اعتاد أن يستيقظ في الخامسة صباحاً، يجلس وراء المكتب الصغير وخلفه شهادة الابتدائية التي نالها عام 1932، يعتز بها لأنها الشهادة الوحيدة التي حصل عليها، وإلى يمينها إجازة العمل حلاق مؤرخة 1942، وبينهما صورة لمكسيم غوركي بشاربه الكث: "عندما قرأت كتاب طفولتي لغوركي أيقنت أن حلاقاً مثلي يمكن أن يصبح كاتباً"، لكن حياته كأديب تبدأ عندما يهديه أحد رفاقه في الميناء نسخة ممزقة من رواية "الأم" لمكسيم غوركي، يكتب حنا مينة بعد سنوات عن هذه اللحظة: "وأنا أتابع حكاية الأم بيلاجيا، اكتشفت أن البؤس واحد في كل الأمكنة وفي جميع الأزمنة، لكن الأهم عرفت كيف أن النضال في سبيل تحسين الحياة، يجعلنا نطرد البؤس خارج حياتنا".
في الروسية تعني كلمة غوركي "المر" وحين اختار أليكسي مكسيموفتش بيشكوف هذا الاسم المستعار فكأنه أراد أن يضع الكلمة الدالة على حياته وحياة أبطاله، وقد رسم غوركي صورة "مرة" للحظة الأولى التي جاء بها إلى الحياة: "في الساعة الثانية ليلاً من الثامن والعشرين من آذار 1868 ولدتني الطبيعة بمسحة فرشاة على أثر حبها المغفل للممازحات الرديئة، ولإتمام مبلغ الحماقات التي اقترفتها بصور مختلفة. ورغماً من أهمية هذا العمل فإنني لم أحتفظ منه بأي تذكار شخصي. ولكن جدتي قالت لي إنني صرخت عندما أعطيت الروح الإنسانية. وأريد أن أعتقد أنها كانت صرخة كراهية واحتجاج".
كنت في سن الشباب عندما وقعت بيدي رواية حنا مينة "بقايا صور"، كان للروائي حنا مينة سمعة جيدة في المكتبة، القراء يتلاقفون رواياته حالما نضعها على الرفوف، رشحها لي القاص والروائي الراحل عبد الستار ناصر، وكان مغرماً بحنا مينة، قال لي ذات يوم: "لم يستطع أي كاتب أن يرغمني على شراء عجائبه كما يفعل حنا مينة وقبله احسان عبد القدوس ". بعد هذه النصيحة رحت إلى الرف الذي يضم كتب حنا مينة، كانت هناك كما أتذكر المصابيح الزرق، الشمس في يوم غائم، الثلج يأتي من النافذة، وبقايا صور فاخترت الأخيرة.
يرى الفيلسوف أوغسطين أن القراءة: "أتاحت أكثر من جميع النشاطات الأخرى، مساحة يستطيع فيها العقل أن ينفصل عن محيطه اليومي"، وهذا ما حصل معي وأنا أنغمس في قراءة "بقايا صور"، كان صاحب المكتبة يراني غارقاً في القراءة، وكان البعض يضعني في صورة "أحمق الكتب" لأنني أقرأ كثيراً دون تعمق، كنت أشبه بالوصف الذي أطلقه ألبرتو مانغويل: "مخلوق تائه في برية من الكلمات، لا يملك أي شيء عن الواقع اليومي، يعيش في عالم من الخيال".
انتهيت من قراءة "بقايا صور"، وقررت أن أقرأ روايات حنا مينة المتوفرة في المكتبة، بعد أيام سيطل عبد الستار ناصر بقامته الرشيقة ووجهه الوسيم، والوميض العابث في عينيه، والابتسامة اللطيفة، كان قارئاً مذهلاً، واسع المعرفة، ألف قصصاً مدهشة، قلت له وأنا أستقبله مرحباً: أعجبتني جداً رواية "بقايا صور".
قال لي: يوجد نوعان من الروائيين المهرة، أولئك الذين يحاولون إقناعك أن رواياتهم جيدة، والذين لا يجدون أي حاجة لإقناعك بأنهم كتبوا رواية جيدة؛ حنا مينة من النوع الثاني، الذي كلما تعيد قراءة رواياته، تكتشف أن القراءة الثانية لها مذاق آخر.
يخبرنا حنا مينة أن المكونات التي شكلت حياته الأدبية والفنية تشكلت من البيئة الاجتماعية التي خرج منها إلى العالم، والتي وصفها لنا في ثلاثيته "بقايا صور.. المستنقع.. القطاف"، ويشير مينة إلى والده الذي كان يقص عليهم تجاربه في الحياة ومعاناته ، يُضاف إلى ذلك الكتب التي رافقت الصبي منذ بداية حياته، وكان أبرزها روايات الأدب الكلاسيكي الروسي التي غرست في نفسه الطموح لأن يُصبح كاتباً، يضاف إليها كتابات همنغواي وناظم حكمت ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وجبران خليل جبران، إلا أن الاكتشاف الأكبر كان مكسيم غوركي الذي تعلم منه: "إن الحياة والإنسان مصدر كل علم. نعم إن الناس يعلمون في ألم وقسوة، ولكن هذا العلم وحده هو الذي يبقى ثابتاً راسخاً".
نبهني عبد الستار ناصر فيما بعد إلى أهمية قراءة ثلاثية مكسيم غوركي "طفولتي.. بين الناس.. جامعاتي"، فقد ظهر هذا الكاتب في الأدب الروسي حاملاً معه حكايات قطاع الطرق والمتسكعين، وأفكاراً مشحونة بآمال ثورية.
