رسائل الأدباء رسائل إلى الشاعر توفيق صايغ من لدن مجموعة من صديقاته وأصدقائه

أدب الرسائل : رسائل إلى الشاعر توفيق صايغ من لدن مجموعة من صديقاته وأصدقائه من أشهر الأدباء والنقاد والشعراء العرب المعاصرين ، ويضم الجزء الأول رسائل : لويس عوض - سلمى الخضراء الجيوسي - ليلى بعلبكي - أدونيس . وقد نشرت في جريدة الشمال ، عدد يوم السبت 9 ماي 2026 .والشكر موصول إلى الساهر بتفان وإخلاص على هذا المنبر الثقافي المتنوع الدكتور عبد اللطيف شهبون وإلى هيئة تحريره.
منْ أدَبِ الرَّسَائِل: رَسائلُ إلى تَوْفيق صَايِغ
(الجزء الأول)
بقلم: عبدالجبار العلمي

على سبيل التقديم:

عرفَ أدب الرسائل ندرة في أدبنا العربي المعاصر، ولهذا النوع من " الأدب التراسلي "بين الأدباء دور في الكشف عن المشاعر الحميمة، والبوح بأسرار المتراسلين المختلفة، والإعلان بصدق وصراحة عن لواعج النفس ومعاناتها الدفينة وقول ما لا يباح قوله في وسائل التعبير الأخرى سواء بين الجنس الواحد أو الجنسين. ويفسر الناقد محمد برادة في الكتاب الحِواري بينه وبين محمد شكري الموسوم بــ" ورد ورماد" تراجعَ هذا النوع الأدبي على المستوى الكمِّي بقوله " أظنُّ أن كتابة الرسائل تستجيبُ للحظات جد حميمة، تستشعرُ فيها رغبةَ البوحِ والمكاشَفةِ والتفكيرِ بصوتٍ مرتفع. ومع الأسفِ إنَّ تقاليدنا في المراسلات بين الأصدقاء المبدعين قليلةٌ إلَّمْ تكنْ منعدمة .."

ومن الجدير بالملاحظة أن محمد شكري لجأ إلى كتابة أدب الرسالة حين شعر بالإحباط بسبب رفض الصحفِ والمجلات معظمَ قصصه، فتوقف عن الكتابة القصصية. يقول : " للتفريج عن نفسي صرتُ أكتب رسائل مطولة إلى بعض أصدقائي من المغرب والمشرق... إنَّ بَوحي في رسائلي كان علاجاً لنفسي، فالذين كنتُ أَكتُبُ إليهم رسائلي لم يكونوا يمارسون علي الرقابة نفسَها التي كانتْ تمارسُ على قصصي ومقالاتي" ( كتاب حوار مع محمد شكري ، أجراه الزبير بن بوشتى ويحيى بن الوليد، سليكي أخوين، طنجة ، 2005، ص: 116 و117 ) وهذا ما ذهبنا إليه أعلاه من كون أدب الرسائل يتيح لكاتب الرسالة مجالاً أكثر حريةً للتعبير عن مكنوناته وهمومه وهواجسه التي يمكن أن تتجاوز حدود التعبير التي لا تبيح القواعدُ المرعيةُ تجاوزَها في مجتمعاتنا العربية.

ومن كتب الرسائل أو المراسلات بين الأدباء، يمكن الإشارة هنا على سبيل المثال لا الحصر إلى النماذج التالية : " زهرة العمر " بين توفيق الحكيم وصديقه أندريه؛ "الشُّعْلة الزَّرقاء " رسائل جُبْران خليل جُبران إلى ميّ زيادة ؛ مراسلات بين الناقد المصري أنور المعداوي والشاعرة الفلسطينية فدوى طوقان؛ مراسلات بين غسان كنفاني وغادة السمان؛ رسائل متبادلة بين محمود درويش وسميح القاسم.

