أ. د. عادل الأسطة - صديقة عازف الموسيقى..

كل ما يستطيع أنْ يقوله، الآن، بعد ست سنوات من عدم رؤيتها، عنها، إنها امرأة لا تَفْلِتُ من الذاكرة. ولا يدري حقاً لماذا تُلحُّ على ذاكرته بين فترة وأخرى. تارة يراها كلما رأى فتاة تشبهها، وطوراً يتذكر قصتها كلما شاهد فتاة صغيرة لا تعرف أباها. وحين يبصر تلك التي تشبهها يود أن يسألها عنها، ولكنه سرعان ما يتراجع فاسم التي تشبهها يذكره بفتاة تعرف إليها، ولم ير فيها سوى مخبرة. ولا يدري، وهو الذي لا يلتفت إلى تفاهات مثل هذه، لماذا يقع فريسة تلك التفاهة.
والآن يتذكر لقاءه الأول العابر، ويتذكر، الآن أيضاً، اللقاءات العديدة التي تمت فيما بعد اللقاء الأول ويتذكر أيضاً اللقاء الذي لم يكن، كما اعتقد، ودياً. طلب منها النقود التي استلفتها منه لتدفع ثمن وجبة غداء، ولم يبتسم لها كما كانت العادة، وإن ابتسمت هي له، ووعدته أن تعيد له ( الفنجات ) القليلة التي تبقت.
كان ذلك في شتاء عام 88و1989، صباح سبت يوحي الجو فيه بأن ثمة أمطاراً غزيرة سوف تسقط، وكان عائداً وزوجته وطفلتاه من سوق المدينة، وقد تسوقا ليوم أحد ينفقانه في منزل الطلبة الذي تقيم هي أيضاً في إحدى بناياته الثلاث، يوم أحد يبدو مملاً ويبعث على السأم والضجر، وبخاصة حين يكون الجو على ما كان عليه، إذ يعني ذلك حرمانه من التمشي على جانب النهر والتحدث إلى الناس الذين سرعان ما كانوا يحدثون الأطفال ويعطونهم الحلوى. وكان يرى العجوز وهي تفعل ذلك دون أن يوحي لطفلتيه بالامتناع عن أخذها، فلم يكن يصغي إلى تلك الإشاعات التي تحذر الآباء من بعض العواجيز اللاتي يكرهن الأطفال. جلس وزوجته على مقعد قرب مكان خصص للعب الأطفال، في جزء من ساحة الورود التي أقيم أيضاً على طرفها مقهى صغير تقدم فيه وجبة الكافيار الروسية، وفي جانب أكبر حمام ( الساونا )، وأخذ يثرثر مع زوجته التي شعرت ببرودة الجو وأخذت ترقب السماء ظانة أن تساقط الثلوج قاب قوسين أو أدنى. وكان يراقب الصغيرتين وهما تتحاوران، إشاريا، مع طفلة تركتها أمها تلهو، وجلست تراقبها عن قرب، علّها تعوض للصغيرة ما فاتها خلال الأسبوع، حيث تقضي الطفلة الوقت كله في صحبة جدَّيها، بعيداً عن أمها الطالبة وأبيها الذي بذر بذرته في أمها وغادر عائداً إلى إيطاليا غير سائل عن طِفْلةٍ لا ذنب لها، هذا ما عرفه من الأم، فيما بعد.
ولم يكترث للرذاذ الذي بدأ يتساقط خفيفاً، فالمنزل ليس عن المكان ببعيد، ولم يُصْغِ إلى زوجته التي أخذت تحثه على ضرورة المغادرة حتى لا تتبلل الثياب، وأخذت، لذلك، تُنادي على الصغيرتين اللتين استاءتا من إلحاح الأم مفضلتين البقاء خارج جدران المنزل، واللهو مع الصغيرة التي تعرفتا إليها للتو، وأخذ ينظر إلى أم الصغيرة التي رأت في لعب الصغار معاً أمراً مفرحاً جداً، وبخاصة أن الصغيرة وحيدة أمها. لقد رأت الأم في الصغيرتين بديلاً لتعلق طفلتها بها، إذ كفت ابنتها عن مناداتها والطلب منها أن تجلس أمامها، على الجانب المقابل للوح الخشب الطويل المثبت وسطه بقائمة من حديد في أعلاها زنبرك يمكن مَنْ يجلس على طرف من الهبوط أرضاً، ولا يرفعه إلى أعلى سوى شخص أخر يجلس على الجانب المقابل.