ولد أليكسي ماكسيموفيتش بيشكوف في الثامن والعشرين من آذار عام 1868، بعد سبع سنوات من تحرير الأقنان، في مدينة نيجني نوفغورود على نهر الفولغا، إحدى أهم مراكز التجارة النهرية في الإمبراطورية القيصرية. كان والده يعمل في حوض بناء السفن، ومات بالكوليرا عام 1872، لتعود به أمه إلى منزل جده فاسيلي فاسيليفيتش كاشيرين، صاحب المصبغة الصغيرة، وكان إنساناً بخيلاً وعصبياً، عامل حفيده معاملة قاسية، سيتذكرها غوركي في كتابه "طفولتي": "ملأ الحقد منزل جدي كضباب كثيف"، توفيت والدته بعد ست سنوات بمرض السل. في الثامنة من عمره، أُرسل إلى المدرسة، لكن جده أخرجه منها بعد بضعة أشهر ليعمل جامعاً للخرق على ضفاف نهر الفولغا، بالمقابل كانت الجدة إنسانة وديعة وطيبة، تقص على الصبي مكسيم الأساطير وتغني له الأغاني القديمة: "كانت هي الشخص الذي أدخلني الحياة اللذيذة، على صعوبتها، الحياة بين الناس. وحين أفكر بها، يزول الألم كله والجراح كلها، كانت تتكلم فتطبع الكلمات بنغمة خاصة، وترسخ تلك الكلمات في ذاكرتي شبيهة بزهور ناضرة، حية، عذبة" - طفولتي ترجمة سهيل أيوب.
في الحادية عشرة من عمره، يغادر المنزل ليعمل صبياً على متن السفن النهرية، لينفتح أمامه عالم اللاعدالة الرهيب، عالم البؤس والقسوة، فكان يلاحظ كيف كان التجار الجشعون يستغلون العمال، فتولدت بداخله بذرة حب الناس البسطاء. في تلك السنوات كان يلتهم ليلاً كتب بوشكين، وتولستوي، ونيكولاي غوغول، وإيفان تورغينيف، وفيودور دوستويفسكي، وإميل زولا، وتشارلز ديكنز، وبلزاك، وفلوبير وجميع الكتب التي استطاع الحصول عليها، وقد لعبت هذه الكتب دوراً في حياته، وجعلته برغم ظروفه التعيسة يبحث عن الحقيقة: "هذه الكتب غسلت نفسي وأزالت عنها ما علق بها من أقذار الحقيقة المؤلمة. . أدركتُ الآن قيمة الكتب العظيمة، وأدركتُ أيضاً مدى ضرورتها لي وعدم استغنائي عنها." .
عام 1884، كان غوركي قد بلغ السادسة عشرة من عمره، فقرر أن يكمل دراسته، سافر إلى مدينة قازان، أملاً في الالتحاق بالجامعة، ولكن بالنسبة لفتى أنهى في طفولته الصف الأول، ثم أكمل الدراسة بعد سنوات، سيجد حتماّ أبواب الجامعة مغلقة في وجهه، يقرر العمل حمالاً في الميناء، يعيش في قبو مع مجموعة من الطلاب والعمال والمشردين الذين سيصبحون فيما بعد أبطال مسرحيته الشهيرة "الحضيض" التي نشرها عام 1902. حيث يصف لنا بشكل مبهر البؤس الذي يعيشه المواطن الفقير، فأحداث "الحضيض" تدور وسط بيئة المعدمين والبائسين والمشردين الذين بالكاد يجدون قوت يومهم، أو مكاناً يؤويهم، ومع ذلك نراهم يتمسكون بالعيش وبحب الحياة.
في «الحضيض» تتردد كلمات بطل المسرحية (ساتين) التي يعلن فيها حق الإنسان في الحرية والكرامة البشرية: " إنَّ الإنسان حرّ. الإنسان - هو الحقيقة! ما هو الإنسان؟.. إنَّه ليس أنت، ولا أنا.. كلا، إنَّه أنت وأنا، هم، في واحد. أتفهم! إنَّ هذا العظيم، فيه كل البدايات والنهايات.. كلُّ شيء في الإنسان، يوجد الإنسان فقط، وكل ما تبقى، إنما هو صنع يديه ودماغه. ينبغي احترام الإنسان، لا الإشفاق.. ولا إذلاله بالإشفاق.. وإنما احترامه" .
بعد عام، ينتقل للعمل في مخبز، وكان ينام ليلاً بجوار الفرن ،أدّى به بؤسه إلى اكتئاب حاد، وفي سن التاسعة عشرة حاول الانتحار بإطلاق النار على قلبه ، أخطأت الرصاصة هدفها، لكنها ألحقت ضرراً دائماً برئته اليسرى، وبدأ يعاني من الأعراض الأولى لمرض السل. بعدها سينطلق برحلة إلى موسكو وأوكرانيا والقوقاز والبحر الأسود وبحر قزوين، يمارس عدة مهن ويلتقي بالاشتراكيين ويتعرف على الأفكار الثورية. كتب في كتابه "طفولتي": "كنت أعيش في دوامة من الأفكار والرغبات والمشاعر المتناقضة، أبحث عن شيء في الحياة والناس يخفف عني عبء قلبي".
