السي محمد گسيم
في منتصف الع السادس من القرن العشرين، حل بالفرية يافع قادم من قبيلة دكالة، يحمل بين سماته بعضا من عطر ثراها الفواح. وشموخها الباذخ، احبه الجميع، وكسب ود الجميع، لوسامته، وأناقته، ولباقته في الحديث، وحسن سيرته، دمث الأخلاق، طيب الخلق، بهندامه الأنيق، وشعر رأسه الطويل المصفف بعناية على طريقة الهيبيزم، الموضة السارية في ذلك الزمان من الستينات والسبعينات من القرن الفائت، الذي خلف بصمته الواضحة على حياة المجتمع وسلوك أهله، وعلى المجتمع والسياسة والاقتصاد وعلى مستوى التاريخ ايضا، حيث الغضب والقلق الوجودي من الوضع العالمي المحتقن والمتدبدب. والقلاقل السياسية بعد ثورة الشعب بالدار البيضاء سنة 1965، التي استشهد فيها الكثير، وسالت دماء كثيرة، وعاش اخرون يجترون عاهاتهم المستديمة بسبب تهور المجرم اوفقير الذي رش المتظاهرين بالرصاص من مسافة قريبة. واغتيال التشي، ورحيل الزعيم جمال عبدالناصر، امل الامة العربية في التغيير والنهضة الموؤودة، وهزيمة 67 التي شلت عزيمة العرب، وكسرت شوكتهم، وخروج امريكا مدحورة امام شعب فييتنام، وبداية ظهور الأغنية الملتزمة لفرق ناس الغيوان وجيل جيلالة وانتشار الموسيقى الشبابية التي احدثت في نفوس اجيال الشباب رجة عظيمة، كل هذا جعل من عقد الستينات والعقد الذي تلاه اعظم عقود القرن العشرين، ومن لم يعشها فكانه لا عاش ولا راى. حيث عرف الشباب أروع الافكار الثورية، وارتدوا ازهى الملابس، وقرأوا أجمل الكتب، واستمتعوا بأعذب الأغاني واقواها وقعا في نفوس الشباب، وعاشوا الحرية بكل معانيها المطلقة، كان محمد كسيم نموذجا لذلك الجيل الشبابي لتلك الحقبة المقطتعة من الوجود، يعيش الحياة، ويستمتع بها، ويلعب حارس مرمى متمبز لفريق القرية الصغيرة التي نشأنا بها سوية، ونعتقد بأن لا جغرافيا وراءها، الى فترة خروجنا منها لطلب العلم، لا علاقة يربطه بعبد الوهاب الدكالي سوى الانتماء القبلي، لمنطقة دكالة التي قال فيها الامام البوصيري المصري دارا المغربي اصلا.
وما أنا من دكالة غير أنني = نسبت إليهم نسبة الصدق في الحب
كنسبة سلمان لبيت نبيه = وما كان في قبيل منهم ولا شعب
جزا الله خيرا ملة أخرجتهم = من الناس إخراج الحبوب من اللب
السي محمد گسيم الطفل، كان فورة من حماس، وصفاء سريرة، ممتلئا بحيويته، مسكونا برغباته وأحلامه، لم يقطع مع تراث الماضي الطربي بكل امجاده واعلامه وجواهره، فجسد لنا شخصية الفنان عبدالوهاب الدكالي بصوته الرخيم، وتقليده له في هندامه، وحركاته، ومهارته في ترديد أغانيه.
كنا نتحلق حوله في تلك الأماسي الدافئة والممعنة في البعد متخمين ثورة وحماسا منتظرين هبة رياح اتية برخاء وانفراج وتغيير، منتشين مصغين لصوت السي محمد گسيم وهو يؤدي مختلف الأغاني العصرية لعبدالحليم حافظ، وأم كلثوم، ومحمد عبدالوهاب، وفريد الأطرش، وعبدالهادي بلخياط، لكن احبها الى نفوسنا هي أداءه لأغاني عبدالوهاب الدكالي بالناي والأداء المتقن، والصوت الحلو العذب الرخيم. يالغادي في الطوموبيل، ما انا الا بشر ، مرسول الحب، هذي هي انتي، لاتتركيني، مرسول الحب، هذه يدي، لهلا يزيد أكتر، النظرة فتناها، ديني معاك.كانت هذه الاغاني التي لا يزال صداها يتردد في مسمعي هي البرزخ بين القديم والحداثة، ونحن مشدوهين نصغي بصمت جسور، مشدودين بنشوة غامضة لصوت منبعت من اقاصي اعماق الروح المسكونة بالفن والجمال والرقة، في زمن تعرف فيها الساحة الموسيقية انواعا رديئة وسمجة من الموسيقى التي تؤذي الذوق والاذن والاحساس..
قابلته قبل اسبوع من هذه الشهادة التي تاخرت كثيرا، وذكرته ونحن وقوف على ارض الذكريات عن الاناقة التي لا تزال احدى سمات شخصية السي محمد كسيم المتفردة، وعن الحنجرة الوهابية الدكالية الصادحة، وعن وقغته الشامخة وهو يعترض الكرات، ويحمي شباكه من أهداف محققة..
