في الأمم الغنية التي تعددت فيها جوانب الحياة وتنوعت الأعمال لا يخلو مكان واحد إلي زمن طويل.
العالم يتبعه عالم مثله، والفيلسوف يخلفه فيلسوف يشغل فراغه، والسياسي يعقبه سياسي من طرازه، وكل صنف من الناس وله "التغييرة" التي تعوضه في ساعة الحاجة إليه.
ويصح أن يكون لسان حالهم بيت السموأل:
إذا سيد منا خلا قام سيد ... قؤول لما قال الكرام فعول
ففي ميدان القول وفي ميدان الفعل، لا خلو ولا فراغ في تلك الأمم الحية التي تعددت فيها جوانب الحياة.
ونحن في مصر لم نبلغ بعد ما نتمناه من هذه الثروة المستكفية بالمواهب والملكات.
ولكننا بحمد الله لسنا من الفقر في هذه الناحية بحيث كنا قبل مائة سنة أو قبل جيل واحد.
ونظن أننا نقيم المسألة قسمة عادلة إذا قلنا إننا نستطيع اليوم أن نعوض كل صاحب عمل يكتسب بالتعليم والتدريب، ولكننا لا نزال نشعر بالفراغ كلما فقدنا رجلاً من النوابغ الذين يولدون ولا يصنعون، أو من أصحاب الملكات التي لا تكتسب بالتعلم والتدريب.
ففي الطب مثلاً عندنا خمسة أطباء على الأقل، في مكان كل طبيب مشهور فقدناه في الجيل الماضي.
وهكذا في القانون والهندسة والصناعات وما إليها، ولعلنا نقرر الحقيقة التي تتفق عليها الآراء -أو معظم الآراء- إذا قلنا إن الصحافة -مثلاً- قد ملأت فراغها على صورة مرضية من وجهة الأشخاص والأقلام، فقام في المقاعد الخالية أناس يساوون أسلافهم أو لا يقلون عنهم، وقد يفوقونهم في بعض الميادين.
أما الفراغ فنحن نشعر به كلما غاب منا عظيم من أصحاب الملكات الخاصة، أو كلما عرضت لنا حالة من الحالات تحتاج إلى الرجل الذي يناسبها ويصلح لها دون غيرها، كأنما ثروتنا في هذا الصنف من الرجال لا تزال ثروة مصادفات أو مضاربات، ولم تستقر بعد على قواعد المصروف والإيراد وحساب التثمير الصحيح.
والواقع أن هذه الثروة لا تزال في جميع الأمم ثروة مصادفات ومضاربات، ولكن مع الفارق في قلة الفرصة المشجعة هنا وكثرة الفرص المشجعة هناك.
ومن المفيد حقاً أن نراجع حساب هذه الثروة عندنا في كل فرصة مناسبة، وأن نعلن عن المقاعد الخالية من حين إلى حين.
ونحن في أمان على الأقل من خطر واحد: وهو ذلك التضخم في الطلبات الذي يشكو منه جميع المعلنين عن الأماكن الخالية في هذه البلاد.
الشيخ محمد عبده
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فمطلوب "أولاً" رجل في المكان الذي خلا بوفاة الشيخ محمد عبده رحمه الله.
ومحل الشيخ محمد عبده معروف بين عارفيه.
كان عمله الآن هو التوفيق بين التفكير الديني والتفكير العلمي، ثم التوفيق بين أحكام الإسلام والمعيشة العصرية.
في عصر الشيخ محمد عبده كان في مصر -والمشرق الإسلامي أناس يحرمون تعليم الجغرافيا، لأنها تقول بأن الأرض كرة، وأنها تدور حول الشمس!
وكان أناس يتهمون بالكفر من يعلل الطاعون بالميكروبات والجراثيم.
وكان أناس يحرمون التليفون لأنه من عمل الشيطان.
وكان أناس يسألون عن الكبريت الافرنجي هل هو طهارة أو نجاسة؟
ويسألون عن الطعام المحفوظ في العلب هل يجوز أكله للمسلمين أو لا يجوز؟
ويسألون عن صندوق التوفير بمصلحة البريد هل حفظ النقود فيه حلال أو حرام؟
فكانت الحواجز قائمة بين تفكير العلم وتفكير الدين، وكانت هذه الحواجز -أو أشد منها- قائمة بين معيشة المسلم والمعيشة العصرية.