في العشرين من عمره بدأ يدرك ان مشاهداته وتجاربه في الحياة تستحق ان تروى للناس :" راودني شعور بأنني اعرف وأشعر بشيء لا يعرفه ويشعر به الآخرون .. كنت عند قراءتي كتب اساتذة مثل تورغنيف أفكر أحياناً بأنني قادر على أن أروي ( مذكرات صياد ) مثلاً بطريقة تختلف عن طريقة تورغنيف " – كيف تعلمت الكتابة ترجمة احمد الرحبي -
نُشرت قصته القصيرة الأولى، "ماكار تشودرا"، التي تتناول حياة المتشردين والرحالة الذين التقاهم في رحلاته، عام 1892، وكان آنذاك يعمل في ورشة طلاء السكك الحديدية، "المرّ". كتب: "مرارة حياتي هي التي صنعت مني كاتباً. كلما اشتدت عليّ الصعاب، ازددت قوةً وحكمةً".
جذبت كتابات غوركي مزيداً من الاهتمام، لكنها في المقابل وضعت خطواته تحت مجهر الرقابة الروسية. في عام 1900، سُجن مجدداً لمشاركته في احتجاج طلابي ضد التجنيد الإجباري دعا فيه إلى الإطاحة بالقيصر. وبعد إطلاق سراحه، التقى غوركي بكل من تولستوي وأنطون تشيخوف للمرة الأولى، وشاهد عرضاً لمسرحية تشيخوف "الخال فانيا"، التي ألهمته لكتابة مسرحيته "البرجوازيون"‘ وهي صورة كوميدية سوداوية لعائلة تعيش حالة من الفوضى بعد اكتشاف الأبناء أن والدهم قد وشى بأصدقائهم للسلطات بتهمة التحريض على التمرد . وقد صادرت الشرطة مخطوطات "البرجوازيون" وروايته الثانية "الأصدقاء الثلاثة"، التي تتناول قصة ثلاثة أصدقاء يحاولون العيش وفق مبادئهم الثورية. وعقب ذلك، نُفي غوركي إلى شبه جزيرة القرم، حيث حُمل إلى القطار على أكتاف الجماهير بوصفه بطلاً.
في نهاية عام 1902 اختارت الأكاديمية الروسية غوركي عضو شرف، وكان هذا القرار اعترافاً بقيمة الأعمال الأدبية التي قدمها، وقد أثار قرار الأكاديمية غضب القيصر الذي طالب بإلغاء القرار، وسبب الطلب سخطاً في الأوساط الثقافية مما اضطر أنطوان تشيخوف إلى رفض عضوية الأكاديمية تضامناً مع غوركي .
للفترة من عام 1902 وحتى عام 1905 عانت روسيا من اضطرابات سياسية واحتجاجات عمالية، في هذه الأثناء أعلن القيصر الحرب على اليابان. وبعد ستة أشهر، اجتاحت البلاد موجة جديدة من الإضرابات ، احتل الطلاب الجامعات، وأدت الحرب إلى تصاعد الدعم للثوريين. في التاسع من كانون الاول / يناير عام ١٩٠٥، انضم غوركي إلى عشرين ألف عامل في سانت بطرسبرغ الذين ساروا إلى القصر لإبلاغ القيصر بمعاناتهم. قُتل أكثر من ألفي عامل برصاص قوات الشرطة، وكانت هذه الأحداث الشرارة التي أشعلت فتيل أول ثورة في روسيا. شارك غوركي في التظاهرات رافعاً العلم الأحمر، وزار المضربين المعتقلين في السجن، ووزع منشوراً يدعو إلى "نضال موحد ضد الاستبداد". في شباط / فبراير، أُلقي القبض عليه وحُكم عليه بالسجن الانفرادي لمدة ستة أشهر. نجح أكثر من 300 كاتب في أوروبا وأمريكا في تقديم التماس إلى القيصر للإفراج عن غوركي، خرج من السجن ليوُضع تحت الإقامة الجبرية لمدة شهرين، قدم رسالة يطالب فيها بحقه في المحاكمة:" " لأشرح للعالم لماذا أنا ثوري، ودوافع 'جرائمي' ضد النظام الاجتماعي القائم، الذي يذبح مواطنين روس مسالمين عُزّل، بمن فيهم الأطفال".
عاش غوركي حياة مليئة بالأحداث، شارك في الاحتجاجات التي قمعها القيصر عام 1906، اضطر إلى مغادرة روسيا، تجول في برلين وباريس وروما والولايات المتحدة، كتب رواية "الأم" التي قررت السلطات مصادرتها، وكانت هذه الرواية الخطوة الأبرز في تطور أدب مكسيم غوركي، فيها يصبح العمال الثوريون الشخصيات المركزية، حيث تنطلق الطبقة العاملة للمرة الأولى إلى مسرح الأحداث كسيد كامل السلطة، قادر على تحويل الحياة وتغييرها باسم القيم الاشتراكية. إن غوركي في "الأم" يؤكد على إمكانية الحلم بالمستقبل الأفضل، ويقدم صورة البطل الإيجابي في مرحلة جديدة من التاريخ.