إبلاغ
في منتصف الع السادس من القرن العشرين، حل بالفرية يافع قادم من قبيلة دكالة، يحمل بين سماته بعضا من عطر ثراها الفواح. وشموخها الباذخ، احبه الجميع، وكسب ود الجميع، لوسامته، وأناقته، ولباقته في الحديث، وحسن سيرته، دمث الأخلاق، طيب الخلق، بهندامه الأنيق، وشعر رأسه الطويل المصفف بعناية على طريقة الهيبيزم، الموضة السارية في ذلك الزمان من الستينات والسبعينات من القرن الفائت، الذي خلف بصمته الواضحة على حياة المجتمع وسلوك أهله، وعلى المجتمع والسياسة والاقتصاد وعلى مستوى التاريخ ايضا، حيث الغضب والقلق الوجودي من الوضع العالمي المحتقن والمتدبدب. والقلاقل السياسية بعد ثورة الشعب بالدار البيضاء سنة 1965، التي استشهد فيها الكثير، وسالت دماء كثيرة، وعاش اخرون يجترون عاهاتهم المستديمة بسبب تهور المجرم اوفقير الذي رش المتظاهرين بالرصاص من مسافة قريبة. واغتيال التشي، ورحيل الزعيم جمال عبدالناصر، امل الامة العربية في التغيير والنهضة الموؤودة، وهزيمة 67 التي شلت عزيمة العرب، وكسرت شوكتهم، وخروج امريكا مدحورة امام شعب فييتنام، وبداية ظهور الأغنية الملتزمة لفرق ناس الغيوان وجيل جيلالة وانتشار الموسيقى الشبابية التي احدثت في نفوس اجيال الشباب رجة عظيمة، كل هذا جعل من عقد الستينات والعقد الذي تلاه اعظم عقود القرن العشرين، ومن لم يعشها فكانه لا عاش ولا راى. حيث عرف الشباب أروع الافكار الثورية، وارتدوا ازهى الملابس، وقرأوا أجمل الكتب، واستمتعوا بأعذب الأغاني واقواها وقعا في نفوس الشباب، وعاشوا الحرية بكل معانيها المطلقة، كان محمد كسيم نموذجا لذلك الجيل الشبابي لتلك الحقبة المقطتعة من الوجود، يعيش الحياة، ويستمتع بها، ويلعب حارس مرمى متمبز لفريق القرية الصغيرة التي نشأنا بها سوية، ونعتقد بأن لا جغرافيا وراءها، الى فترة خروجنا منها لطلب العلم، لا علاقة يربطه بعبد الوهاب الدكالي سوى الانتماء القبلي، لمنطقة دكالة التي قال فيها الامام البوصيري المصري دارا المغربي اصلا.
وما أنا من دكالة غير أنني = نسبت إليهم نسبة الصدق في الحب
كنسبة سلمان لبيت نبيه = وما كان في قبيل منهم ولا شعب
جزا الله خيرا ملة أخرجتهم = من الناس إخراج الحبوب من اللب
السي محمد گسيم الطفل، كان فورة من حماس، وصفاء سريرة، ممتلئا بحيويته، مسكونا برغباته وأحلامه، لم يقطع مع تراث الماضي الطربي بكل امجاده واعلامه وجواهره، فجسد لنا شخصية الفنان عبدالوهاب الدكالي بصوته الرخيم، وتقليده له في هندامه، وحركاته، ومهارته في ترديد أغانيه.
كنا نتحلق حوله في تلك الأماسي الدافئة والممعنة في البعد متخمين ثورة وحماسا منتظرين هبة رياح اتية برخاء وانفراج وتغيير، منتشين مصغين لصوت السي محمد گسيم وهو يؤدي مختلف الأغاني العصرية لعبدالحليم حافظ، وأم كلثوم، ومحمد عبدالوهاب، وفريد الأطرش، وعبدالهادي بلخياط، لكن احبها الى نفوسنا هي أداءه لأغاني عبدالوهاب الدكالي بالناي والأداء المتقن، والصوت الحلو العذب الرخيم. يالغادي في الطوموبيل، ما انا الا بشر ، مرسول الحب، هذي هي انتي، لاتتركيني، مرسول الحب، هذه يدي، لهلا يزيد أكتر، النظرة فتناها، ديني معاك.كانت هذه الاغاني التي لا يزال صداها يتردد في مسمعي هي البرزخ بين القديم والحداثة، ونحن مشدوهين نصغي بصمت جسور، مشدودين بنشوة غامضة لصوت منبعت من اقاصي اعماق الروح المسكونة بالفن والجمال والرقة، في زمن تعرف فيها الساحة الموسيقية انواعا رديئة وسمجة من الموسيقى التي تؤذي الذوق والاذن والاحساس..
قابلته قبل اسبوع من هذه الشهادة التي تاخرت كثيرا، وذكرته ونحن وقوف على ارض الذكريات عن الاناقة التي لا تزال احدى سمات شخصية السي محمد كسيم المتفردة، وعن الحنجرة الوهابية الدكالية الصادحة، وعن وقغته الشامخة وهو يعترض الكرات، ويحمي شباكه من أهداف محققة..
إبلاغ