رسائل إلى الشاعر توفيق صايغ ( 1923 ـ 1971 ):

لعبت المصادفة المحض دوراً أساسياً في كتابة هذه القراءة المتعلقة بمجموعة من الرسائل، كتبها أدباء وأديبات ذائعُو الصيت في المشهد الأدبي العربي المعاصر إلى شخص واحد هو الشاعر الفلسطيني ـ السوري" توفيق صايغ "، ألفيتها وأنا أتصفح بعض أعداد مجلة " الناقد "، ( العدد: 7 ، يناير 1989، ص: 30 ) التي كان يصدرها الأديب الصحافي رياض نجيب الريس من لندن. وهؤلاءِ الأدباء والأديبات هم على التوالي: لويس عوض ـ سلمى الخضراء الجيوسي ـ ليلى بعلبكي ـ أدونيس ـ رياض نجيب الريس ـ بدر شاكر السياب ـ نزار قباني ـ جبرا إبراهيم جبرا. ومن الجدير بالملاحظة أنَّ تاريخ هذه الرسائل يبتدئ من سنة 1952 إلى 1965 مروراً بالسنوات: 1960 ـ 1961 ـ 1962 ـ 1963. ويُعْنى المُرْسِلُ بتحديد تاريخ اليوم والشهر والسنة في تأريخ رسالته، كما يُعْنى أيضاً بتحديد بلدِ المُرْسِلِ الذي تمَّ إِرسالُ الرسالة منه، والبلد الذي يقيمُ فيه المُرسَلُ إليه: توفيق صايغ؛ مثلاً ( من سلمى الخضراء الجيوسي في لندن إلى توفيق صايغ في كامبردج ). وقد يتغيرُ مكان إقامة المرسَلِ إليه تبعاً لتنقله من بلد إلى بلد سواء في الشرقِ أو في الغرب. فقد تلقى توفيق صايغ ثمان رسائل في عدة عواصم وبلدان: في هارفارد وكامبردج ولندن وبيروت، ما يدلُّ على أنَّ الرجل لم يكن يعرفُ الاستقرار ، بل إنه كان يعاني الغربةَ والمنفى في بعض البلدان خارج وطنه خلال سنوات عديدة، ولم يتلق رسائل من أصدقائه في بيروت إلا في السنوات: ( 1962ـ 1963 ـ 1965)

قراءة الرسائل:

ننتقل الآن إلى قراءة الرسائل التي تلقاها توفيق صايغ من لدن أصدقائه الأدباء والأديبات في الغربة والوطن قراءة مقتضبة، يتم فيها التركيز على أهم القضايا والهموم التي تتضمنها كل منها.

الرسالة الأولى: ( من لويس عوض في برنستون في 2 / 11 / 1952 إلى توفيق صايغ في هارفارد.)

في هذه الرسالة يتوجه لويس عوض في البداية بشكر صديقه على أمرين: زيارته القصيرة التي تركتْ ذكرياتٍ جميلةً لن يمحوها النسيان / توصله بكتاب " سارق النار" لخليل هنداوي هدية كريمة منه. يشيدُ بكتاب صديقه ومن خلاله بتوجه اللبنانيين إلى أدب اليونان يستمدون وحيهم منه. وقد سبقوا بذلك الأدباءَ المصريين، وإن كان توفيق الحكيم قد ساهم مساهمة لا بأس بها في هذا الباب. وقد حذا علي أحمد باكثير حذوه. لكن لويس عوض يأخذ على الكلِّ أنهم أوَّلوا عقائدَ اليونان الدينية تأويلاً غيرَ مناسب، وأنهم لم يفهموا الفهم القويم الجوهر التراجيدي في الحياة. ثم يشكو إلى صديقه العقبات التي تقف دونه والحضور في الملتقيات الهامة، ومنها زيارة بوسطن لحضور مؤتمر كانَ يرغبُ في المشاركة فيه. وفي آخر الرسالة يخبره بحجز الباخرة للعودة رفقةَ زوجته عن طريق فرنسا إلى مصر.

