فخ ثيوسيديديس: حين تخاف قوة قديمة من صعود قوة جديدة بقلم ا.د. محمد لبيب سالم

مع أنني من عاشقي قراءة الفلسفة وخاصة اليونانية، إلا أنني لم أسمع من قبل عن المؤرخ اليوناني ثيوسيديديس، أو ثوقيديدس كما يُكتب أحيانًا، وقد توقفت ولأول مرة عند هذا الفيلسوف أمس عندما سمعت عبارة «فخ ثيوسيديديس» التي استدعاها الرئيس الصيني "شي جين بينج" أثناء حديثه أمام الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في بكين، متسائلًا عمّا إذا كانت الصين والولايات المتحدة تستطيعان تجاوز هذا الفخ، وصياغة نموذج جديد للعلاقات بين القوى الكبرى.

والحقيقة أنني وجدت في هذا المصطلح مفتاحًا عميقًا لفهم الصراع بين القوى الصاعدة والقوى القائمة، لا في السياسة وحدها، بل في الحياة كلها تقريبًا.

ثيوسيديديس لم يكن فيلسوفًا بالمعنى التقليدي مثل سقراط أو أفلاطون، بل كان مؤرخًا يونانيًا وقائدًا عسكريًا أثينيًا عاش في القرن الخامس قبل الميلاد، وكتب كتابه الشهير «تاريخ الحرب البيلوبونيسية» عن الصراع الطويل بين أثينا وإسبرطة. ويُعد هذا الكتاب من أوائل الأعمال الكبرى التي حاولت فهم الحرب لا باعتبارها مجرد وقائع عسكرية، بل باعتبارها نتيجة عميقة للخوف، والطموح، وتغيّر موازين القوة بين الدول.

كانت أثينا في ذلك الزمن قوة صاعدة؛ غنية، بحرية، تجارية، مبتكرة، تتسع نفوذًا وطموحًا، وهو موقع يذكّرنا إلى حد كبير بموقع الصين اليوم. أما إسبرطة فكانت القوة القائمة؛ العسكرية، المحافظة، صاحبة المكانة الراسخة في العالم اليوناني، وهو موقع يشبه إلى حد ما موقع الولايات المتحدة حاليًا.

لم تكن المشكلة في قوة أثينا وحدها، ولا في خوف إسبرطة وحده، بل في اجتماعهما معًا: صعود سريع من جانب، وقلق وجودي من جانب آخر. ولهذا لخّص ثيوسيديديس سبب الحرب بقوله إن نمو قوة أثينا، والخوف الذي أحدثه هذا النمو في إسبرطة، جعلا الحرب أمرًا شبه حتمي.

لكن مصطلح «فخ ثيوسيديديس» نفسه ليس من وضع ثيوسيديديس، بل شاع حديثًا على يد أستاذ العلوم السياسية بجامعة هارفارد غراهام أليسون في كتابه:


Destined for War: Can America and China Escape Thucydides’s Trap?

وفي هذا الكتاب عرّف أليسون الفخ بأنه حالة من الضغط البنيوي الخطير تنشأ عندما تتحدى قوة صاعدة قوةً مهيمنة قائمة. ووفقًا لدراسته، فإن كثيرًا من الحالات التاريخية التي شهدت صعود قوة جديدة في مواجهة قوة قديمة انتهت إلى الحرب، مع التأكيد أن هذا الفخ ليس قدرًا محتومًا، فقد نجحت بعض القوى عبر التاريخ في تجنبه بفضل الحكمة السياسية والإدارة الرشيدة للصراع.

بل إنني، كأستاذ متخصص في تدريس وأبحاث علم المناعة عمومًا، وعلاقة المناعة بالأورام خصوصًا، أرى أن مصطلح «فخ ثيوسيديديس» يمكن أن يضيء أيضًا العلاقة المعقدة بين الورم والجهاز المناعي.

ففي البداية تكون المناعة قوية ومسيطرة، قادرة على مراقبة الخلايا الشاذة والتخلص منها. لكن مع نمو الورم، وتطوره، واكتسابه القدرة على الهروب من الرقابة المناعية، يصبح الورم قوة صاعدة داخل الجسد، في مواجهة قوة قديمة قائمة هي المناعة. وهنا تنشأ معركة بيولوجية شديدة التعقيد، ينتصر فيها الطرف الأكثر قدرة على التكيف والمراوغة، إلا إذا تدخلت قوى علاجية خارجية، مثل العلاج المناعي، لإعادة ميزان القوة لصالح الجسم.

ومن هنا تبدو أهمية استدعاء الرئيس شي لهذا المفهوم أمام ترامب. فالصين اليوم تمثل في نظر كثيرين القوة الصاعدة: اقتصاد هائل، تصنيع واسع، تقدم تكنولوجي سريع، تمدد بحري، نفوذ تجاري عالمي، وطموح معلن لاستعادة ما تسميه بكين «النهضة العظيمة للأمة الصينية».