فرفع الشيخ محمد عبده هذه الحواجز وقرب بين الفوارق وأدى رسالته التي سيذكر بها الي زمن بعيد.
فاذا عاد الشيخ محمد عبده إلينا مرة أخرى فماذا يصنع؟
واذا استوي في مكانه من يخلفه في مثل هذه الرسالة؟
إننا لا نحتاج اليوم إلى من يحلل ويحرم في شئون المعيشة أو في الحقائق العلمية، فإن التوفيق بين الطرفين قد بدأ علي طريقة القويم وهو سائر فيه.
ولكننا نحتاج إلى توفيق من نوع أخر يقوم به رجل من طراز الشيخ محمد عبده، ومن معدنه في القوة النفسية والجرأة العقلية ومتانة الأخلاق.
نحتاج إلى التوفيق بين الدين الإسلامي والمذاهب الاجتماعية العالمية التي تنكر الدين.
في العالم الآن مذاهب اجتماعية كالشيوعية والفاشية والفوضية، يتبعها مئات الملايين من الأوربيين الذين تعودوا أن يبسطوا آراءهم وعقائدهم على العالمين.
بعض هذه المذاهب الاجتماعية -وعلى الأخص الشيوعية- تقول إن الإصلاح العالمي الذي ينشدونه مستحيل من طريق الدين.
لأن الأديان في اعتقادهم هي وليدة المجتمع الذي يريدون له الانقلاب والاصلاح، فإذا انقلب فلا مناص من أن تنقلب معه الأديان.
والشيخ محمد عبده مطلوب في هذا الميدان، ليقول لدعاة هذه المذاهب الاجتماعية إننا نستطيع أن نفسر الدنيا تفسيراً روحياً، وأن نصل مع ذلك إلى النتيجة التي يريدونها من علاج المشاكل المادية وحل المعضلات الاقتصادية، وأن الإسلام وإنصاف الطبقات والأفراد لا يتناقضان.
والمكان حتى الساعة خال.
وهو يتسع لأكثر من طالب واحد.
والمرشحون له غير قليلين، ولكنهم حتى الساعة لا يتقدمون.
ــــــــــــــــــــــــــ
(*) مجلة الاثنين والدنيا العدد 486 - 4 اكتوبر 1943م.
#العقاد
العالم يتبعه عالم مثله، والفيلسوف يخلفه فيلسوف يشغل فراغه، والسياسي يعقبه سياسي من طرازه، وكل صنف من الناس وله "التغييرة" التي تعوضه في ساعة الحاجة إليه.
ويصح أن يكون لسان حالهم بيت السموأل:
إذا سيد منا خلا قام سيد ... قؤول لما قال الكرام فعول
ففي ميدان القول وفي ميدان الفعل، لا خلو ولا فراغ في تلك الأمم الحية التي تعددت فيها جوانب الحياة.
ونحن في مصر لم نبلغ بعد ما نتمناه من هذه الثروة المستكفية بالمواهب والملكات.
ولكننا بحمد الله لسنا من الفقر في هذه الناحية بحيث كنا قبل مائة سنة أو قبل جيل واحد.
ونظن أننا نقيم المسألة قسمة عادلة إذا قلنا إننا نستطيع اليوم أن نعوض كل صاحب عمل يكتسب بالتعليم والتدريب، ولكننا لا نزال نشعر بالفراغ كلما فقدنا رجلاً من النوابغ الذين يولدون ولا يصنعون، أو من أصحاب الملكات التي لا تكتسب بالتعلم والتدريب.
ففي الطب مثلاً عندنا خمسة أطباء على الأقل، في مكان كل طبيب مشهور فقدناه في الجيل الماضي.
وهكذا في القانون والهندسة والصناعات وما إليها، ولعلنا نقرر الحقيقة التي تتفق عليها الآراء -أو معظم الآراء- إذا قلنا إن الصحافة -مثلاً- قد ملأت فراغها على صورة مرضية من وجهة الأشخاص والأقلام، فقام في المقاعد الخالية أناس يساوون أسلافهم أو لا يقلون عنهم، وقد يفوقونهم في بعض الميادين.
أما الفراغ فنحن نشعر به كلما غاب منا عظيم من أصحاب الملكات الخاصة، أو كلما عرضت لنا حالة من الحالات تحتاج إلى الرجل الذي يناسبها ويصلح لها دون غيرها، كأنما ثروتنا في هذا الصنف من الرجال لا تزال ثروة مصادفات أو مضاربات، ولم تستقر بعد على قواعد المصروف والإيراد وحساب التثمير الصحيح.