الرسالة الثانية: ( من سلمى الخضراء الجيوسي في لندن إلى توفيق صايغ في كامبردج ) لندن في: 1 / 10 / 1958 )

تبدأ الشاعرةُ الباحثة المترجمة الفلسطينية سلمى الخضراء الجيوسي (1926 ـ 2023) رسالتها بتوجيه خطابها إلى المرسَل إليه بعبارة عزيزي توفيق ما يدلُّ على أنَّ المُرْسِلة تبعثُ رسالتها إلى شخص بينه وبينها ألفةٌ، وأن الحديث بينهما يخلو من أيةِ كُلْفَة. يدور حديث الكاتبة في رسالتها حول مواضيع مختلفة كما يلي:

أ ـ وصفُ جو لندن بعد أن تتوقفَ الأمطار، وتخلو السماءُ من السحب الدَّكناء، وتبدو الشمسُ سافرةً متحرِّرَةً من أسداف الظلمة، موحيةً بأجواء البهجةِ والحرية والانطلاق.

ب ـ بوحها بكل تلقائية للمرسَلِ إليه بما حدث لها هذا الصباح: رؤيتها شعْرةً بيضاء تنسلُّ من بينِ شعرها الغامق. كان هذا الحدث مبعثَ فرحٍ وانتصار لها على الزمن، فهذه علامة على انتهائها إلى مرحلة النضج. « إنَّ الحياةَ قد قدمت لي أخيراً طبقها الشهي الناضج وهذه الشعرة هي برهانها المادي» «ص: 31»

ج ـ حديثها الشجي عن الشعور بالوحشة التي تلازمها، ولا تدري لها تفسيراً، وأنها لم يبارحها الحزن العميق منذ وفاة والديها. تقول للمرسَلِ إليه: «أقابل ذلك بضحك، لكنهُ ضحكٌ كالبكاء، فإذا رأيتني أضحكُ في بعضِ الأحيان، فاعلَمْ أنني لا أضحكُ للحياة، بل عليها. وما يخففُ شجني حقيقةً، ويجعلني متشبثةً بحب الحياة عندما أنغمِرُ في الكتابة ( كتابة عمل جدي هام )

دـ السؤال عن حال الشاعر وحديث شجي عن الموت الذي ورد في إحدى قصائد يوسف الخال أنه يتمناه, أماهي فلا تهابه إذا اقترب منها، لكنها تمقته أشد المقت لأنه أخذ منها أحباباً، وقد يغيب آخرين في أية لحظة. وتقدم الباحثة في هذه الرسالة تحليلاً مركزاً عن قصيدته عن الموت باعتباره أمراً حتمياً، وعن ما تتوفر عليه من عناصر فنية متمثلة في الأخيلة المجنحة والصور المبتكرة تعبر أصدق تعبير عن المراحل التي ذاق فيها الحلو والمر إلى النهاية المحتومة. وتَرى الناقدةُ أن هذه القصيدة هي من أبدع ما نظم الخال من شعر. إن القارئ في نظرها حينما يفرغ من قراءة القصيدة، يكون قد عرف رؤيا الشاعر للعالم بطريقة بسيطة عميقة تنبثق من أغوار نفس الشاعر الذكية ومن تلك الصور الشعرية النادرة ( انظر الرسالة، ص: 31 من المجلة ) ، ثُم تحدثه عن أمور شديدة الخصوصية، حيث تخبره بأن عينيها تتورم، فيصير منظرها محزناً للغاية ، فتضطر إلى استعمال نظارة سوداء، فيعتقد الناس أنني أخفي دموعي وراءهما بسبب بعض الظروف العائلية، منها فقدان أحد أفراد الأسرة عمله ( برهان) . في ختام الرسالة المُرسِلةُ تعرب عن أمنيتها في زيارة توفيق للعائلة، فــ« الحياةُ تكون تافهة لولا إشعاعات حنون هنا وهناك، وقدرة الإنسان على اكتشاف القيم الحقيقية فيها »

سلامي إلى خليل وديزي وخيري

المخلصة: سلمى

الرسالة الثالثة: ( من ليلى بعلبكي في باريس إلى توفيق صايغ في لندن)

في: 12 / 10 / 1961 ـ ليلى بعلبكي ( 1936 ـ 2023 ) كاتبة وأديبة لبنانية، اشتهرت بروايتها «أنا أحيا» المنشورة في أواخر الخمسينيات.

