منذ التسعينيات، تغيّر مركز إدارة الثقافة العربية مع صعود المؤسسات الخليجية وتمدد نفوذها المالي والإعلامي.
منذ التسعينيات، تغيّر مركز إدارة الثقافة العربية مع صعود المؤسسات الخليجية وتمدد نفوذها المالي والإعلامي. لكن هذا الانتقال كشف فجوة بين امتلاك المنصات وامتلاك الشرعية الرمزية، وأعاد طرح أسئلة حول موقع المثقف العربي، وحدود تأثير المؤسسات، وعلاقة المال بإنتاج المعنى داخل المجال الثقافي العربي المعاصر.
كشفت الحرب الأخيرة على إيران حقيقةً قديمة لم تحسم داخل المجال الثقافي العربي وهي أن دول الخليج لم تنجح رغم قوتها المالية الهائلة وحضورها الإعلامي والمؤسسي في إنتاج تعاطف عربي واسع حتى وهي تتعرض لهجمات مباشرة من قبل إيران. لم يكن هذا الغياب مجرد موقف سياسي عابر، بل نتيجة تاريخ طويل من التوتر بين المجال الثقافي العربي والبنية الريعية التي صعدت منذ نهاية القرن العشرين إلى موقع المركز المالي من دون أن تتحول إلى مركز رمزي.
هذه المفارقة ليست جديدة. فقد ظهرت بصورة حادة سنة 1990، حين انقسم المثقفون العرب حول غزو الكويت، واصطف كثير منهم، بصمت أو بحماسة، إلى جانب العراق. عند تلك اللحظة أدركت دول الخليج أنّ المشكلة لا تتعلق بالأمن فقط، بل بالموقع داخل المخيال العربي نفسه. فلم تكن المسألة في واقع الأمر حماية الحدود، بل حماية الشرعية. والسؤال المطروح ذلك الوقت: كيف يمكن فهم هذه المجتمعات وهي عربية من دون شك داخل التاريخ العربي؟
منذ ذلك التاريخ، بدأت عملية واسعة لإعادة تنظيم المجال الثقافي العربي عبر الاستثمار في الصحافة، ودور النشر، والجامعات الخاصة، والجوائز الأدبية، والمهرجانات، ومراكز الأبحاث. لم يكن الهدف إنتاج مدرسة فكرية جديدة، بل إعادة توزيع مواقع الثقافة نفسها. وهكذا نشأت منظومة مؤسسات قوية قادرة على تمويل الثقافة العربية، لكنها لم تستطع إنتاج معنى عربي جديد لها وتغيير مزاج الجمهور منها.
داخل هذه اللحظة، ظهر نمط جديد من المثقفين يمكن تسميته بالمثقف المستخلِج. ليس المقصود هنا المثقف الخليجي، بل المثقف العربي الذي يعمل مع المؤسسات الخليجية، وتحوّل تدريجياً إلى جزء من جهازها الثقافي. هذا المثقف ليس المطلوب منه أن يمدح، أو أن يبرر، لكن مطلوب منه أن يعيد ترتيب أولويات النقد نفسها. صار نقد الدولة الوطنية في المشرق موضوعاً مركزياً، بينما خرج نقد الدولة الريعية من المجال التداولي العام.
بهذا المعنى، لم يكن استخلاج المثقفين عملية شراء مباشرة، بل إعادة تنظيم لشروط إنتاج الخطاب الثقافي العربي نفسه. فلم يعد المثقف هنا يعمل داخل صراع اجتماعي واضح كما كان يحدث في زمن الدولة الوطنية، بل داخل شبكة مؤسسات تنظّم ما يمكن قوله. وهكذا تحوّل تدريجياً من ضمير تاريخي إلى فاعل مؤسسي.
لكن المشكلة الأعمق لم تكن في انتقال المثقف إلى المؤسسة، بل في فشل المؤسسة نفسها في التحول إلى مركز اعتراف عربي. فقد نجحت من دون شك في بناء منصات قوية، لكنها لم تنجح في إنتاج مخيال ثقافي عربي جديد. ولهذا بقي المثقف المستخلج يخاطب جمهوراً محدوداً داخل المجال الذي تنظمه هذه المؤسسات، بينما فقد قدرته على التأثير في المجال الثقافي العربي الأوسع.