وانصرف الأربعة تاركين الأم وطفلتها التي أخذت تتابع الصغيرتين وتصدر في الوقت نفسه أصواتاً غير مفهومة، لكنها بدت وكأنها تطلب منهما العودة لمواصلة اللعب، ولما ازداد صراخها قامت الأم من مكانها وأخذت تلاعب الصغيرة.
بعد أيام التقى بوالدة الطفلة، كانت ترتدي بنطال جلد اسود اللون وسترة جلدية سوداء اللون أيضاً، وأخذ يراها، فيما بعد، في اللباس نفسه غالباً. وكان إلى جانبها شاب نحيف جداً.
خَمَّن في البداية أنه والد الطفلة، ولكنه لم يره معها يوم يرى الطفلة معها، ولم تكن قصَّتْ عليه القصة التي روتها له يوم التقيا في غرفة الغسيل الواقعة في طابق العمارة التي تقيم هي فيها. ومنذ ذلك اليوم أخذا، كلما التقيا، يتبادلان الابتسامات. ويوم رأتها زوجته مع صديقها الشاب عقبت: يظن الذي يبصرهما معاً أنها لا تترك له شيئاً يأكله، ويبدو أنها تلتهم كل شيء. كانت بضة سمينة ممتلئة القوام، ذات وجه صبيح، وكان نحيفاً شاحباً هزيلاً ذا وجه يشبه مثلثاً متساوي الأضلاع، ويظهر، في أيام البرد، حين يرتدي معطفاً بدا عليه فضفاضاً، كأنه عمود وسط خيمة.
في غرفة الغسيل أجابته، عندما سألها إن كان الشاب الذي يسير معها زوجها، وإن كان أيضاً والد الطفلة، أجابته أنه صديقها وأن والد الصغيرة شاب إيطالي تعرفت إليه، من قبل، وكانت أحبته وأثمرت العلاقة التي لم تستمر طويلاً تلك الشقية التي لم تعرف، عن أبيها الذي غادر، شيئاً، وأخذت ترى في جدها لأمها أباها.

ولم يستبد به الفضول ليسألها في تلك اللحظة إن كانت تشعر بقرف من الرجال كلهم، أو أنْ كانت تنتابها حالة من الندم لما أقدمت عليه، فقد كانت تحدثه بهدوء ملحوظ، كما كانت متماسكة إلى حد بعيد. وعرف منها أن الشاب الذي يسير معها صديقها ليس إلا. وعرف أيضاً أنه يحب الموسيقى كثيراً، ويعزف على آلة موسيقية. وقد تحقق شخصياً من هذا، فقد رآه، ذات نهار ماطر، يقف على جسر مبنى البلدية القديم القائم على النهر، وأصغى إلى عزفه الموسيقي فيما كان يضع قبعته على الأرض حتى يلقي إليه المستمعون بعض النقود.
ويبدو أنها أخذت ترتاح وهي تتحدث معه، فكلما التقيا تجاذبا أطراف الحديث، ولم تكن لتسأله من أي البلاد قدم. كان يقص عليها شيئاً عن أسباب وجوده في المدينة، وكانت بدورها تحدثه عن دراستها. ولّما لم تعد تراه مع زوجته وطفلتيه سألته عنهم. أخبرها أنهم غادروا، وأعلمها أنه سيظل وحيداً حتى ينهي دراسته ليعود بعد ذلك إلى بلاده. وسألها، حين أخذ يراها في أغلب الأوقات وحيدة، إنْ كانت افترقت عن صديقها. ولم تمانع في توضيح السبب. أخبرته أن ابنتها تقيم معها، منذ فترة، في أكثر الأيام، وأنها لهذا لا ترغب في إزعاجها ومضايقتها، وأن صديقها يقدر هذا، ولهذا لم يعد يأتي لزيارتها كما كان يفعل من قبل.
ذات صباح أحدٍ، وكان الفصل ربيعاً، ارتدى بنطالاً جديداً أزرق اللون ومعطفاً كحلي اللون، ولم يغفل للمرة الأولى، ربطة العنق، وسار في شارع يؤدي إلى أعلى المدينة لقد أراد أن يزور شاباً مغربياً تعرف إليه في مقاهي الرصيف منذ سنتين، وكان هذا متزوجاً من امرأة ألمانية تعمل ممرضة تعرف أيضاً إليها من خلال زوجها، وكانت ودودة جداً. في منتصف الطريق حادثته تلك المرأة التي كانت تقود دراجتها، وأبدت إعجابها بملابسه وسألته عن سرّ أناقته هذا الأحد، وأخبرته أنها تأتي صباح كل أحد لتشتري حليباً طازجاً من المكان الذي التقيا فيه.
