رسائل الأدباء ثلاث رسائل من ليلى بعلبكي إلى توفيق صايغ

الرسالة الأولى

عزيزي توفيق
لم أشأ التحدث اليك في بيروت. الحياة في بيروت تمشي بطيئة كريهة متشابهة دوماً. وأتساءل الآن وانا أكتب اليك في مقهى صغير هادئ قرب حديقة «اللوكسمبورغ» كيف يمكنني ان اعود الى بيروت لأرجع الى الوراء وابدأ من هناك حياة متشابهة بطيئة كريهة؟ منذ اسبوع وانا افتش عن غرفة في باريس واتنقل من اوتيل الى آخر. لا انكر ان الحياة هنا قاسية، ونحن نحمل حزننا الى كل مكان في العالم، ولكنني في هذه الفترة لا أحس لا بالسعادة ولا بالفرح ولا بالراحة. أتدرى كيف سافرت؟ حملت حقائبي واشتريت تذكرة سفر واخذت تاكسي وتوجهت الى المطار دون ان أودع أحداً. حتى في البيت لا يعرفون اين انا الآن. ربما كتبت اليوم رسالة اليهم. باريس اروع اليوم بكثير منها في الصيف فهي باريس التي كنت احلم فيها: الضجيج والاشجار بلا اوراق والبرد الذي يلصق الثياب بالجسد ويذيبها عليه. ارجو ان تحدثني عنك. فهل ستأتي الى باريس؟ لم تصلني نسخة من «ديوانك» وانا حاقدة عليك. بانتظار اخبارك اتمنى لك الهناء والى اللقاء
ليلى
باريس في 1/12/1960


*********


الرسالة الثانية


عزيزي توفيق،
يسعدني أن تكون رسالتي قد افادت، فأنا في هذه الايام اشعر انني لا اصلح لشيء، ولا اريد ان افعل شيئاً يفيد. اريد ان ازحف هكذا نكدة، كسولة، مهملة. ولكن رسالتك ايضاً افادتني، وأعادت إليّ العالم الحقيقي الذي انا منه، ولا يمكنني ان انفصل عنه، ومنحتني ثقة في التحدث الى الآخرين. ماذا افعل؟ وكيف تمشي ايامي؟ أنا نفسي لا ادري. لا ادري في اي تاريخ نحن واسم اليوم ولا متى تعتم الدنيا ومتى تضيء. أنا سعيدة وانا تعيسة في الوقت نفسه وانا لا هذه ولا تلك معاً. لا اقوم بأي نشاط لا ادبي ولا عاطفي و لا غير ادبي ولا مالي ولا اي نشاط. اعتقد انني ارتاح الآن. كانت اعصابي في الماضي القريب مقطعة، كنت بلا اعصاب. وعلى ذكر عدوك الكسل. بيني وبينك ما هي عشرة أعدائك الأوّلين؟ بصراحة. لا. أنا أحب الاجوبة الطويلة بقدر ما احب كتابة الرسائل القصيرة. أرأيت كم أنا «منزوعة»؟ اجل اتفقنا على أن احضر انا الى لندن، ولكن هل انا ملامة اذا استفسرت اذا كنت تنوي زيارة باريس؟ آه. انت لا زلت كما انت، دائماً تؤنبني. لا بأس، اعتقد انني سأصل بعد مدة باريس وسأحضر اليكم عن قريب في الشهر القادم او في شباط؟ على كل سأكتب لك بالتفصيل عند ذلك. متى سآتي؟ هل ستستقبلني على المطار؟ اوه، اتمنى ذلك. لا زلت في غرفة في الاوتيل. ولكنه اوتيل جديد. الغرفة في الطابق السادس وصقعة وتطل على «pantheon» مقبرة العظماء في فرنسا. أحب هذه المقبرة التي ترتفع امام نافذتي لأنها في قلب المدينة، في عين المدينة، في المدينة كلها. اعطيت عنوانك لادونيس وقال انه سيكتب لك. كيف حال الجميع عندك. لا اعني اولادك. الشمس... تصور الشمس الآن تغمر المدينة كلها، ولكن البرد يقسو كل يوم. آه. اكره التحدث عن الطقس. هل أفلست؟ اعتقد ذلك لأنني بدأت أتعب. دخنت نصف علبة سجاير منذ وصلت الى المقهى. وبعض الشباب حولي يحملقون مشدوهين باللغة التي اكتبها. الى الآن لم يتصيدني احد ولم أتصيد انا أحداً. ولكن سيأتي يوم وانا واثقة بأنني سأوقع او سأقع. ما رأيك؟ اتركك الآن والى اللقاء في رسالة منك حلوة دافئة. والى اللقاء
ليلى
في 12/12/1960