هنا تحديداً يظهر التناقض الذي يحكم الثقافة العربية منذ التسعينيات وهو انتقال مركز التمويل من دون انتقال مركز الشرعية. لقد أصبح الخليج مركز إدارة الثقافة العربية، لكنه لم يتحول إلى مركز إنتاج معناها. ومن داخل هذا الفراغ الرمزي، ولد المثقف المستخلج بوصفه أحد أعراض التحول، لا بوصفه حلاً له.
الخليجي في المخيال العربي: ثروة بلا تاريخ أم تاريخ بلا اعتراف؟
قبل أن يتحول الخليج إلى مركز تمويل الثقافة العربية بعد 1991، كان قد استقر داخل المخيال العربي الحديث بوصفه فضاءً يقع خارج التاريخ الاجتماعي الذي صنعت فيه المدن الكبرى معنى الحداثة. لم يظهر بوصفه مجتمعاً ينتج طبقاته وصراعاته ومثقفيه، بل بوصفه اقتصاداً ريعياً يملك المال من دون أن يملك السردية التي تمنح المال شرعيته. ولهذا لم تكن صورة الخليجي في الرواية والصحافة والنكتة السياسية مجرد صورة اجتماعية، بل حكماً تاريخياً كاملاً على موقعه داخل الزمن العربي الحديث.
صار نقد الدولة الوطنية في المشرق موضوعاً مركزياً، بينما خرج نقد الدولة الريعية من المجال التداولي العام
في هذا المخيال، لم يكن الخليج مختلفاً فقط، إنما ناقص الشروط التي تجعله قابلاً لأن يكون موضوعاً للفكر. فهو لم ينتج أحزاباً كبرى، ولا انقلابات، ولا سجالات أيديولوجية، ولا طبقة عاملة صناعية، ولا برجوازية وطنية حديثة. ومن دون هذه العناصر، لم يكن ممكناً إدخاله في السردية التي كتب بها المثقف العربي تاريخ القرن العشرين. هكذا ظهر بوصفه مجتمعاً محافظاً يملك الثروة لكنه لا ينتج المعنى.
وهنالك أمر مهم وشائع أنّ الخليج استُبعد بسبب الفكر القومي واليساري وهذا أمر لا صحة له، فلم يكن استبعاد الخليج من المجال الرمزي للحداثة العربية نتيجة القراءة القومية وحدها، بل شارك فيه أيضاً الخطاب الحداثي واليميني والليبرالي أيضاً. يظهر ذلك بوضوح في الصراع الذي دار في الستينيات بين مجلة «الآداب» ومجلة «شعر»، وهو صراع لم يكن أدبياً خالصاً حول الوزن الخليلي أو قصيدة النثر، بل كان صراعاً على تعريف المجال العربي نفسه: مَن يملك حق تمثيله؟ وأيّ العرب يدخلون في هذا التعريف؟ وأيّهم مستبعدون منه بوصفهم بقايا سابقة على الحداثة؟
لم يقرأ خطاب شعر العروبة بوصفها فضاءً ثقافياً جامعاً، بل بوصفها بنية تقليدية مغلقة مرتبطة باللغة الفقهية للإسلام، والبلاغة الكلاسيكية، والقبيلة، والدولة السلطانية. وحتى لو لم يكن الخليج موضوعاً مباشراً لهذا النقد، لكنه ظهر ضمنياً بوصفه الامتداد الاجتماعي الأكثر صفاءً لهذا النموذج العربي الذي ينبغي تجاوزه كي يولد العربي الجديد. وهكذا دخل الخليج إلى المخيال الحداثي العربي لا بوصفه مجتمعاً مختلفاً، بل بوصفه المثال الحيّ لما يجب تجاوزه تاريخياً.
أما «الآداب»، فقد دافعت عن العروبة بوصفها مشروعاً تحررياً حديثاً وعن اللغة العربية بوصفها فضاء وحدة سياسية وثقافية، لكنها أخرجت الخليج من هذا التمثيل. فقد ظل الخليج داخل خطابها فضاءً تقليدياً يقع خارج المدن التي تصنع التاريخ العربي الحديث. بهذا المعنى، سبق استبعاد الخليج صعوده المالي بوقت طويل. لقد تم إنتاج الخليج داخل جهاز الحداثة العربية نفسه بوصفه العربي الزائد عن مشروعها، قبل أن يتحول لاحقاً إلى هدف نقدها.
