إبراهيم توري - في مديح الجهل

قبل أيّام.. دخلتُ X (أو تويتر إن شئت) لأتصفّح شيئا من ضجيج العالم.. فاستوقفتْني مقولة شدّتْ انتباهَ الكثيرين قبلي وبعدي :

"المرأة، في الحقيقة، تكون أكثرَ إثارة.. بثيابها.. أو بنصف ثيابها.. ممّا تكون وهي عارية تماما"

ابتسمتُ طويلا.. وكثيرا.. لا لأنّ الفكرة جديدة، بل لأنّها لخّصتْ لي حقيقة كانت تسكنني مِن زمن (ولا أزعم أنّني متفرّد بها).. وهي أنّ الإنسان لا يشتعل غالبا بما يراه كاملا، بل بما يُلمَّح اليه.. انه يتغذّى على النّقص، على المسافة، على ذلك الجزء الغائب الذي يترك للعقل (وربّما للرّوح أو حتّى للقلب) مهمّةَ إكمال الصّورة..

ولهذا كانت القصيدةَ أجمل من التّقرير الصحفي، واللحن أصدقَ المُواسين، والرّمز أبقى من الشّرح المباشر، والسّجدة أعمقَ من ألف موعظة، والصّمت أبلغَ اعترافٍ بالحبّ !

"حسبي وحسبكِ أن تظلّي دائما .. سرّا يمزّقني، وليس يُقالُ"

كلّ هذا.. جعلني أتسائل.. ماذا لو كان العلم التّجريبي، في جوهره، ليس الّا مشروعَ تعرية كبرى؟ وماذا لو كانت نهايتنا ونهاية الوجود.. نتيجةً لهذا التعرّي المستمرّ؟

لقد فهم الإنسان أشياءَ كثيرة جدّا.. واكتشف عوالم لا حصر لها، وذهب إلى القمر مرّتين، وصنع ذكاءً ينافسه.. ثم ماذا؟ هل صار أكثرَ طمأنينة؟ أم صار حزنه أكبر لأنّ دهشته صارتْ أصغر؟

قديما كان البحر مخيفا، ولهذا كان شعريّا.. وكان الليل مليئا بالجنّ والآلهة والأرواح الشريرة.. ولهذا كان عامرًا بالصّلوات والطّقوس.. وكان الإنسان كلّما جهل بشيء، أحسّ أنّ وراءَه معنى.. أمّا الآن.. فنحن نعرف عدد المجرّات.. والمسافات فيما بينها.. وعمرَ الكون.. ومصيرَه.. ونعرف كلشي.. نعيش في عالم بلا أسرار، بلا غيب، بلا قداسة..

لقد صار الإنسان اليوم سيّدَ الكون.. بعدما "قتل الإله" على يد نيتشه.. لكن.. أيّ سيادة هذه، حين تكون على كون منزوعِ السّحر؟ وأيّ عرش هذا الذي تجلس عليه.. ولا شيءَ يدهشك؟

طبعا.. هذه ليست مرافعة ضدّ العلم.. فأنا لا أكره العلم، ولا أملك سذاجةَ من يظنّ الجهل فضيلةً مطلقة.. لكنّي اخاف.. أخاف فقط، أنّ هذا العلم، في اندفاعه النّبيل، لم ينتبه أنّه يسحب البساطَ من تحت أقدام الشعر.. لأنّه كلّما فسّر ظاهرة، أطفأ استعارة.. وكلّما كشف سرّا، قتل قصيدة !

أخشى أن يكون الإنسان أسعدَ بجهله مما هو بعلمه.. لا الجهل الذي يُعمي طبعا، بل ذلك الذي يُبقي مساحةً للدّهشة، للانتظار، للشّوق، للإيمان.. لأنّ الإنسان بكلّ بساطة لا يعيش على الامتلاك، بل على التّوق.. لا يحييه الكشف، بل الحجاب..

نعم.. نعم.. "المرأة تكون أكثر إثارة بثيابها (او بنصف بثيابها) مما تكون وهي عارية تماما"

ما لا نعرفه.. هو ما يُبقينا أحياء.. لأنّ نهاية الخيال، قد تكون بداية النّهاية.. وربّما.. ربّما فقط، لن تنتهي البشرية بالقنبلة الهيدروجينية ولا الذرّية.. وإنّما بذلك الملل الهائل الذي سيصيب روحَ الإنسان.. حين لن يجد في الكون شيئا يُدهشها !

((فلا أُقْسم بما تبْصرونَ، وما لا تبْصرونَ))
((وما لا تبصرون، إنّه لقول رسول كريم))!!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...