة في المغالاة ، ويسقط واسيني في شراك اللامبالاة؟!

حتىّ السخرية في النصين تخرج من الجرح نفسه ، فقد كان زرادشت النتشوي ، يعرف أن القطيع لا يصفّق للعظمة، بل لما يشبه خوفه الجماعي . أمّا في مستر ولا شيء ، بدا الوسط الثقافي العربي وكأنّه نسخة أكثر سخرية من ذلك القطيع، تصفيق متبادل، وضجيج يخفي فراغا هائلا . لهذا ظلّ نوفل غريبا بينهم، لأنّه لم يكن يبحث عن التصفيق، بل عن اعتراف يليق بجراحه.”نيتشه يسخر من الإنسان الذي يختبئ خلف الأخلاق الجاهزة وأمان القطيع، ولذلك تبدو لغة زرادشت كأنّها مطرقة تهوي على حضارة فقدت شجاعتها الروحية . أما واسيني الأعرج فيسخر من وسط ثقافي عربي تحوّل إلى مسرح عبثي، من الجوائز الصغيرة، ومن المثقفين الذين يبحثون عن التصفيق أكثر مما يبحثون عن الحقيقة، ومن كاتب يحاول أن يقنع نفسه بأن الحلم ما يزال ممكنا وسط هذا الخراب .



ولعل أكثر ما جعلني أبتسم وأنا أتنقّل بين الكتابين هو ذلك التشابه الخفي في الروح. لم يكن تشابها مباشرا في اللغة أو الأفكار، بل إحساسا غامضا بأنّ زرادشت نفسه غيّر وجهته أخيرا، وعاد متخفّيا في لغة واسيني الأعرج ، بأقلّ صراخ، وأكثر تعب، يحمل بدل المطرقة ذاكرة مثقلة بالخذلان والحب والحنين .

كأنّ الفيلسوف الذي كان يصعد الجبال ليعلن ميلاد الإنسان الأعلى، عاد هذه المرة روائيا عربيا يجلس في مقهى ثقافي متعب، يبتسم بسخرية وهو يضمّد جراحه بالكلمات والأمنيات . ولهذا لم أعد أرى نوفل كشخصية روائية فقط، بل كاستمرار عربي حزين لروح زرادشت ، ليس زرادشت المنتصر، بل زرادشت الذي تأخّر عن خلاصه، وظلّ يقاوم العدم بالكتابة وحدها . وربما هنا تكمن قوة الأدب الحقيقي ، إنه يجعل الكتب تتحاور داخلنا عبر الأزمنة واللغات، حتى يبدو أحيانا أن الشخصيات تهاجر من كتاب إلى آخر، ومن روح إلى أخرى. فزرادشت لم يمت في جبال نيتشه، بل ربما عاد، بصورة أكثر إنسانية وأشدّ تعبا، داخل رواية عربية ساخرة، ليقول لنا من جديد :

إن الأرواح العظيمة لا تولد من الطمأنينة، بل تنهض دائما من تحت الرماد .



ليلى تبانى _ الجزائر

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...