في مسيرة حياته التي استمرت ثمانية وستين عاماً - توفي في الثامن عشر من حزيران عام 1936 - التقى غوركي بلصوص وقتلة وحمالين وخبازين وبحارين وشرطة ومجرمين وفوضويين وثوريين وماركسيين وبرجوازيين، تحدث معهم، وكتب عنهم ضمن فلسفته التي أراد أن يبثها في معظم كتاباته، وهي فلسفة تؤمن بالإنسان، الذي يرى أنه سيد الحياة: "تقولون ماركسي، ولا في ذلك شك. ولكن ليس جرياً وراء ماركس، بل لأن جلدي قد دُبغ هكذا. لقد تعلمت الماركسية من سيمونوف الخباز في قازان، أفضل مما لو تعلمتها في الكتب". وسنجده يصف إيمانه بالإنسان في رسالة يبعثها إلى تشيخوف: "لا شك أنك توافقني على أن مهمة الأدب هي أن يعين الإنسان على أن يفهم ذاته، وأن يرتفع بإيمانه بنفسه، وأن يطور عاطفة الصدق عنده، وأن يحارب الشر في الآخرين، وأن يعثر على الخير فيهم، وأن يوقظ في أرواحهم الخجل والغضب والشجاعة، وأن يعمل باختصار كل ما يجعل الناس أقوياء، بما تحمله القوة من معاني النبل، وأن يجعلهم قادرين على جعل حياتهم روح الجمال" - مراسلات بين غوركي وتشيكوف ترجمة جلال فاروق الشريف -.
يصف تولستوي غوركي بأنه "كله عيون"، فعيناه تريان ما لا تلاحظه عيون الآخرين. قرأ فلاديمير لينين أعمال غوركي الأولية كما يقول في رسالته إلى شقيقته. وعندما ظهرت رواية "الأم" قرأها ولم يتمالك إلا أن يكتب: "لقد جاءت هذه الرواية في الوقت المناسب"، وعندما التقى غوركي عام 1905، كان قد قرأ كل ما كتبه، كان اللقاء سريعاً، وبعد عامين سيجمعهما لقاء طويل في لندن، تحدثا عن الأوضاع في روسيا، وتطرق غوركي إلى طفولته ونهر الفولغا وجدته وشبابه ومغامراته، كان لينين يستمع إليه بانتباه كبير وهو يقول له: "سوف تكتب كل هذا يا أبتِ الصغير".
في "جامعاتي" يكتب غوركي: "لماذا أكتب عن الأشياء الكريمة التي حدثت في حياتي، إنها حياة قذرة تعيسة عشناها جميعاً، ولكن علينا ألا نكون عاطفيين، ولا نخفي الحقيقة بكلمات بليغة، وأكاذيب صغيرة"، وقد اضطره الصدق أن يقحم في كتاباته، كل ما يعرفه عن الحياة: "إن السعي إلى الكتابة لم يعد بدافع فقر الحياة، بل بسبب ثرائها ووفرة الانطباعات والرغبة الداخلية في التحدث عنها" – كيف تعلمت الكتابة ترجمة أحمد الرحبي -.
التزمت بنصيحة عبد الستار ناصر والتقطت نسخة من كتاب غوركي "طفولتي"، كانت نسخة قديمة صادرة عن دار اليقظة العربية، وهي دار نشر سورية اهتمت بالروايات الكلاسيكية، وكان يشرف عليها ويترجم العديد من كتبها الأخوان سهيل وفؤاد أيوب، كان غلاف الكتاب بسيطاً صورة لغوركي بملامحه الجادة.. في المكتبة التي كنت أعمل فيها كان بإمكانك أن تجد كتب غوركي متوفرة طوال الوقت، ففي تلك السنوات – السبعينيات – كان غوركي الكاتب المفضل عند زبائن المكتبة.
تبدأ "طفولتي" بجنازة والد الكاتب: "كان والدي مستلقياً على الأرض تحت نافذة غرفة صغيرة مظلمة تعج بالغبار. يبدو لي طويلاً بشكل ملفت ويدعو إلى الدهشة، وقد اكتسى بالبياض من قمة رأسه حتى أخمص قدميه"، يلتقط غوركي صورة لجدته التي كان يختبئ وراءها وهي تقول له: "لا بأس لا تخف يا بني". بعض التفاصيل التي تجسد خوف الطفل أليكسي وحيرته وعلاقته بجده الذي كان يضربه بسبب أو من دون سبب. ذكريات حياة مبكرة، مليئة بالعنف، مؤلمة في كثير من الأحيان، لكن "الحقيقة أنبل من الشفقة على الذات". ورغم لحظاتها القاتمة، تحمل طفولة غوركي طابعاً مُلهماً، يعكس تفاؤله، يكتب: "الحياة تُفاجئنا دائماً؛ إن قوى الخير الإنسانية الخلاقة... تُوقظ فينا أملاً لا يُقهر بأن حياةً أكثر إشراقاً وأفضل إنسانية ستولد من جديد".
آمن غوركي، الذي وصفه جورج لوكاتش بأنه "مبعوث من الجماهير الروسية المجهولة"، بقدرة الإنسان العادي على تشكيل مصيره، وأن يكون عاملاً للتغيير الإيجابي. وقد أعلن في عبارة شهيرة: "الإنسان، يا له من اسمٍ له وقعٌ عظيم!".
قال لي عبد الستار ناصر: إنك قد تعجب بكتابات مكسيم غوركي، لكن حياته أكثر تشويقاً من رواياته، حتى أنها تطغى أحياناً على كتاباته، فالحياة غمرت كيانه وتدفقت منها بحكايات وقصص غريبة. كان تولستوي يقول إن أبرز عيوب غوركي: "ولعه بالكتب وحياته التي طغت على خياله.. فقد أظهر لنا روحاً حية في شخصية المتشرد، كما أظهرها دوستويفسكي في شخصية المجرم".
