أدب ساخر د. إبراهيم عروش - الشريط الأحمر… شهيدُ البدايات

في بعض الأقاليم ، لا يُقاس نجاحُ المشاريع بعدد ما أُنجز فيها، بل بعدد المقصات التي قُصَّ بها الشريط الأحمر.

تاريخياً، ارتبطت فكرة قطع الشريط بتقاليد الزواج في أوروبا، حيث كانت العروس تقص شريطاً في طريقها إلى الكنيسة قبل افتضاض بكارتها، رمزاً لتجاوز الصعوبات وبداية حياة جديدة. ويبدو أن الفكرة نجحت عندنا أيضاً، لكن مع تعديلات محلية بسيطة؛ فالعروس الأوروبية كانت تقص الشريط لتبدأ حياةً مستقرة، أما نحن فنقصّه لنبدأ مرحلةً جديدة من الوعود والتصريحات والبلاغات التي تؤكد أن “المشروع سيدخل الخدمة قريباً بعد استكمال بعض اللمسات التقنية”.

لقد أصبح الشريط الأحمر أهمَّ من المشروع نفسه، بل أحياناً تشعر أن المشروع مجرد ذريعة محترمة ليجد المقص عملاً موسمياً، وإلا لبقي عاطلاً عن العمل بين درج بروتوكولي وآخر.

منذ الصباح الباكر يبدأ الاستنفار:
يُمسح الغبار الذي نام سنوات،
وتُزرع الورود فوق الحفر،
ويُطلى الرصيف الذي لم يتذكره أحد منذ عهد “المخطط الاستعجالي”،
ويُمنع المارة من المرور حتى لا يفسدوا المشهد الحضاري قبل وصول الكاميرات.

ثم يأتي البطل الحقيقي:
الشريط الأحمر…
ذلك المواطن الوحيد الذي يُعامل باحترام كامل قبل أن يُذبح أمام الجميع.

يُمدُّ الشريط بعناية بين عمودين متعبين،
وتُنفخ البالونات،
وتُرتب الورود،
وتُحضَّر الوسادة الصغيرة التي تحمل المقص،
وكأننا أمام مراسم تتويج إمبراطور، لا افتتاح مرحاض عمومي أو حفرة إسفلتية تم ترقيعها بعد ثلاث شكايات وسبع صور على فيسبوك.

أما المقص…
فذلك كائن بروتوكولي حساس،
لا يلمسه إلا أصحاب المقامات العليا.
مقصٌّ لا يقطع الورق في حياته،
ولا يعرف الكرتون ولا الخيط،
لكنه يظهر فجأة في لحظة تاريخية ليقص شريان الأمل الوطني.

ثم يبدأ الاصطفاف العظيم:
المسؤول في الوسط،
وحوله بشر يبتسمون أكثر مما يسمح به الفك البشري،
وكل واحد يحاول أن يظهر نصف أذنه في الصورة الرسمية،
وكأن الوطن لن يتقدم إلا إذا ظهر كتفه الأيسر قرب المقص.

وأحياناً لا يكتفي المسؤولون بقصّة واحدة، بل يتناوبون على الشريط كأنهم يقتسمون غنيمة تاريخية؛ هذا يمسك طرف المقص، وذاك يضع إصبعين للمشاركة الوطنية، وثالث يقترب فقط ليظهر في الصورة وكأنه ساهم في تحرير الشريط من الاستعمار.

أما الشريط نفسه، فيبدو حائراً:
هل هو افتتاح مشروع…
أم عملية جراحية تُجرى له من دون تخدير؟

ولأننا نؤمن كثيراً بالرمزية،
يأتون أحياناً بطفل صغير يحمل الوسادة.
طفل لا يعرف لماذا استيقظ باكراً،
ولا لماذا يرتدي بدلة أكبر من عمره،
لكنه يؤدي دوره التاريخي العظيم:
تسليم المقص للكبار.

فيتعلّم منذ الصغر أن بعض الناس يصنعون المستقبل،
فيما البعض الآخر يسلّم المقص فقط.

ثم تأتي اللحظة المقدسة…
لحظة القص.

تتعالى التصفيقات،
وتشتعل الكاميرات،
ويتحول الشريط في ثانية واحدة من رمز للأمل إلى جثة بروتوكولية هامدة.

يدخل الجميع بعد القص،
يتفقدون المكان،
يشربون العصير،
يلتقطون الصور،
ثم يغادرون…

ويبقى المشروع وحيداً يواجه مصيره:
مصابيح لا تعمل،
مراحيض مغلقة،
مصاعد متوقفة،
ورش متأخر،
أو بناية تنتظر افتتاحاً ثانياً بعد أول عملية ترميم.

أما الشريط المسكين،
فلا أحد يسأل عنه بعد التضحية به.
لا متحف يحتفظ به،
ولا أرشيف يوثّق نضاله،
ولا معاش تقاعدي لشريط قضى عمره القصير في خدمة التنمية.

إنه شهيد البدايات…
يولد جميلاً،
ويموت أمام الكاميرات،
بينما تبقى بعض المشاريع نفسها تحتاج، بعد سنوات، إلى من يقص شريط إنقاذها من جديد
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...