د. زهير الخويلدي - أبعاد التجذر كفعل اجتماعي ثقافي ووجودي

مقدمة:

يعُتبر التجذر مفهومًا وجوديًا-ثقافيًا-مدنيًا مركزيًا في فهم الهوية الإنسانية، خاصة في عصر العولمة الذي يشهد تيارات قوية من الاقتلاع والتسييل. التجذر ليس مجرد ارتباط عاطفي بالأرض أو الماضي، بل هو موقف وجودي شامل يعني الانتماء الواعي إلى «مقام وجودي مشترك»، والالتزام العميق بثقافته الوطنية بما تحمله من تراكم تاريخي، والتمسك بمكاسبه المدنية كإنجازات جماعية، مع تحمل المسؤولية الأخلاقية في التعريف المستمر بهذا المقام وإثرائه بالإضافة الإبداعية.

هذا المفهوم يتجاوز النزعة القومية الضيقة أو التراثية الجامدة، ليصبح مشروعًا حيًا يجمع بين الثبات والحركة، بين الخصوصية والانفتاح. إنه يؤكد أن الإنسان لا يوجد في فراغ، بل في أرضية مشتركة تشكل أساس حريته وإبداعه. فيما يلي دراسة معمقة لهذا المفهوم من خلال أبعاده الأنطولوجية والثقافية والمدنية والأخلاقية. فكيف نفهم هذا المفهوم للتجذر كفعل وجودي وثقافي؟ وماهي أبعاد التجذر؟ وكيف تتراوح بين الانتماء إلى المقام الوجودي المشترك والالتزام بثقافته الوطنية ومكاسبه المدنية وتحمل مسؤولية التعريف بها والإضافة اليها؟

البعد الأنطولوجي: الانتماء إلى المقام الوجودي المشترك

يقوم التجذر أولاً على الإقرار بأن الوجود الإنساني مقام مشترك. هذا المقام ليس مجرد موقع جغرافي، بل هو نسيج من الزمان والمكان والتاريخ والعلاقات الاجتماعية التي تشكل «هنا» الإنسان. الانتماء إليه يعني الشعور بالاستمرارية مع الجيل السابق واللاحق، والإحساس بأن الذات ليست منفصلة عن الأرض التي تحتضنها، واللغة التي تنطق بها، والرموز التي تروي قصتها.

في هذا السياق، يصبح التجذر ردًا وجوديًا على حالة «اللاقرار» التي تطبع العصر الحديث. فالإنسان المقتلع يعيش في عالم يفقد فيه الأشياء وزنها الوجودي، وتصبح العلاقات سطحية والمعاني مهددة بالتلاشي. أما المتجذر فيعيش في مقام يمنحه الاستقرار الأنطولوجي: يعرف من أين أتى، ولماذا يوجد هنا، وإلى أين يسير مع الجماعة. هذا الانتماء يولد شعورًا بالامتنان للتراكم التاريخي الذي جعل وجوده ممكنًا، ويحوله إلى حارس أمين لهذا المقام لا مجرد مستهلك له.

البعد الثقافي: الالتزام بالثقافة الوطنية

الثقافة الوطنية هي التعبير الحي عن هذا المقام الوجودي. تشمل اللغة بأدبها وشعرها ومصطلحاتها، والعادات والطقوس، والفنون والقيم المشتركة، والذاكرة الجماعية بما فيها من انتصارات وهزائم ودروس. التجذر يعني الالتزام بهذه الثقافة لا كتراث ميت يُحفظ في المتاحف، بل كجسد حي يتطور ويتنفس. هذا الالتزام يتطلب فهمًا نقديًا: التمييز بين الجوهري والعرضي، بين ما يحافظ على الهوية وما يعيق التقدم. المتجذر لا يمجد الماضي، بل يقرأه قراءة إبداعية تكشف إمكانياته الكامنة. إنه يحول التراث إلى مصدر إلهام لمواجهة تحديات الحاضر، فيجعل من الشعر القديم أداة للتعبير عن أزمات العصر، ومن القيم التقليدية أساسًا لأخلاقيات مدنية معاصرة.