ربما يتساءل قارئ في ظل تطور الأدب وفن الرواية: ما الدروس التي يمكن أن نستخلصها من قراءة أعمال مكسيم غوركي؟ قد تبدو رواياته الآن تقليدية، لكنها مفيدة في عصرنا هذا، لأنها تشير بوضوح للأشياء السيئة في الحياة، وتقدم لنا خلاصة لتجربة إنسانية، وكلما ازدادت التجارب ساهمت هذه الكتابات في إغناء القارئ: "إن هدف الأدب هو مساعدة الإنسان على فهم نفسه، وتعزيز ثقته بنفسه، وتنمية سعيه نحو الحقيقة، ومحاربة الشر في الناس، وتعليمهم كيفية إيجاد الخير فيهم، وإيقاظ مشاعر الخجل والغضب والشجاعة في نفوسهم، كل ذلك لكي يصبح الإنسان قوياً ونبيلاً".
في الروسية تعني كلمة غوركي "المر" وحين اختار أليكسي مكسيموفتش بيشكوف هذا الاسم المستعار فكأنه أراد أن يضع الكلمة الدالة على حياته وحياة أبطاله، وقد رسم غوركي صورة "مرة" للحظة الأولى التي جاء بها إلى الحياة: "في الساعة الثانية ليلاً من الثامن والعشرين من آذار 1868 ولدتني الطبيعة بمسحة فرشاة على أثر حبها المغفل للممازحات الرديئة، ولإتمام مبلغ الحماقات التي اقترفتها بصور مختلفة. ورغماً من أهمية هذا العمل فإنني لم أحتفظ منه بأي تذكار شخصي. ولكن جدتي قالت لي إنني صرخت عندما أعطيت الروح الإنسانية. وأريد أن أعتقد أنها كانت صرخة كراهية واحتجاج".
كنت في سن الشباب عندما وقعت بيدي رواية حنا مينة "بقايا صور"، كان للروائي حنا مينة سمعة جيدة في المكتبة، القراء يتلاقفون رواياته حالما نضعها على الرفوف، رشحها لي القاص والروائي الراحل عبد الستار ناصر، وكان مغرماً بحنا مينة، قال لي ذات يوم: "لم يستطع أي كاتب أن يرغمني على شراء عجائبه كما يفعل حنا مينة وقبله احسان عبد القدوس ". بعد هذه النصيحة رحت إلى الرف الذي يضم كتب حنا مينة، كانت هناك كما أتذكر المصابيح الزرق، الشمس في يوم غائم، الثلج يأتي من النافذة، وبقايا صور فاخترت الأخيرة.
يرى الفيلسوف أوغسطين أن القراءة: "أتاحت أكثر من جميع النشاطات الأخرى، مساحة يستطيع فيها العقل أن ينفصل عن محيطه اليومي"، وهذا ما حصل معي وأنا أنغمس في قراءة "بقايا صور"، كان صاحب المكتبة يراني غارقاً في القراءة، وكان البعض يضعني في صورة "أحمق الكتب" لأنني أقرأ كثيراً دون تعمق، كنت أشبه بالوصف الذي أطلقه ألبرتو مانغويل: "مخلوق تائه في برية من الكلمات، لا يملك أي شيء عن الواقع اليومي، يعيش في عالم من الخيال".
انتهيت من قراءة "بقايا صور"، وقررت أن أقرأ روايات حنا مينة المتوفرة في المكتبة، بعد أيام سيطل عبد الستار ناصر بقامته الرشيقة ووجهه الوسيم، والوميض العابث في عينيه، والابتسامة اللطيفة، كان قارئاً مذهلاً، واسع المعرفة، ألف قصصاً مدهشة، قلت له وأنا أستقبله مرحباً: أعجبتني جداً رواية "بقايا صور".
قال لي: يوجد نوعان من الروائيين المهرة، أولئك الذين يحاولون إقناعك أن رواياتهم جيدة، والذين لا يجدون أي حاجة لإقناعك بأنهم كتبوا رواية جيدة؛ حنا مينة من النوع الثاني، الذي كلما تعيد قراءة رواياته، تكتشف أن القراءة الثانية لها مذاق آخر.
يخبرنا حنا مينة أن المكونات التي شكلت حياته الأدبية والفنية تشكلت من البيئة الاجتماعية التي خرج منها إلى العالم، والتي وصفها لنا في ثلاثيته "بقايا صور.. المستنقع.. القطاف"، ويشير مينة إلى والده الذي كان يقص عليهم تجاربه في الحياة ومعاناته ، يُضاف إلى ذلك الكتب التي رافقت الصبي منذ بداية حياته، وكان أبرزها روايات الأدب الكلاسيكي الروسي التي غرست في نفسه الطموح لأن يُصبح كاتباً، يضاف إليها كتابات همنغواي وناظم حكمت ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وجبران خليل جبران، إلا أن الاكتشاف الأكبر كان مكسيم غوركي الذي تعلم منه: "إن الحياة والإنسان مصدر كل علم. نعم إن الناس يعلمون في ألم وقسوة، ولكن هذا العلم وحده هو الذي يبقى ثابتاً راسخاً".
نبهني عبد الستار ناصر فيما بعد إلى أهمية قراءة ثلاثية مكسيم غوركي "طفولتي.. بين الناس.. جامعاتي"، فقد ظهر هذا الكاتب في الأدب الروسي حاملاً معه حكايات قطاع الطرق والمتسكعين، وأفكاراً مشحونة بآمال ثورية.