*******


الرسالة الثالثة

عزيزي توفيق
لا، لم اتعمد الانتظار الى اليوم (الاحد) لأكتب لك. فأنا اليوم مضطربة. قلت لك انني لم اؤجل الكتابة لك ليوم اكون فيه مضطربة. لكن اليوم هو الاحد وانا أكره هذا النهار منذ كنت مجبرة على الزرب في البيت في عطلتي المدرسية. نمت الى الظهر والتقيت في المطعم شباباً لبنانيين لزّقوا عليّ حتى الساعة 4، ثم بدأ الغضب يغلي في رأسي، في قدميّ. فتركتهم وصرت ادور في مقاهي الكارتيه، من مقهى الى آخر. الملل والغضب والرجفة والوحدة تسري في شراييني، كلها تأكل من يمّي. وأكلت في الساعة 8 سندوتش من الجبنة والعصير. وأظن ان الطريقة العصبية الموحشة التي كنت آكل بها لفتت بعض الانظار اليّ، واليوم أحد، والآخرون يقعدون على المقاعد ويحتضنون بعضهم بعضاً، يأكلون بعضهم البعض أنا امضغ وحدي الخبز والجبن. واقترب مني شاب رائع. عيناه رائعتان بلون البحر، شاسعتان كالبحر، بعيدتان مثله. ودعاني بعد ان تحدث هو نصف ساعة ولم اتمكن من الكلام، دعاني لسماع حفلة موسيقية. رفضت لأن الموسيقى تجرحني في مثل هذه الحالات. تموّتني. تعذبني. تزيدني احساساً بالاستياء والكآبة. وحين رفضت سألني اذا كنت اقبل بأن يذهب هو معي. اكره هذا (الارث) الذي اجرجره معي. احمله على رأسي، على كتفيّ، أحمله في دمي. أنا شرقية، أنا شرقية، كيف يمكنني ان انسى انني شرقية يا صديقي؟ هذا التاريخ. هذا القرف، هذا الوسخ، هذا التعصب، هذا التدين الأعمى، هذا الجهل، هذا الماضي المجيد او غير المجيد لأنه هنا احمله على كتفي وفي دمي. وكل الناس هنا، الغرباء هنا مجرمون معي. انهم يذكرونني دوماً بأنني شرقية. انني احمله حتى في شعري الاسود. تدور في رأسي فكرة الآن ان اقص شعري. ما رأيك؟ تسألني عن أخبار بيروت؟ كل 15 يوم اكتب رسالة وتأتيني رسالة. فأنت تعرف على ما يبدو اكثر مني عنها. ارسلت لي اختي بطاقة لبيروت. جميلة جداً. لم يصدق بعض الذين رأوها من الاجانب انها حقيقية فوتوغرافية. انهم لا يعرفون. لقد اهملوا في الصورة قذارة بيروت وألسنة الناس وعيونهم الوقحة، وأجسادهم الكاذبة التي تمارس في الظلام ابشع العلاقات. يسعدني أن اخبرك أنني صححت آخر ملزمة من الترجمة. وسيصدر كتابي في الشهر القادم او في اوائل آذار. كما انني انتظر الفرصة، اول فرصة للسفر اليكم قريباً. وان الحكومة الاسرائيلية (هذا ليس خبراً ساراً) قد اعادت طبع (أنا أحيا) بالعربية في (تل ابيب). ثم سحبته من الاسواق لأنه كما قالت ضد السامية. ثم ماذا؟ لا أدري الآن. الساعة على ما اعتقد هي نصف الليل. والشارع يبدو هادئاً وحزيناً. وأنا نعسانة. ارجو ان تخرج من عزلتك قليلاً. وتخبرني عن أجواء لندن، كما ارجو ان تكف عن فلسفة الأمور هذه، الحياة والموت. ما معنى الحياة يا عزيزي، وما معنى الموت؟ لماذا نعطي للحياة أهمية؟ لماذا نعطي للموت أهمية؟ نحن هكذا: في الشهرة نشقى، في الاهمال نشقى. وفي الحب نشقى. في الثراء نشقى وفي الجوع نشقى... هكذا نحن. ويجب ان نقبل انفسنا كما نحن. في الماضي كنت اسخط على نفسي، كنت اعذبها. اما الآن فأنا لا يهمني الموت. لا تهمني الحياة. لا يهمني الناس. لا يهمني شيء. اكتب كما اريد وما اريد في صراعي الآن. واظن انك انت في نفس المرحلة، كيف يمكنني ويمكنك ان ننتصر على وحدتنا؟ دعني أستمر في التجربة لأخبرك على ألا تخفي عني التفاصيل في تجاربك انت. اتمنى لك ليلة سعيدة. وسأنام بانتظار رسالتك، وإلى اللقاء.
ليلى
في 15/1/1961​

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...