أحمد عبدالله إسماعيل - الذاكرة البيضاء...

تجلسين كملاك منسي في حجرة قضم النسيان جدرانها،
عشر سنوات وأنت ترتبين سرير امرأة صار عقلها كصحراء قاحلة،
تغسلين تجاعيد كفها كمن يقرأ كتابًا مقدسًا خبأته الدهور،
وتطعمينها الصبر ملعقة ملعقة،
بينما الوقت خارج النافذة يأكل ربيعك علنًا.
جاءكِ صوت مشروخ بالمنطق البارد،
يحمل عقم الحسابات وجفاف الفلسفة،
قال لك مستنكرًا:
"لماذا نثرتِ عمرك هباء في أروقة هذا التيه؟
عشر سنوات تطحنين هواك لأجل امرأة ضلت طريقها إليك!
امرأة تنظر في عينيك الصافيتين…
فلا ترى فيهما ابنة،
ولا تعرف،
فوق هذه الأرض،
أنها أمك؟"

لم تغضبي..
لمْ تبكِ،
ولم تلتفتِ لعقارب الساعة التي تلسع خديك.
أسندتِ قلبك إلى جدار اليقين،
ونظرتِ إلى تلك الملامح المهاجرة إلى أقصى الصمت،
وقلتِ بصوت هو أقوى من هدير الجبال،
وأرق من ملمس الندى:
"إذا كانت غيوم العقل قد حجبت عنها معرفتي،
فإن شمس الحقيقة لا تغيب في ملكوت السماء…
السماء تعلم أنها أمي،
وأنا أعلم أنها أمي.

فالإنسانية لا تنتمي لمطابخ العقل ومقايضات الذاكرة،
بل لشرايين السرائر حين تصدق...
إنها ليست أن يعرفك الآخرون لتمنحهم،
بل أن تكون كبيرًا بما يكفي لتمنح من غاب عن نفسه،
فأنت لم تكوني ترعين امرأة فقدت عقلها،
بل كنت تحرسين نبع الكون المقدس...
من أن يجف في قلبك!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...