لضحى البيت في الشتاء مذاق خاص ورائحة قوية كأني على وشك لمسها. صحوت هذا اليوم وعرفت أني أكره المدرسة، وكان أبى قد أخذ لي أذنا بالراحة بعد أن طال عنادي ومرضت. الوقت ضحى ساطع ونور جديد يغمر البيت، في وقت لم أره كثيراً وهو يرسم ملامحه المتميزة على الجدران والأرواح، لم أر أشعة الشمس تسقط علينا من هذا الشرق الجميل وتملأ البيت بهذا الضوء النوراني كأنه الفرح يصب في بيتنا.
رأيت أن أمي مشغولة، ركضت إلى باب الشارع لأرى كيف تأتى شمس الصباح على شارعنا الصغير، فتحت الباب، وكما لو أنني أراه لأول مرة، بدا لي لأول وهلة أنه شارع آخر لا أعرفه، وجدت أن الشمس تأتيه من الجهة الأخرى، من الشرق، أليفة، طازجة وجميلة، وأدركت بعمق الإحساس، كم أنا غائب عن أشياء رائعة ولها طعم خاص. جلست على عتبة الباب أتأمل الشارع بفرح من يتذكر زملاءه، وهم يعانون في المدرسة كأنهم يبكون، وامتلأ رأسي فجأة، بصورة واحدة، لمدرس العربي عندما يتحدث، كانت لحيته سوداء وثوبه أسود، يبدو لي وأنا أتخيله أنه هو المدرسة نفسها، وأتذكر أيضاً زميلي خالد، ذات صباح، حين كنت أطل من نافذة الفصل على ساحة المدرسة، وأرى البواب يجره إلى الفصل، ويجلسه بجانبي وهو يبكي بوجه أحمر خجول.
تأملت الشارع بعمق وإذا حركة النساء كبيرة في هذا الوقت من اليوم، يتبادلن مواد الطبخ ويتحدثن كثيرا، لأول مرة أسمع أصوات نساء حارتنا بهذا الشكل الواضح، امتلأت بإحساس أن الصباح دائماً لنساء الحارات بينما المساء للرجال ولطلاب المدارس، وكنت أيضاً أرى البنات والأولاد الصغار الذين لم يعرفوا المدرسة بعد يلعبون جوار أبواب بيوتهم. بعد وقت عدت إلى البيت بنشوة غريبة، فقد كنت أتمنى أن يطول هذا الضحى أكبر قدر ممكن لكي يستمر هذا الإحساس معي وأعيش متمتعا به. جلست مع أمي وجاراتها، ثم استلقيت على ظهري بينهن، أتأمل فتحة سقف بيتنا، وأرصد حركة شمس الشروق على جدرانه بدهشة بالغة وفرح غامر، وكانت جارات أمي يلاطفنني بحركات مجاملة مضحكة، وكنت أكتفي بأن أنظر في وجوههن بحياد، وبعضهن يسألن عن مدرستي فأصمت مملوءا بالرغبة أن يعجلن بالخروج، أغمض عيني وأتذكر تعاقب حصص المدرسة وثقلها، وكنت نصف نائم عندما شعرت بحركة النساء.
تعود أمي إلى جانبي، تعبث بأصابعها الرقيقة في شعر رأسي، وكنت أستمتع بكفها ثقيلة وناعمة ودافئة تحت شمس الشتاء ولم فهم ما كانت تحدثني عنه.
سألتني بمفاجأة وصوت مرتفع قليلاً: هل فهمت.
رفعت عيني إلى وجهها وأنا لا أعرف عن ماذا كانت تتحدث.
هززت رأسي موافقا. وقلت: طيب.
سألتني ماذا ستقول لوالدك بعد أن يأتي.
لم أتكلم.
قالت: سوف تقول له أنك تحب المدرسة وأنك سوف تعود إليها.
هززت رأسي وأنا أخفي رفضاً، ثم ركضت إلى غرفتي، كنت أحفظ بها أشيائي وأنام في إحدى زواياها، جلست في الغرفة الصغيرة لا أدري ماذا أفعل، فقط أرسم أشكالا بلا هدف، أخط في ورقة وأستبدلها حتى أحاطت بي الأوراق الملونة من كل جانب. نظرت إلى الأوراق المكومة حولي في ظلمة الغرفة وإلى الشعاع الشمسي الذي يطل على من ثقب صغير في نافذة الغرفة، ولا أدري لماذا شعرت أنني لا أكره المدرسة فقط، والبيت أيضاً بشكل غامض. وكان الخيط الشمسي اللذيذ الذي يطل على من نافذة الغرفة الصغيرة يضيء بشمس صغيرة رسمتها في إحدى الأوراق.