ولد أليكسي ماكسيموفيتش بيشكوف في الثامن والعشرين من آذار عام 1868، بعد سبع سنوات من تحرير الأقنان، في مدينة نيجني نوفغورود على نهر الفولغا، إحدى أهم مراكز التجارة النهرية في الإمبراطورية القيصرية. كان والده يعمل في حوض بناء السفن، ومات بالكوليرا عام 1872، لتعود به أمه إلى منزل جده فاسيلي فاسيليفيتش كاشيرين، صاحب المصبغة الصغيرة، وكان إنساناً بخيلاً وعصبياً، عامل حفيده معاملة قاسية، سيتذكرها غوركي في كتابه "طفولتي": "ملأ الحقد منزل جدي كضباب كثيف"، توفيت والدته بعد ست سنوات بمرض السل. في الثامنة من عمره، أُرسل إلى المدرسة، لكن جده أخرجه منها بعد بضعة أشهر ليعمل جامعاً للخرق على ضفاف نهر الفولغا، بالمقابل كانت الجدة إنسانة وديعة وطيبة، تقص على الصبي مكسيم الأساطير وتغني له الأغاني القديمة: "كانت هي الشخص الذي أدخلني الحياة اللذيذة، على صعوبتها، الحياة بين الناس. وحين أفكر بها، يزول الألم كله والجراح كلها، كانت تتكلم فتطبع الكلمات بنغمة خاصة، وترسخ تلك الكلمات في ذاكرتي شبيهة بزهور ناضرة، حية، عذبة" - طفولتي ترجمة سهيل أيوب.
في الحادية عشرة من عمره، يغادر المنزل ليعمل صبياً على متن السفن النهرية، لينفتح أمامه عالم اللاعدالة الرهيب، عالم البؤس والقسوة، فكان يلاحظ كيف كان التجار الجشعون يستغلون العمال، فتولدت بداخله بذرة حب الناس البسطاء. في تلك السنوات كان يلتهم ليلاً كتب بوشكين، وتولستوي، ونيكولاي غوغول، وإيفان تورغينيف، وفيودور دوستويفسكي، وإميل زولا، وتشارلز ديكنز، وبلزاك، وفلوبير وجميع الكتب التي استطاع الحصول عليها، وقد لعبت هذه الكتب دوراً في حياته، وجعلته برغم ظروفه التعيسة يبحث عن الحقيقة: "هذه الكتب غسلت نفسي وأزالت عنها ما علق بها من أقذار الحقيقة المؤلمة. . أدركتُ الآن قيمة الكتب العظيمة، وأدركتُ أيضاً مدى ضرورتها لي وعدم استغنائي عنها." .
عام 1884، كان غوركي قد بلغ السادسة عشرة من عمره، فقرر أن يكمل دراسته، سافر إلى مدينة قازان، أملاً في الالتحاق بالجامعة، ولكن بالنسبة لفتى أنهى في طفولته الصف الأول، ثم أكمل الدراسة بعد سنوات، سيجد حتماّ أبواب الجامعة مغلقة في وجهه، يقرر العمل حمالاً في الميناء، يعيش في قبو مع مجموعة من الطلاب والعمال والمشردين الذين سيصبحون فيما بعد أبطال مسرحيته الشهيرة "الحضيض" التي نشرها عام 1902. حيث يصف لنا بشكل مبهر البؤس الذي يعيشه المواطن الفقير، فأحداث "الحضيض" تدور وسط بيئة المعدمين والبائسين والمشردين الذين بالكاد يجدون قوت يومهم، أو مكاناً يؤويهم، ومع ذلك نراهم يتمسكون بالعيش وبحب الحياة.
في «الحضيض» تتردد كلمات بطل المسرحية (ساتين) التي يعلن فيها حق الإنسان في الحرية والكرامة البشرية: " إنَّ الإنسان حرّ. الإنسان - هو الحقيقة! ما هو الإنسان؟.. إنَّه ليس أنت، ولا أنا.. كلا، إنَّه أنت وأنا، هم، في واحد. أتفهم! إنَّ هذا العظيم، فيه كل البدايات والنهايات.. كلُّ شيء في الإنسان، يوجد الإنسان فقط، وكل ما تبقى، إنما هو صنع يديه ودماغه. ينبغي احترام الإنسان، لا الإشفاق.. ولا إذلاله بالإشفاق.. وإنما احترامه" .
بعد عام، ينتقل للعمل في مخبز، وكان ينام ليلاً بجوار الفرن ،أدّى به بؤسه إلى اكتئاب حاد، وفي سن التاسعة عشرة حاول الانتحار بإطلاق النار على قلبه ، أخطأت الرصاصة هدفها، لكنها ألحقت ضرراً دائماً برئته اليسرى، وبدأ يعاني من الأعراض الأولى لمرض السل. بعدها سينطلق برحلة إلى موسكو وأوكرانيا والقوقاز والبحر الأسود وبحر قزوين، يمارس عدة مهن ويلتقي بالاشتراكيين ويتعرف على الأفكار الثورية. كتب في كتابه "طفولتي": "كنت أعيش في دوامة من الأفكار والرغبات والمشاعر المتناقضة، أبحث عن شيء في الحياة والناس يخفف عني عبء قلبي".
في العشرين من عمره بدأ يدرك ان مشاهداته وتجاربه في الحياة تستحق ان تروى للناس :" راودني شعور بأنني اعرف وأشعر بشيء لا يعرفه ويشعر به الآخرون .. كنت عند قراءتي كتب اساتذة مثل تورغنيف أفكر أحياناً بأنني قادر على أن أروي ( مذكرات صياد ) مثلاً بطريقة تختلف عن طريقة تورغنيف " – كيف تعلمت الكتابة ترجمة احمد الرحبي -
نُشرت قصته القصيرة الأولى، "ماكار تشودرا"، التي تتناول حياة المتشردين والرحالة الذين التقاهم في رحلاته، عام 1892، وكان آنذاك يعمل في ورشة طلاء السكك الحديدية، "المرّ". كتب: "مرارة حياتي هي التي صنعت مني كاتباً. كلما اشتدت عليّ الصعاب، ازددت قوةً وحكمةً".