الشيخ النفطي من الصحافة الغربية إلى المخيال العربي
عزّزت الصحافة الغربية هذه الصورة وهي التي رشحتها. فقد تحولت شخصية «الشيخ النفطي» إلى نمط بصري ثابت: جسد مغمور بالذهب، تحيط به السيارات والنساء، يحمل ثروة لا تُفسَّر داخل منطق العمل الصناعي الحديث. لم تكن هذه الصورة مجرد سخرية استعمارية، بل ترجمة رمزية لموقع الريع داخل النظام العالمي: مال بلا تاريخ، قوة بلا تراكم، حضور بلا ذاكرة سياسية. ثم تسرّب هذا التمثيل إلى الخطاب العربي نفسه وأعيد استخدامه داخل مشروع التحديث العربي بوصفه دليلاً على تأخر الخليج وعلى اختلافه عن البلاد العربية الأخرى.
لهذا ظهر الخليجي في عدد كبير من النصوص السردية بوصفه شخصية تقع خارج المجال السياسي الحديث، وبوصفه نموذجاً اجتماعياً يختصر فكرة الثروة غير المنتجة. في رواية «بيروت بيروت» (1984) لصنع الله إبراهيم مثلاً، لا يظهر الخليجي شخصية روائية كاملة، بل علامة ثقافية على غياب الوعي السياسي. وفي رواية «مدن الملح» (1984) لعبد الرحمن منيف لا يظهر النفط مورداً اقتصادياً فقط، بل قوة اقتحمت مجتمعاً قبل أن يدخل زمن التاريخ الاجتماعي الحديث. هذه الأعمال لم تصف الخليج فقط، إنما أعادت تثبيت موقعه الرمزي داخل المخيال العربي.
بقيت هذه الصورة حية حتى بعد انتقال مركز التمويل الثقافي إلى الخليج نفسه. فقد استطاعت المؤسسات الجديدة أن تنقل الصحافة العربية، وأن تموّل الجوائز، وأن تدعم الترجمة، وأن تعيد تنظيم الحقل الأدبي، لكنها لم تستطع أن تمحو الصورة القديمة من الوعي العربي العام. بقي الخليج مركزاً مالياً من دون أن يتحول إلى مركز اعتراف، وبقي قادراً على تنظيم الثقافة لكنه لم يصبح قادراً على تعريفها.
وهنا تظهر أزمة المثقف المستخلج بوضوح. فهو يعمل داخل مؤسسات قوية، يكتب في صحف واسعة الانتشار، يشارك في لجان تحكيم وجوائز ومؤتمرات، لكنه يتحرك داخل فضاء لا يعترف به المجال الثقافي العربي بوصفه مركزاً لإنتاج المعنى. ولذلك بدا صوته واسع الانتشار مؤسسياً، محدود التأثير تاريخياً. لقد أصبح جزءاً من جهاز ثقافي قوي، لكنه لم يصبح جزءاً من ذاكرة ثقافية عربية مشتركة.
بهذا المعنى، لم يكن انتقال الثقافة العربية إلى الخليج انتقالاً لمركزها، بل انتقالاً لإدارتها فقط. الفرق بين الاثنين هو الفرق بين من يملك المنصة ومن يملك التاريخ. الأول يستطيع تنظيم الخطاب، أما الثاني، فيستطيع تعريفه. وهنا تحديداً بدأ التوتر الذي سيولّد لاحقاً ظاهرة استخلاج المثقفين العرب بوصفها محاولة لسد فجوة لم تنجح المؤسسات نفسها في سدها.
1991: حين انتقل مركز الثقافة من المدينة إلى المؤسسة
لم تكن حرب الخليج سنة 1991 حدثاً عسكرياً أعاد رسم خرائط القوة السياسية في المنطقة فقط، بل كانت لحظة فاصلة في تاريخ الثقافة العربية نفسها. في تلك اللحظة، لم يسقط توازن إقليمي فحسب، بل سقط أيضاً الترتيب القديم للحقل الثقافي العربي الذي كانت تتحكم فيه مدن مثل القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق. هذه المدن لم تكن مجرد عواصم سياسية، بل كانت معامل إنتاج المعنى العربي الحديث: الصحافة الكبرى، الجامعات، الأحزاب، السجالات الفكرية، والترجمات التي صاغت صورة العالم داخل اللغة العربية. بعد 1991، بدأ هذا المركز يفقد موارده المادية، ومعها بدأ يفقد قدرته على تنظيم المجال الثقافي.