والواقع أن هذه الثروة لا تزال في جميع الأمم ثروة مصادفات ومضاربات، ولكن مع الفارق في قلة الفرصة المشجعة هنا وكثرة الفرص المشجعة هناك.
ومن المفيد حقاً أن نراجع حساب هذه الثروة عندنا في كل فرصة مناسبة، وأن نعلن عن المقاعد الخالية من حين إلى حين.
ونحن في أمان على الأقل من خطر واحد: وهو ذلك التضخم في الطلبات الذي يشكو منه جميع المعلنين عن الأماكن الخالية في هذه البلاد.
الشيخ محمد عبده
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
فمطلوب "أولاً" رجل في المكان الذي خلا بوفاة الشيخ محمد عبده رحمه الله.
ومحل الشيخ محمد عبده معروف بين عارفيه.
كان عمله الآن هو التوفيق بين التفكير الديني والتفكير العلمي، ثم التوفيق بين أحكام الإسلام والمعيشة العصرية.
في عصر الشيخ محمد عبده كان في مصر -والمشرق الإسلامي أناس يحرمون تعليم الجغرافيا، لأنها تقول بأن الأرض كرة، وأنها تدور حول الشمس!
وكان أناس يتهمون بالكفر من يعلل الطاعون بالميكروبات والجراثيم.
وكان أناس يحرمون التليفون لأنه من عمل الشيطان.
وكان أناس يسألون عن الكبريت الافرنجي هل هو طهارة أو نجاسة؟
ويسألون عن الطعام المحفوظ في العلب هل يجوز أكله للمسلمين أو لا يجوز؟
ويسألون عن صندوق التوفير بمصلحة البريد هل حفظ النقود فيه حلال أو حرام؟
فكانت الحواجز قائمة بين تفكير العلم وتفكير الدين، وكانت هذه الحواجز -أو أشد منها- قائمة بين معيشة المسلم والمعيشة العصرية.
فرفع الشيخ محمد عبده هذه الحواجز وقرب بين الفوارق وأدى رسالته التي سيذكر بها الي زمن بعيد.
فاذا عاد الشيخ محمد عبده إلينا مرة أخرى فماذا يصنع؟
واذا استوي في مكانه من يخلفه في مثل هذه الرسالة؟
إننا لا نحتاج اليوم إلى من يحلل ويحرم في شئون المعيشة أو في الحقائق العلمية، فإن التوفيق بين الطرفين قد بدأ علي طريقة القويم وهو سائر فيه.
ولكننا نحتاج إلى توفيق من نوع أخر يقوم به رجل من طراز الشيخ محمد عبده، ومن معدنه في القوة النفسية والجرأة العقلية ومتانة الأخلاق.
نحتاج إلى التوفيق بين الدين الإسلامي والمذاهب الاجتماعية العالمية التي تنكر الدين.
في العالم الآن مذاهب اجتماعية كالشيوعية والفاشية والفوضية، يتبعها مئات الملايين من الأوربيين الذين تعودوا أن يبسطوا آراءهم وعقائدهم على العالمين.
بعض هذه المذاهب الاجتماعية -وعلى الأخص الشيوعية- تقول إن الإصلاح العالمي الذي ينشدونه مستحيل من طريق الدين.
لأن الأديان في اعتقادهم هي وليدة المجتمع الذي يريدون له الانقلاب والاصلاح، فإذا انقلب فلا مناص من أن تنقلب معه الأديان.
والشيخ محمد عبده مطلوب في هذا الميدان، ليقول لدعاة هذه المذاهب الاجتماعية إننا نستطيع أن نفسر الدنيا تفسيراً روحياً، وأن نصل مع ذلك إلى النتيجة التي يريدونها من علاج المشاكل المادية وحل المعضلات الاقتصادية، وأن الإسلام وإنصاف الطبقات والأفراد لا يتناقضان.
والمكان حتى الساعة خال.
وهو يتسع لأكثر من طالب واحد.
والمرشحون له غير قليلين، ولكنهم حتى الساعة لا يتقدمون.
ــــــــــــــــــــــــــ
(*) مجلة الاثنين والدنيا العدد 486 - 4 اكتوبر 1943م.
#العقاد