جذبت كتابات غوركي مزيداً من الاهتمام، لكنها في المقابل وضعت خطواته تحت مجهر الرقابة الروسية. في عام 1900، سُجن مجدداً لمشاركته في احتجاج طلابي ضد التجنيد الإجباري دعا فيه إلى الإطاحة بالقيصر. وبعد إطلاق سراحه، التقى غوركي بكل من تولستوي وأنطون تشيخوف للمرة الأولى، وشاهد عرضاً لمسرحية تشيخوف "الخال فانيا"، التي ألهمته لكتابة مسرحيته "البرجوازيون"‘ وهي صورة كوميدية سوداوية لعائلة تعيش حالة من الفوضى بعد اكتشاف الأبناء أن والدهم قد وشى بأصدقائهم للسلطات بتهمة التحريض على التمرد . وقد صادرت الشرطة مخطوطات "البرجوازيون" وروايته الثانية "الأصدقاء الثلاثة"، التي تتناول قصة ثلاثة أصدقاء يحاولون العيش وفق مبادئهم الثورية. وعقب ذلك، نُفي غوركي إلى شبه جزيرة القرم، حيث حُمل إلى القطار على أكتاف الجماهير بوصفه بطلاً.
في نهاية عام 1902 اختارت الأكاديمية الروسية غوركي عضو شرف، وكان هذا القرار اعترافاً بقيمة الأعمال الأدبية التي قدمها، وقد أثار قرار الأكاديمية غضب القيصر الذي طالب بإلغاء القرار، وسبب الطلب سخطاً في الأوساط الثقافية مما اضطر أنطوان تشيخوف إلى رفض عضوية الأكاديمية تضامناً مع غوركي .
للفترة من عام 1902 وحتى عام 1905 عانت روسيا من اضطرابات سياسية واحتجاجات عمالية، في هذه الأثناء أعلن القيصر الحرب على اليابان. وبعد ستة أشهر، اجتاحت البلاد موجة جديدة من الإضرابات ، احتل الطلاب الجامعات، وأدت الحرب إلى تصاعد الدعم للثوريين. في التاسع من كانون الاول / يناير عام ١٩٠٥، انضم غوركي إلى عشرين ألف عامل في سانت بطرسبرغ الذين ساروا إلى القصر لإبلاغ القيصر بمعاناتهم. قُتل أكثر من ألفي عامل برصاص قوات الشرطة، وكانت هذه الأحداث الشرارة التي أشعلت فتيل أول ثورة في روسيا. شارك غوركي في التظاهرات رافعاً العلم الأحمر، وزار المضربين المعتقلين في السجن، ووزع منشوراً يدعو إلى "نضال موحد ضد الاستبداد". في شباط / فبراير، أُلقي القبض عليه وحُكم عليه بالسجن الانفرادي لمدة ستة أشهر. نجح أكثر من 300 كاتب في أوروبا وأمريكا في تقديم التماس إلى القيصر للإفراج عن غوركي، خرج من السجن ليوُضع تحت الإقامة الجبرية لمدة شهرين، قدم رسالة يطالب فيها بحقه في المحاكمة:" " لأشرح للعالم لماذا أنا ثوري، ودوافع 'جرائمي' ضد النظام الاجتماعي القائم، الذي يذبح مواطنين روس مسالمين عُزّل، بمن فيهم الأطفال".
عاش غوركي حياة مليئة بالأحداث، شارك في الاحتجاجات التي قمعها القيصر عام 1906، اضطر إلى مغادرة روسيا، تجول في برلين وباريس وروما والولايات المتحدة، كتب رواية "الأم" التي قررت السلطات مصادرتها، وكانت هذه الرواية الخطوة الأبرز في تطور أدب مكسيم غوركي، فيها يصبح العمال الثوريون الشخصيات المركزية، حيث تنطلق الطبقة العاملة للمرة الأولى إلى مسرح الأحداث كسيد كامل السلطة، قادر على تحويل الحياة وتغييرها باسم القيم الاشتراكية. إن غوركي في "الأم" يؤكد على إمكانية الحلم بالمستقبل الأفضل، ويقدم صورة البطل الإيجابي في مرحلة جديدة من التاريخ.
في مسيرة حياته التي استمرت ثمانية وستين عاماً - توفي في الثامن عشر من حزيران عام 1936 - التقى غوركي بلصوص وقتلة وحمالين وخبازين وبحارين وشرطة ومجرمين وفوضويين وثوريين وماركسيين وبرجوازيين، تحدث معهم، وكتب عنهم ضمن فلسفته التي أراد أن يبثها في معظم كتاباته، وهي فلسفة تؤمن بالإنسان، الذي يرى أنه سيد الحياة: "تقولون ماركسي، ولا في ذلك شك. ولكن ليس جرياً وراء ماركس، بل لأن جلدي قد دُبغ هكذا. لقد تعلمت الماركسية من سيمونوف الخباز في قازان، أفضل مما لو تعلمتها في الكتب". وسنجده يصف إيمانه بالإنسان في رسالة يبعثها إلى تشيخوف: "لا شك أنك توافقني على أن مهمة الأدب هي أن يعين الإنسان على أن يفهم ذاته، وأن يرتفع بإيمانه بنفسه، وأن يطور عاطفة الصدق عنده، وأن يحارب الشر في الآخرين، وأن يعثر على الخير فيهم، وأن يوقظ في أرواحهم الخجل والغضب والشجاعة، وأن يعمل باختصار كل ما يجعل الناس أقوياء، بما تحمله القوة من معاني النبل، وأن يجعلهم قادرين على جعل حياتهم روح الجمال" - مراسلات بين غوركي وتشيكوف ترجمة جلال فاروق الشريف -.