البعد المدني: المكاسب المدنية كإنجاز مشترك

تمثل المكاسب المدنية — كالدولة الحديثة، النظام القانوني، حقوق المواطنة، مؤسسات التعليم والصحة، والفضاء العام — ثمرة جهد جماعي متراكم. التجذر يستلزم الاعتزاز بهذه المكاسب والدفاع عنها، لا كأملاك خاصة، بل كملكية مشتركة يتحمل الفرد مسؤولية صيانتها. هنا يبرز الفرق بين «المواطنة الشكلية» و«المواطنة المتجذرة». الأولى تقتصر على الحقوق والواجبات القانونية، أما الثانية فتضيف إليها الانتماء العميق والشعور بالملكية. المتجذر يرى في المؤسسات المدنية امتدادًا للمقام الوجودي، فيحرص على إصلاحها عند الخلل، وتطويرها بما يتناسب مع روح الثقافة الوطنية، ويرفض تحويلها إلى أدوات لمصالح فئوية أو أجنبية.

البعد الأخلاقي: مسؤولية التعريف والإضافة

يصل التجذر إلى ذروته في تحمل المسؤولية. ليس كافيًا الانتماء والالتزام؛ بل يجب على الفرد والجماعة أن يشاركا في التعريف المستمر بالهوية الوطنية. هذا التعريف ليس ثابتًا، بل عملية حوارية تتجدد مع كل جيل: ما هي قيمنا الأساسية؟ ما هي حدودنا المرنة؟ كيف نواجه التحديات الجديدة دون فقدان الجوهر؟

أما الإضافة فهي الجانب الإبداعي في التجذر. المتجذر لا يكتفي بالحفاظ، بل يضيف طبقة جديدة إلى التراكم: فنان يبتكر أسلوبًا يجمع بين التراث والحداثة، مفكر يطور مفهومًا وطنيًا يستجيب للعولمة، مواطن يبني مؤسسة مدنية تعكس قيم المقام. هذه الإضافة هي الدليل على حيوية التجذر؛ فالجذور الحية تنمو وتمد أغصانًا جديدة، بينما الجذور الميتة تتحول إلى أحجار.

التجذر في مواجهة تحديات العصر

يواجه مفهوم التجذر تحديات جسيمة في العصر الحالي. العولمة الاقتصادية والثقافية تخلق نمطًا من «الإنسان الكوني» الذي يفقد ارتباطه بأي مقام خاص. الثورة الرقمية تولد فضاءات افتراضية تُضعف الشعور بالمكان. الهجرات القسرية أو الاختيارية تخلق أجيالًا «ممزقة» بين انتماءين أو أكثر. في هذا السياق، يصبح التجذر مقاومة وجودية. ليس رفضًا للعولمة أو التكنولوجيا، بل محاولة لامتلاكها من داخل المقام الوطني. المتجذر يستفيد من التقنية لإحياء التراث ونشر الثقافة، ويستخدم الانفتاح العالمي لإثراء هويته لا لتذويبها. كما أنه يحول التنوع داخل المجتمع الواحد (إثني، ديني، إقليمي) إلى مصدر غنى يعزز التجذر الجماعي بدل أن يهدده.

خاتمة:

التجذر، بهذا المعنى الشامل، هو مشروع حضاري يجمع بين الثبات والتجدد. هو انتماء إلى مقام وجودي مشترك يمنح الإنسان عمقًا، والتزام بثقافة وطنية تعطيه هوية، وتمسك بمكاسب مدنية تحميه، ومسؤولية أخلاقية تجعله مشاركًا في صياغة المستقبل. في عالم يميل إلى التسطيح والاقتلاع، يبقى التجذر دعوة للعودة إلى الأرضية الصلبة التي تجعل الحرية ممكنة، والإبداع أصيلاً، والانتماء معنى. إنه ليس نهاية التاريخ، بل بداية لكل تاريخ جديد يبنيه أبناء المقام على أكتاف آبائهم، بوعي كامل وإرادة حرة ومسؤولية عميقة. هذا التجذر هو ما يحول الوطن من مجرد مكان إلى مصير مشترك، ويحول المواطن من مستهلك إلى مبدع، ويحول الثقافة من تراث إلى مشروع حي نابض بالحياة. فمتى يتم التعامل مع التجذر كمشروع حضاري؟

كاتب فلسفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...