تبدأ الكاتبة ليلى بعلبكي رسالتها بإخبار توفيق صايغ بسبب التأخر في مراسلته لأنها كانت تود أن تفاجأه بقدومها إلى لندن ، لكن طروفاً قاهرة حالت بينها وتحقيق ذلك، وهي بصدد الإعداد للسفر في شهرآذار، وحين يحين وقت سفرها ستراسله لاستقبالها في المطار: إنني «أحب أن أشاهدَ شخصاً ووجهاً أعرفهُ في المحطاتِ الغريبة. هل ستفعل؟». ومما جاء في رسالة الكاتبة القصيرة : أ ـ إشراكه في لحظاتها الجميلة في باريس: وجودها في ساحة مسرح فرنسا، تنصت إلى أغنية أمريكية حزينة، ورائحة الربيع أخذت تنتشر في فضاءات باريس الجميلة وحدائقها، وكل الناس خرجوا اليوم إلى التفسح في الطرقات والمقاهي / بـ ـ إخباره أنها تشتاطُ غضباً هذه الأيام لأنها علمت بخبر سرقة روايتها «أنا أحيا» في الأرض المحتلة، وإعادة طبعها بالعربية هنالك. تمَّ نقل الخبر في وكالات الأنباء الفرنسية، ولم يبال أحد بالأمر في بيروت وعند العرب. ثم تحيطه علما أنها قررت ـ وهي تهزأ ـ رفع دعوى وحدها ضد إسرائيل، أم / هل تلجأ إلى لجنة الهدنة؟

ليلى

الرسالةُ الرابعة: ( من أدونيس في باريس إلى توفيق صايغ في لندن )

باريس في 10 / 12 / 1960.

أول شيء يبدأ أدونيس رسالته به هو إخبار صديقه بمشكلة إيجاد سكن للاستقرار في باريس ، فمنذ عشرين يوماً وهو يبحث دون جدوى. بعد هذه الشكوى من هذه المشكلة الكبيرة المعقدة في مدينة الأنوار، ينتقل أدونيس مباشرة إلى سؤال صديقه الشاعر عن مشاريعه الإبداعية. من جهته أدونيس لم يدخل بعد عتبة باريس، وإن كان قد تعرف على بعض الشعراء والفنانين بينهم أمريكيون وإيرلنديون ( يذكر له أسماءهم ) ، ثم يحدثه عن مشروع أدبي سبق أن ذكره له في بيروت، وأكد له أنه سيحققه. يقول أدونيس في رسالته: « الجميعُ هنا مستعدون لمساعدتنا، ومتلهفونَ لمعرفةِ حركتِنا الشعرية الحديثة في العالم العربي » . يخبر أدونيس صديقه توفيق صايغ أنه قرأ له بالأمس في «الأوريان الأدبي» قصيدةً مترجمة، ويسأله هل وصلته؟ وفي الأخير يخبرهُ بأنه قبل سفره اتصل به هاني أبو صالح وسأله عن قصيدة معينة لتوفيق هل يترجمها فشجعه على ترجمتها.

المخلص:

أدونيس
حاشية: أرجو أن تسأل عن غسان الأشقر وتأخذَ لي عنوانه، وعنوان أخته نضال. سلِّم عليهما.



( يتبع ) الجزء الثاني من الرسائل يتضمن رسائل من: « رياض نجيب الريس ـ بدر شاكر السياب ـ نزار قباني ـ جبرا إبراهيم جبرا إلى توفيق صايغ)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...