رأيت أن أمي مشغولة، ركضت إلى باب الشارع لأرى كيف تأتى شمس الصباح على شارعنا الصغير، فتحت الباب، وكما لو أنني أراه لأول مرة، بدا لي لأول وهلة أنه شارع آخر لا أعرفه، وجدت أن الشمس تأتيه من الجهة الأخرى، من الشرق، أليفة، طازجة وجميلة، وأدركت بعمق الإحساس، كم أنا غائب عن أشياء رائعة ولها طعم خاص. جلست على عتبة الباب أتأمل الشارع بفرح من يتذكر زملاءه، وهم يعانون في المدرسة كأنهم يبكون، وامتلأ رأسي فجأة، بصورة واحدة، لمدرس العربي عندما يتحدث، كانت لحيته سوداء وثوبه أسود، يبدو لي وأنا أتخيله أنه هو المدرسة نفسها، وأتذكر أيضاً زميلي خالد، ذات صباح، حين كنت أطل من نافذة الفصل على ساحة المدرسة، وأرى البواب يجره إلى الفصل، ويجلسه بجانبي وهو يبكي بوجه أحمر خجول.
تأملت الشارع بعمق وإذا حركة النساء كبيرة في هذا الوقت من اليوم، يتبادلن مواد الطبخ ويتحدثن كثيرا، لأول مرة أسمع أصوات نساء حارتنا بهذا الشكل الواضح، امتلأت بإحساس أن الصباح دائماً لنساء الحارات بينما المساء للرجال ولطلاب المدارس، وكنت أيضاً أرى البنات والأولاد الصغار الذين لم يعرفوا المدرسة بعد يلعبون جوار أبواب بيوتهم. بعد وقت عدت إلى البيت بنشوة غريبة، فقد كنت أتمنى أن يطول هذا الضحى أكبر قدر ممكن لكي يستمر هذا الإحساس معي وأعيش متمتعا به. جلست مع أمي وجاراتها، ثم استلقيت على ظهري بينهن، أتأمل فتحة سقف بيتنا، وأرصد حركة شمس الشروق على جدرانه بدهشة بالغة وفرح غامر، وكانت جارات أمي يلاطفنني بحركات مجاملة مضحكة، وكنت أكتفي بأن أنظر في وجوههن بحياد، وبعضهن يسألن عن مدرستي فأصمت مملوءا بالرغبة أن يعجلن بالخروج، أغمض عيني وأتذكر تعاقب حصص المدرسة وثقلها، وكنت نصف نائم عندما شعرت بحركة النساء.
تعود أمي إلى جانبي، تعبث بأصابعها الرقيقة في شعر رأسي، وكنت أستمتع بكفها ثقيلة وناعمة ودافئة تحت شمس الشتاء ولم فهم ما كانت تحدثني عنه.
سألتني بمفاجأة وصوت مرتفع قليلاً: هل فهمت.
رفعت عيني إلى وجهها وأنا لا أعرف عن ماذا كانت تتحدث.
هززت رأسي موافقا. وقلت: طيب.
سألتني ماذا ستقول لوالدك بعد أن يأتي.
لم أتكلم.
قالت: سوف تقول له أنك تحب المدرسة وأنك سوف تعود إليها.
هززت رأسي وأنا أخفي رفضاً، ثم ركضت إلى غرفتي، كنت أحفظ بها أشيائي وأنام في إحدى زواياها، جلست في الغرفة الصغيرة لا أدري ماذا أفعل، فقط أرسم أشكالا بلا هدف، أخط في ورقة وأستبدلها حتى أحاطت بي الأوراق الملونة من كل جانب. نظرت إلى الأوراق المكومة حولي في ظلمة الغرفة وإلى الشعاع الشمسي الذي يطل على من ثقب صغير في نافذة الغرفة، ولا أدري لماذا شعرت أنني لا أكره المدرسة فقط، والبيت أيضاً بشكل غامض. وكان الخيط الشمسي اللذيذ الذي يطل على من نافذة الغرفة الصغيرة يضيء بشمس صغيرة رسمتها في إحدى الأوراق.