أما الولايات المتحدة فهي القوة العظمى القائمة التي بنت جانبًا كبيرًا من النظام الدولي بعد الحرب العالمية الثانية، وتمتلك شبكة واسعة من التحالفات، وتفوقًا عسكريًا وتكنولوجيًا وماليًا كبيرًا. لكنها ترى في صعود الصين تحديًا مباشرًا لموقعها، خصوصًا في المحيط الهادئ، وآسيا، والتكنولوجيا، والتجارة، وسلاسل الإمداد.

والعلاقة بين الصين وأمريكا ليست حربًا باردة كاملة، وليست سلامًا كاملًا. إنها علاقة مركبة: تنافس واحتياج في الوقت نفسه. فالشركات، والأسواق، وسلاسل الإمداد، تجعل كل طرف محتاجًا إلى الآخر، بينما تجعل ملفات مثل تايوان، والرقائق الإلكترونية، والذكاء الاصطناعي، وبحر الصين الجنوبي، والرسوم الجمركية، والمعادن النادرة، والتحالفات العسكرية، كل طرف يخشى نوايا الطرف الآخر.

وتبقى تايوان هي أخطر نقطة في هذا الفخ. فالصين تعتبرها جزءًا من أراضيها، والولايات المتحدة لا تعترف رسميًا باستقلالها، لكنها تدعم قدرتها الدفاعية وتتبنى سياسة ما يُعرف باسم «الغموض الاستراتيجي». ومن هنا يمكن لأي خطأ في الحسابات، أو حادث بحري، أو تصريح سياسي، أو استفزاز عسكري، أن يتحول إلى شرارة لا يريدها أحد، لكنها قد تفتح أبواب مواجهة واسعة.

ومع ذلك، فإن استدعاء فخ ثيوسيديديس لا يعني أن الحرب قادمة بالضرورة. بل ربما يكون ذكره محاولة واعية لتجنبها. فالزعيمان يدركان أن الحرب بين الصين والولايات المتحدة لن تكون حربًا محلية محدودة، بل زلزالًا عالميًا قد يضرب الاقتصاد، والتجارة، والطاقة، والتكنولوجيا، وربما الأمن النووي. لذلك تبدو لغة «تجنب الصدام» هنا ليست مجاملة دبلوماسية، بل ضرورة وجودية.

المعنى العميق للفخ أن الحرب لا تبدأ فقط من قرار الهجوم، بل من سوء قراءة النوايا. القوة الصاعدة تقول: أريد مكاني الطبيعي. والقوة القائمة تقول: أنت تهدد موقعي. الأولى ترى نفسها تستعيد حقًا، والثانية ترى أنها تدافع عن نظام قائم. وبين «الاستعادة» و«الدفاع» تنشأ مساحة الخوف.

وفي هذه المساحة يمكن لحادث بحري، أو أزمة حول تايوان، أو هجوم إلكتروني، أو عقوبات اقتصادية، أو تصريح سياسي غير محسوب، أن يتحول إلى شرارة أكبر من نية أصحابها.

ولذلك فإن الخروج من فخ ثيوسيديديس يتطلب أكثر من ابتسامات القمم. يحتاج إلى خطوط اتصال عسكرية مفتوحة، واتفاقات واضحة لإدارة الأزمات، واحترام متبادل للخطوط الحمراء، وعدم تحويل التنافس الاقتصادي إلى إذلال سياسي، وعدم تحويل الطموح الصيني إلى ذريعة للحصار، ولا تحويل التفوق الأمريكي إلى حق أبدي في القيادة.

فالفخ لا يُكسر بإنكار الصراع، بل بإدارته بعقل بارد.

إن الدرس الذي يقدمه لنا ثيوسيديديس من أعماق التاريخ ليس أن كل قوة صاعدة يجب أن تحارب القوة القائمة، بل أن الخوف إذا تُرك بلا عقل، والطموح إذا تُرك بلا ضوابط، والتحالفات إذا تُركت بلا حكمة، فإن التاريخ يعيد إنتاج مآسيه بأسماء جديدة.

كانت أثينا وإسبرطة بالأمس، وقد تكون الصين وأمريكا اليوم، لكن الفخ واحد: قوة تصعد، وقوة تخاف، وعالم ينتظر: هل ينتصر العقل أم تنتصر الغريزة؟
ويبقى السؤال الأهم بالنسبة لي: هل استخدم الرئيس الصيني شي هذا المصطلح لأنه مثقف واعٍ بأبعاده التاريخية والفلسفية، أم أن دائرته المحيطة من مستشاري التاريخ والسياسة والفلسفة هي التي أشارت عليه باستخدامه في هذه اللحظة؟


في كل الأحوال، أراه مصطلحًا عبقريًا في موضعه.
وهكذا يُدار الحوار حين يلتقي الكبار؛ لا بالشعارات وحدها، بل باستدعاء التاريخ، وفهم الفخاخ العميقة التي قد تدفع الأمم إلى مصائر لم تكن تريدها
.

تحياتي
د. محمد لبيب سالم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...