منذ التسعينيات، تغيّر مركز إدارة الثقافة العربية مع صعود المؤسسات الخليجية وتمدد نفوذها المالي والإعلامي. لكن هذا الانتقال كشف فجوة بين امتلاك المنصات وامتلاك الشرعية الرمزية، وأعاد طرح أسئلة حول موقع المثقف العربي، وحدود تأثير المؤسسات، وعلاقة المال بإنتاج المعنى داخل المجال الثقافي العربي المعاصر.
كشفت الحرب الأخيرة على إيران حقيقةً قديمة لم تحسم داخل المجال الثقافي العربي وهي أن دول الخليج لم تنجح رغم قوتها المالية الهائلة وحضورها الإعلامي والمؤسسي في إنتاج تعاطف عربي واسع حتى وهي تتعرض لهجمات مباشرة من قبل إيران. لم يكن هذا الغياب مجرد موقف سياسي عابر، بل نتيجة تاريخ طويل من التوتر بين المجال الثقافي العربي والبنية الريعية التي صعدت منذ نهاية القرن العشرين إلى موقع المركز المالي من دون أن تتحول إلى مركز رمزي.
هذه المفارقة ليست جديدة. فقد ظهرت بصورة حادة سنة 1990، حين انقسم المثقفون العرب حول غزو الكويت، واصطف كثير منهم، بصمت أو بحماسة، إلى جانب العراق. عند تلك اللحظة أدركت دول الخليج أنّ المشكلة لا تتعلق بالأمن فقط، بل بالموقع داخل المخيال العربي نفسه. فلم تكن المسألة في واقع الأمر حماية الحدود، بل حماية الشرعية. والسؤال المطروح ذلك الوقت: كيف يمكن فهم هذه المجتمعات وهي عربية من دون شك داخل التاريخ العربي؟
منذ ذلك التاريخ، بدأت عملية واسعة لإعادة تنظيم المجال الثقافي العربي عبر الاستثمار في الصحافة، ودور النشر، والجامعات الخاصة، والجوائز الأدبية، والمهرجانات، ومراكز الأبحاث. لم يكن الهدف إنتاج مدرسة فكرية جديدة، بل إعادة توزيع مواقع الثقافة نفسها. وهكذا نشأت منظومة مؤسسات قوية قادرة على تمويل الثقافة العربية، لكنها لم تستطع إنتاج معنى عربي جديد لها وتغيير مزاج الجمهور منها.
داخل هذه اللحظة، ظهر نمط جديد من المثقفين يمكن تسميته بالمثقف المستخلِج. ليس المقصود هنا المثقف الخليجي، بل المثقف العربي الذي يعمل مع المؤسسات الخليجية، وتحوّل تدريجياً إلى جزء من جهازها الثقافي. هذا المثقف ليس المطلوب منه أن يمدح، أو أن يبرر، لكن مطلوب منه أن يعيد ترتيب أولويات النقد نفسها. صار نقد الدولة الوطنية في المشرق موضوعاً مركزياً، بينما خرج نقد الدولة الريعية من المجال التداولي العام.
بهذا المعنى، لم يكن استخلاج المثقفين عملية شراء مباشرة، بل إعادة تنظيم لشروط إنتاج الخطاب الثقافي العربي نفسه. فلم يعد المثقف هنا يعمل داخل صراع اجتماعي واضح كما كان يحدث في زمن الدولة الوطنية، بل داخل شبكة مؤسسات تنظّم ما يمكن قوله. وهكذا تحوّل تدريجياً من ضمير تاريخي إلى فاعل مؤسسي.
لكن المشكلة الأعمق لم تكن في انتقال المثقف إلى المؤسسة، بل في فشل المؤسسة نفسها في التحول إلى مركز اعتراف عربي. فقد نجحت من دون شك في بناء منصات قوية، لكنها لم تنجح في إنتاج مخيال ثقافي عربي جديد. ولهذا بقي المثقف المستخلج يخاطب جمهوراً محدوداً داخل المجال الذي تنظمه هذه المؤسسات، بينما فقد قدرته على التأثير في المجال الثقافي العربي الأوسع.
