مجمد محمد مستجاب - في مثل هذه الليلة منذ سنوات بعيدة رحل..رحمه الله أمل......الفرعون الأخير

عود قصب لم يكتمل، فوضوي، وروحُّ وعرة، عينان عميقتان شاردتان، وأنامل متوترة تترصد أعداء الوطن، ونهر كلمات متدفق بعرق الصيف ونبل رمال الصحراء، وقلب معلق في ضوء القمر يهدر مثل الطواحين في مشانق الصباح، وحياة غير مبررة.
أنه فارس الشعر والموت، الذي لا حول له ولا شأن، ذلك الصعيدي الشرس مع المدينة التى أربكته في بدياته، مما جعله في حالة عداء معها ومع أهلها، صاحب الوجه الاسمر المنحوت كأنه أحد الفراعنة، والذي يبدو من ثقل نحت وجهه، أنه لا يتغير، صامد، وأكثر صمودا مع مبادئه، تلك التى أخرجها في أشعاره والتى ألهبت الكثيرون من الشباب في مظاهرات رافضة لكل ما يعيق الوطن وإنسانه البسيط.
إنه محمد أمل فهيم أبو القسام محارب دنقل، الرافض، والمحارب، والصعلوك والليلي والذي لم تقيده وظيفه أو مكتب ولم يستطيع دفتر حضور وانصراف أن يشل حركته، صاخب، وأكثر صخبًا في جلسته ومع أقرانه، لا يتواني في مهاجمة أي شخص، ومهاجمة أي فكرة تقيد حريه الإنسان.
وإذا كان الجنوبي يعني التزمت والخشونة والصلابة، فأن أمل دنقل حمل تلك الصفات في تعامله مع البشر، الأصدقاء والأقارب والأغراب، حملها في حالة من الدفاع عن النفس، ليس ضدهم بقدر ما هي طبيعته القلقة من قروي جنوبي يخشي أبناء المدينة، لذا فأن اشعاره جاءت ضد كل هذا، جاءت واضحة ومتفتحه وواعية ومرنة وسهلة الحفظ وقبلها سهلة الادراك والفهم.
والجميل في اشعاره: النفس.. أي أنك تشعر بأنك التى تقولها، أو هذا ما تريد أن تطلقه من داخلك، فجاءت تشبيهاته واستعارته سهلة وقوية وواضحة وضوح شمس النهار التى كان يكرها، فهو إنسان ليلي، يتنقل من مكان إلى مكان، يطرق بابك فجرًا أو بعد منتصف الليل، يتكوم على نفسه كقصيدة تنبت ببطء وبهدوء، قبل أن يسيقظ وينشرها فتربك الكون حوله.
فعلها بقصيدته لا تصالح، وفعلها قبل رحيله بأيام في قصيدته "الجنوبي"، تلك القصيدة التى حملت كل أنفاسه وكل معاناته مع المرض اللعين، ذلك المرض الذي ظل يأكل ويتغذي على جسده في الغرفة رقم " 8"، وأمل يحاربه في صبر، متخذًا من سمته كل الأمل ومن صعيديته كل الشراسة، ومن رحلته القصيرة في الحياة وتربيته كل القوة، ليصبح هو والقصيدة شيء واحد، ناعم وهامس وقوي ومرواغ.
فالجنوبي يا سيدي يشتهي أن يكون.
الذي لم يكنه
يشتهي أن يلاقي اثنين:
الحقيقية...
والأوجة الغائبة
ويعتبر شعر أمل دنقل حجر زاوية في الشعر العربي الحديث، فهو لم يستكين في دفء التقليد الساذج للغرب كما كان يحدث، أو ينام في دف الصور الشعرية الجاهزة، أو الكلمات الحادة الرنانة دون أي ثقل لغوي وأدبي، بل لجأ إلى تراثه العربي الممتد في عمق التراث الإنساني، وتاريخه المصري الذي يقف كحجر أساس للتاريخ العالمي، يضاف إلى هذا نشاته كرجل منذ صغره كما تقول والدته، بالإضافة إلى يتمه المبكر ، فقد اخته ووالده قبل أن يتم العاشرة، كل هذه الصفات جعلته لا يقترن مع اقرانه الصغار ويمارس ألعابهم ولا يأكل الحلوي مثلهم، بل نشأ منفردًا يقرأ ويجرب ويجوب ويصارع ويحتك ويحاول فهم العالم حوله، ذلك العالم الذي أخرجه في أشعاره الحارة والحادة والتى لم تهادن ولم تصادق أصحاب السلطة وأصحاب قيصر، هؤلاء الذين لا يخجلون – باستمرار – عن تحويل جذوع الاشجار إلى مشانق.
وكان أمل دنقل من الذكاء في كتابته وأشعاره أن يترك لنا مساحة نتسلل إليها، أي لم يغرق في ذاتيته أو تجربته أو يجعل القصائد عبارة عن طلاسم لا يستطيع فك رموزها الإ عتاه الادراك، أو متاها لا نعرف لها بداية ونهاية أو ماذا يريد أن يقول، لا، كان دائما يجذبك إلي تلك الحالة من الاستقرار الوجداني والامان النفسي المقلق، ذلك الامان الذي يحولك بعد قراءه القصيدة لشخص آخر، شخص يري أكثر من الجميع مثلما رأت زرقاء اليمامة الحقيقة الواضحة في تحول النصر والدم إلي وصمة عار، وشخص مدرك للكثير من الافخاخ التى تنصب للإنسان المصري والعربي، وكيف تتحول الشعارات والاسلحة والحراس لخدمة القائد فقط، بل أن هذه الاسلحة التى تصطف في الاحتفالات عندما تطلق، يخبرنا أمل دنقل انها تُطلق في صدورنا نحن.
كان أمل دنقل يملك أنامل وعقل تترصد " مقتل القمر" وهو يسقط في الشراك التى ينصبها أصحاب قيصر، هذا الفوضوي القاسِ الذي قال: " لا " في وجه من قالوا " نعم"، وبعدها ختم جبهة الريح والتاريخ والشعر العربي بالجملة الوردية النارية الرافضة: لا تصالح".
لا تصالحْ!
ولو منحوك الذهب
أترى حين أفقأ عينيك
ثم أثبت جوهرتين مكانهما..
هل ترى..؟
هي أشياء لا تشترى..:
لذا تم محاصرته وقتل يمامته الزرقاء، فاخرج لنا :" البكاء بين يدي زرقاء اليمامة" والذي يبدو فيه انه لم يتغير، كما لم تتغير " أقوال جديدة عن حرب البسوس"، حيث فرسان " العهد الآتي" حاصروه بالمرض اللعين، في الغرفة رقم " 8"، فلم يفلح، خطابه غير التاريخي للقائد الشهير، في تمهيد الطريق لأهل الكهف، كي يفهموا: أن الطَبلُ البِدائيُّ لن يوقظ الموتي.
يا أبناء قريتنا – أمل – مات، قتله أبناء وأصدقاء القيصر، نعم، ذرفوا عليه الدموع، ولكن..!! لم يعلموا في نشوتهم، أن موت القمر..هو الذي يوقظ الشمس.
أيها القمر المصلوب على جبين الشعر العربي، نفتقدك ونفتقد جراءتك.
محمد محمد مستجاب
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...