ولا يدري، يومها، في ذلك الصباح الربيعي، كيف تسرب الدفء إلى قلبيهما، وحين عبّر لها عن إعجابه بجمالها وصفاء بشرتها، لم تمانع في أن يقبلها قبلة عابرة. وسألته، حين أخبرها أنه ذاهب لزيارة صديق مغربي متزوج من امرأة ألمانية، إنْ كانا مسرورين معاً. ولم يجبها معززاً أو نافياً، فقد كانت ثمة سيارة قادمة أفسحا لها المجال، وقد كانا في وسط الشارع، وسار كل في اتجاه، ومن الجهة المقابلة أخبرته أنها سوف تطرق باب منزل بائع الحليب.
ذات مساء، كان في منزل الطلبة، وكانت قد غادرته لتقيم مع والديها، أبصرها تقترب من طاولة التنس التي كان قريباً منها، وكان قد هزم للتو من شاب إنكليزي، وسارت باتجاهه. سألته إن كان يملك فكة خمسة ماركات، فهي تريد مهاتفة صديقها، وذهب إلى غرفته ليبحث لها إن كان يملك نقوداً صغيرة، وسارت معه. في الغرفة سألها إن كانت حقاً ترغب في مهاتفة صديقها،واستفسر منها إن كانت جاءت لتزوره. ولما عرف أنها جادة أعطاها ثلاثين فنجاً وأعاد لها الماركات الخمس، وسارا معاً، من جديد، باتجاه الهاتف. عاد ليواصل لعب كرة الطاولة، وأخذت تهاتف صديقها بعد أن شكرته على كرمه.
وكانا، يوم يلتقيان، يتبادلان التحية، وقد يتبادلان حديثاً عابراً، كأن يسألها عن طفلتها أو عن صديقها أو كأن تسأله عن دراسته وعائلته. وجاءته ذات ظهيرة، وكان في مطعم طلبة الجامعة، لتطلب منه خمسة ماركات ثمن وجبة طعام. نقدها المبلغ فوراً ولم يتردد، ولم يكترث لكلامها وتأكيدها على أنها ستعيد إليه المبلغ وأنها إنما تقترض المبلغ لأنها نسيت نقودها في المنزل. وكان عرف منها أنّ والدها مدرس، ويقيم في المدينة نفسها، وأن بإمكانه أن ينفق عليها.
وأخذت حالته في تلك الأثناء تسوء رويداً رويداً. كان على وشك إنهاء دراسته، وقد أنهك كثيراً. وكانت حرب الخليج قد أقامت الدنيا ولم تقعدها. بدأت الانتفاضة في وطنه تدخل عامها الرابع. أخذت علاقته بمن حوله تبرد. وكانت أخباره العائلية تنتشر. ويوم جاءته، من جديد، دون أنْ تعيد المبلغ الذي اقترضته، لتطلب منه خمسة ماركات أخرى تردد في إعطائها، واعتذر يحدوه هاجس أن في الأمر لعبة ما. وكلما التقى بها، بعد أيام، طلب منها المبلغ السابق فإعادته ناقصاً.
وها هو، الآن، بعد ست سنوات يراها ترتدي سترتها الجلدية السوداء وبنطال الجينز الأسود، وها هو يرى قصة شعرها المائل إلى السواد، ويرى وجهها حنطي اللون الضارب إلى الصفرة يراها تارة مع صديقها عازف الموسيقى، وطوراً مع طفلتها التي لا تعرف أباها، ويرى أيضاً ابتسامتها الودودة الهادئة الناعمة، يراها تواصل حياتها غير مكترثة للشاب الإيطالي غير المسؤول، ويراها أيضاً تسير واثقة من خطاها، ويتحسس فيها طيبتها التي ما زالت تبعث فيه ذكراها. ويتساءل الآن، بعد ست سنوات، لماذا تلح تلك المرأة التي حاولوا تشويهها وإشراكها في لعبة مملة على ذاكرته؟ ولماذا يبصرها كلما أبصر تلك التي لم يعد يرغب في رؤيتها؟ وكل ما يستطيع أن يقوله، الآن عنها أنها لا تفلت من الذاكرة بسهولة.



========
* نشرت هذه القصة في الأيام ( رام الله ) بتاريخ 7/8/1997، ويعود زمنها القصصي إلى بدايات 1988.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...