هنا تحديداً يظهر التناقض الذي يحكم الثقافة العربية منذ التسعينيات وهو انتقال مركز التمويل من دون انتقال مركز الشرعية. لقد أصبح الخليج مركز إدارة الثقافة العربية، لكنه لم يتحول إلى مركز إنتاج معناها. ومن داخل هذا الفراغ الرمزي، ولد المثقف المستخلج بوصفه أحد أعراض التحول، لا بوصفه حلاً له.
الخليجي في المخيال العربي: ثروة بلا تاريخ أم تاريخ بلا اعتراف؟
قبل أن يتحول الخليج إلى مركز تمويل الثقافة العربية بعد 1991، كان قد استقر داخل المخيال العربي الحديث بوصفه فضاءً يقع خارج التاريخ الاجتماعي الذي صنعت فيه المدن الكبرى معنى الحداثة. لم يظهر بوصفه مجتمعاً ينتج طبقاته وصراعاته ومثقفيه، بل بوصفه اقتصاداً ريعياً يملك المال من دون أن يملك السردية التي تمنح المال شرعيته. ولهذا لم تكن صورة الخليجي في الرواية والصحافة والنكتة السياسية مجرد صورة اجتماعية، بل حكماً تاريخياً كاملاً على موقعه داخل الزمن العربي الحديث.
صار نقد الدولة الوطنية في المشرق موضوعاً مركزياً، بينما خرج نقد الدولة الريعية من المجال التداولي العام
في هذا المخيال، لم يكن الخليج مختلفاً فقط، إنما ناقص الشروط التي تجعله قابلاً لأن يكون موضوعاً للفكر. فهو لم ينتج أحزاباً كبرى، ولا انقلابات، ولا سجالات أيديولوجية، ولا طبقة عاملة صناعية، ولا برجوازية وطنية حديثة. ومن دون هذه العناصر، لم يكن ممكناً إدخاله في السردية التي كتب بها المثقف العربي تاريخ القرن العشرين. هكذا ظهر بوصفه مجتمعاً محافظاً يملك الثروة لكنه لا ينتج المعنى.
وهنالك أمر مهم وشائع أنّ الخليج استُبعد بسبب الفكر القومي واليساري وهذا أمر لا صحة له، فلم يكن استبعاد الخليج من المجال الرمزي للحداثة العربية نتيجة القراءة القومية وحدها، بل شارك فيه أيضاً الخطاب الحداثي واليميني والليبرالي أيضاً. يظهر ذلك بوضوح في الصراع الذي دار في الستينيات بين مجلة «الآداب» ومجلة «شعر»، وهو صراع لم يكن أدبياً خالصاً حول الوزن الخليلي أو قصيدة النثر، بل كان صراعاً على تعريف المجال العربي نفسه: مَن يملك حق تمثيله؟ وأيّ العرب يدخلون في هذا التعريف؟ وأيّهم مستبعدون منه بوصفهم بقايا سابقة على الحداثة؟
لم يقرأ خطاب شعر العروبة بوصفها فضاءً ثقافياً جامعاً، بل بوصفها بنية تقليدية مغلقة مرتبطة باللغة الفقهية للإسلام، والبلاغة الكلاسيكية، والقبيلة، والدولة السلطانية. وحتى لو لم يكن الخليج موضوعاً مباشراً لهذا النقد، لكنه ظهر ضمنياً بوصفه الامتداد الاجتماعي الأكثر صفاءً لهذا النموذج العربي الذي ينبغي تجاوزه كي يولد العربي الجديد. وهكذا دخل الخليج إلى المخيال الحداثي العربي لا بوصفه مجتمعاً مختلفاً، بل بوصفه المثال الحيّ لما يجب تجاوزه تاريخياً.
أما «الآداب»، فقد دافعت عن العروبة بوصفها مشروعاً تحررياً حديثاً وعن اللغة العربية بوصفها فضاء وحدة سياسية وثقافية، لكنها أخرجت الخليج من هذا التمثيل. فقد ظل الخليج داخل خطابها فضاءً تقليدياً يقع خارج المدن التي تصنع التاريخ العربي الحديث. بهذا المعنى، سبق استبعاد الخليج صعوده المالي بوقت طويل. لقد تم إنتاج الخليج داخل جهاز الحداثة العربية نفسه بوصفه العربي الزائد عن مشروعها، قبل أن يتحول لاحقاً إلى هدف نقدها.
