المقاهي سمير لوبه - قهوة الدمرداش

في حي الحضرة و تحديدًا في شارع الجواهر لست في حاجة إلى لوحة إعلانية تدلك على قهوة الدمرداش ، يكفي أن يتسلل إلى أنفك عبق الشاي المغلي على مهل فوق كانون الفحم فينقاد إليها قلبك قبل قدميك، قهوة الدمرداش مرسى الأرواح المتعبة وواحتها الشعبية، واجهتها البسيطة وكراسيها القش وطاولاتها المعدنية تحكي قصة عمرها أكثر من نصف قرن، محمد الدمرداش أو كما يعرفه الجميع بـ "أبو شنب" يقف خلف النصبة لا يرفع عينيه عن براد الشاي إلا ليحيي زبونه بابتسامته العريضة، بعد العصر تبدأ القهوة في استعادة أنفاسها فتتراص الكراسي الخشبية ويتم تجهيز الشيش ، بينما يصدح صوت الأغاني من الراديو ، الريس عباس يشرب أول كوب شاي ، والشاي هنا له طقوس إذ يوقد أبو شنب الفحم ويضع البراد، ثم يضيف ورقتين نعناع، ثم يرفع البراد من على النار ويغطيه بفوطةٍ مبلولة حتى يخرط الشاي ويهدأ نفس البراد كما يقول دائمًا، الشاي عنده يعطي شاربه وعدًا بالسكينة، يجلس وفي يده كوب الشاي عم عبده الفكهاني، رجل تخطى السبعين يحكي للجالسين عن حكايات الصعايدة في المراكب الشراعية التي تمر من ترعة المحمودية، وهو يجلس معهم أثناء إغلاق كوبري النزهة ويشرب معهم شاي الراكية، كانت القهوة مكانًا لتبادل الحكايات لا النميمة وكلما تزايدت الحكايا صب أبو شنب الشاي في الأكواب، وتمر السنوات ويتغير شارع الجواهر وتحل الأبراج الشاهقة مكان ڤلل الخواجات وتنتشر الكافيهات، اختفت وجوه وجاءت أخرى ورحل الدمرداش وظلت قهوته شاهدة على زمن لم يبق منه سوى رائحة الشاي المغلي على الفحم وصدى أغانٍ قديمة تشق جدار الصمت بين زمنٍ انقضى وزمنٍ لا ينتظر أحدًا.
في حي الحضرة تبقى قهوة الدمرداش ذاكرةً حية وصندوقًا أسودَ مليئًا بضحكات رجالٍ لم يهزمهم الزمن رغم تعبهم، فمن يجلس هناك يتذوق مع الشاي طعم الزمن الجميل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...