يصف تولستوي غوركي بأنه "كله عيون"، فعيناه تريان ما لا تلاحظه عيون الآخرين. قرأ فلاديمير لينين أعمال غوركي الأولية كما يقول في رسالته إلى شقيقته. وعندما ظهرت رواية "الأم" قرأها ولم يتمالك إلا أن يكتب: "لقد جاءت هذه الرواية في الوقت المناسب"، وعندما التقى غوركي عام 1905، كان قد قرأ كل ما كتبه، كان اللقاء سريعاً، وبعد عامين سيجمعهما لقاء طويل في لندن، تحدثا عن الأوضاع في روسيا، وتطرق غوركي إلى طفولته ونهر الفولغا وجدته وشبابه ومغامراته، كان لينين يستمع إليه بانتباه كبير وهو يقول له: "سوف تكتب كل هذا يا أبتِ الصغير".
في "جامعاتي" يكتب غوركي: "لماذا أكتب عن الأشياء الكريمة التي حدثت في حياتي، إنها حياة قذرة تعيسة عشناها جميعاً، ولكن علينا ألا نكون عاطفيين، ولا نخفي الحقيقة بكلمات بليغة، وأكاذيب صغيرة"، وقد اضطره الصدق أن يقحم في كتاباته، كل ما يعرفه عن الحياة: "إن السعي إلى الكتابة لم يعد بدافع فقر الحياة، بل بسبب ثرائها ووفرة الانطباعات والرغبة الداخلية في التحدث عنها" – كيف تعلمت الكتابة ترجمة أحمد الرحبي -.
التزمت بنصيحة عبد الستار ناصر والتقطت نسخة من كتاب غوركي "طفولتي"، كانت نسخة قديمة صادرة عن دار اليقظة العربية، وهي دار نشر سورية اهتمت بالروايات الكلاسيكية، وكان يشرف عليها ويترجم العديد من كتبها الأخوان سهيل وفؤاد أيوب، كان غلاف الكتاب بسيطاً صورة لغوركي بملامحه الجادة.. في المكتبة التي كنت أعمل فيها كان بإمكانك أن تجد كتب غوركي متوفرة طوال الوقت، ففي تلك السنوات – السبعينيات – كان غوركي الكاتب المفضل عند زبائن المكتبة.
تبدأ "طفولتي" بجنازة والد الكاتب: "كان والدي مستلقياً على الأرض تحت نافذة غرفة صغيرة مظلمة تعج بالغبار. يبدو لي طويلاً بشكل ملفت ويدعو إلى الدهشة، وقد اكتسى بالبياض من قمة رأسه حتى أخمص قدميه"، يلتقط غوركي صورة لجدته التي كان يختبئ وراءها وهي تقول له: "لا بأس لا تخف يا بني". بعض التفاصيل التي تجسد خوف الطفل أليكسي وحيرته وعلاقته بجده الذي كان يضربه بسبب أو من دون سبب. ذكريات حياة مبكرة، مليئة بالعنف، مؤلمة في كثير من الأحيان، لكن "الحقيقة أنبل من الشفقة على الذات". ورغم لحظاتها القاتمة، تحمل طفولة غوركي طابعاً مُلهماً، يعكس تفاؤله، يكتب: "الحياة تُفاجئنا دائماً؛ إن قوى الخير الإنسانية الخلاقة... تُوقظ فينا أملاً لا يُقهر بأن حياةً أكثر إشراقاً وأفضل إنسانية ستولد من جديد".
آمن غوركي، الذي وصفه جورج لوكاتش بأنه "مبعوث من الجماهير الروسية المجهولة"، بقدرة الإنسان العادي على تشكيل مصيره، وأن يكون عاملاً للتغيير الإيجابي. وقد أعلن في عبارة شهيرة: "الإنسان، يا له من اسمٍ له وقعٌ عظيم!".
قال لي عبد الستار ناصر: إنك قد تعجب بكتابات مكسيم غوركي، لكن حياته أكثر تشويقاً من رواياته، حتى أنها تطغى أحياناً على كتاباته، فالحياة غمرت كيانه وتدفقت منها بحكايات وقصص غريبة. كان تولستوي يقول إن أبرز عيوب غوركي: "ولعه بالكتب وحياته التي طغت على خياله.. فقد أظهر لنا روحاً حية في شخصية المتشرد، كما أظهرها دوستويفسكي في شخصية المجرم".
ربما يتساءل قارئ في ظل تطور الأدب وفن الرواية: ما الدروس التي يمكن أن نستخلصها من قراءة أعمال مكسيم غوركي؟ قد تبدو رواياته الآن تقليدية، لكنها مفيدة في عصرنا هذا، لأنها تشير بوضوح للأشياء السيئة في الحياة، وتقدم لنا خلاصة لتجربة إنسانية، وكلما ازدادت التجارب ساهمت هذه الكتابات في إغناء القارئ: "إن هدف الأدب هو مساعدة الإنسان على فهم نفسه، وتعزيز ثقته بنفسه، وتنمية سعيه نحو الحقيقة، ومحاربة الشر في الناس، وتعليمهم كيفية إيجاد الخير فيهم، وإيقاظ مشاعر الخجل والغضب والشجاعة في نفوسهم، كل ذلك لكي يصبح الإنسان قوياً ونبيلاً".