الشيخ النفطي من الصحافة الغربية إلى المخيال العربي
عزّزت الصحافة الغربية هذه الصورة وهي التي رشحتها. فقد تحولت شخصية «الشيخ النفطي» إلى نمط بصري ثابت: جسد مغمور بالذهب، تحيط به السيارات والنساء، يحمل ثروة لا تُفسَّر داخل منطق العمل الصناعي الحديث. لم تكن هذه الصورة مجرد سخرية استعمارية، بل ترجمة رمزية لموقع الريع داخل النظام العالمي: مال بلا تاريخ، قوة بلا تراكم، حضور بلا ذاكرة سياسية. ثم تسرّب هذا التمثيل إلى الخطاب العربي نفسه وأعيد استخدامه داخل مشروع التحديث العربي بوصفه دليلاً على تأخر الخليج وعلى اختلافه عن البلاد العربية الأخرى.
لهذا ظهر الخليجي في عدد كبير من النصوص السردية بوصفه شخصية تقع خارج المجال السياسي الحديث، وبوصفه نموذجاً اجتماعياً يختصر فكرة الثروة غير المنتجة. في رواية «بيروت بيروت» (1984) لصنع الله إبراهيم مثلاً، لا يظهر الخليجي شخصية روائية كاملة، بل علامة ثقافية على غياب الوعي السياسي. وفي رواية «مدن الملح» (1984) لعبد الرحمن منيف لا يظهر النفط مورداً اقتصادياً فقط، بل قوة اقتحمت مجتمعاً قبل أن يدخل زمن التاريخ الاجتماعي الحديث. هذه الأعمال لم تصف الخليج فقط، إنما أعادت تثبيت موقعه الرمزي داخل المخيال العربي.
بقيت هذه الصورة حية حتى بعد انتقال مركز التمويل الثقافي إلى الخليج نفسه. فقد استطاعت المؤسسات الجديدة أن تنقل الصحافة العربية، وأن تموّل الجوائز، وأن تدعم الترجمة، وأن تعيد تنظيم الحقل الأدبي، لكنها لم تستطع أن تمحو الصورة القديمة من الوعي العربي العام. بقي الخليج مركزاً مالياً من دون أن يتحول إلى مركز اعتراف، وبقي قادراً على تنظيم الثقافة لكنه لم يصبح قادراً على تعريفها.
وهنا تظهر أزمة المثقف المستخلج بوضوح. فهو يعمل داخل مؤسسات قوية، يكتب في صحف واسعة الانتشار، يشارك في لجان تحكيم وجوائز ومؤتمرات، لكنه يتحرك داخل فضاء لا يعترف به المجال الثقافي العربي بوصفه مركزاً لإنتاج المعنى. ولذلك بدا صوته واسع الانتشار مؤسسياً، محدود التأثير تاريخياً. لقد أصبح جزءاً من جهاز ثقافي قوي، لكنه لم يصبح جزءاً من ذاكرة ثقافية عربية مشتركة.
بهذا المعنى، لم يكن انتقال الثقافة العربية إلى الخليج انتقالاً لمركزها، بل انتقالاً لإدارتها فقط. الفرق بين الاثنين هو الفرق بين من يملك المنصة ومن يملك التاريخ. الأول يستطيع تنظيم الخطاب، أما الثاني، فيستطيع تعريفه. وهنا تحديداً بدأ التوتر الذي سيولّد لاحقاً ظاهرة استخلاج المثقفين العرب بوصفها محاولة لسد فجوة لم تنجح المؤسسات نفسها في سدها.
1991: حين انتقل مركز الثقافة من المدينة إلى المؤسسة
لم تكن حرب الخليج سنة 1991 حدثاً عسكرياً أعاد رسم خرائط القوة السياسية في المنطقة فقط، بل كانت لحظة فاصلة في تاريخ الثقافة العربية نفسها. في تلك اللحظة، لم يسقط توازن إقليمي فحسب، بل سقط أيضاً الترتيب القديم للحقل الثقافي العربي الذي كانت تتحكم فيه مدن مثل القاهرة وبيروت وبغداد ودمشق. هذه المدن لم تكن مجرد عواصم سياسية، بل كانت معامل إنتاج المعنى العربي الحديث: الصحافة الكبرى، الجامعات، الأحزاب، السجالات الفكرية، والترجمات التي صاغت صورة العالم داخل اللغة العربية. بعد 1991، بدأ هذا المركز يفقد موارده المادية، ومعها بدأ يفقد قدرته على تنظيم المجال الثقافي.