يقف المبنى الكائن بجوار "بيرو عرب" وسط مدينة الجديدة شاهدا صامتا على مرحلة من أكثر المراحل الثقافية والسياسية حيوية في تاريخ المدينة. فخلف جدرانه العتيقة تعاقبت أجيال من المثقفين والطلبة والفاعلين الجمعويين الذين وجدوا في الجمعية الثقافية فضاء للقراءة والنقاش والإبداع، قبل أن تطوى صفحتها في ظروف لا تزال تثير الكثير من الأسئلة بعد أكثر من أربعة عقود على إغلاقها.
لم تكن الجمعية الثقافية مجرد بناية تحتضن أنشطة ثقافية عادية، بل كانت مدرسة حقيقية للفكر التقدمي ومنارة استقطبت عشرات الشباب الذين وجدوا بين رفوف مكتبتها ما لم يكن متاحا في أماكن أخرى. ففي سبعينيات القرن الماضي كانت المكتبة تزخر بكتب ومؤلفات فكرية وفلسفية اعتبرت آنذاك جريئة، وفتحت أمام روادها آفاقا جديدة للتفكير والنقاش، وكانت الاستفادة من هذه الكتب تتم عبر نظام انخراط سنوي رمزي لا يتجاوز عشرين درهما، مع إمكانية استعارة الكتب لمدة أسبوع.
ومع مرور السنوات، تحولت الجمعية إلى فضاء ثقافي متكامل استضاف أسماء بارزة في الفكر والأدب المغربيين، من بينها المرحوم عزيز بلال، وإبراهيم بوطالب، ومحمد جسوس، ومحمد زنيبر، كما احتضنت لقاءات وقراءات قصصية شارك فيها أدباء كبار من حجم محمد زفزاف وإدريس الخوري.
وتعود جذور المبنى إلى فترة الحماية الفرنسية، إذ كان في الأصل مقرا للقنصلية الفرنسية بمدينة الجديدة، وبعد مغادرة الفرنسيين انتقلت بعض تجهيزاته إلى الجمعية الثقافية، ومنها آلة لعرض الأفلام من قياس 16 ملم، استخدمت لاحقا في أنشطة النادي السينمائي الذي كان يقدم للجمهور أفلاما مغربية وعالمية ذات بعد فكري وفني، من بينها فيلم "وشمة" وأعمال أخرى قادمة من بلدان أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي.
كما شكلت الجمعية فضاء للإبداع المسرحي الجاد، حيث شهدت إنتاج وعرض أعمال مسرحية ملتزمة شارك فيها عدد من أبناء المدينة الذين سيتركون بصمتهم في المشهد الثقافي المحلي.
غير أن هذا الإشعاع الثقافي والفكري المتزايد جعل الجمعية محط اهتمام ومراقبة من قبل السلطات خلال تلك المرحلة، إذ كلما اتسع تأثيرها وسط الشباب والمثقفين، ازدادت المخاوف من الدور الذي أصبحت تلعبه في نشر الفكر التقدمي واستقطاب فئات واسعة من أبناء المدينة.
وفي سنة 1980 بلغت الأزمة ذروتها، فخلال الجمع العام الذي خصص لانتخاب رئيس جديد للجمعية خلفا للأستاذ المصطفى أبو الهول، شهد المقر توترا عقب الإعلان عن نتائج التصويت التي أفرزت فوز النقيب محمد فجار برئاسة الجمعية، وتطورت الأجواء إلى وقوع أعمال شغب محدودة تمثلت في كسر إحدى نوافذ المبنى، وهو ما شكل مدخلا لتدخل السلطات.
وفي تلك الليلة، تم إخلاء المقر من الحاضرين وتشميع أبوابه، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ البناية، انتهت بإغلاق الجمعية الثقافية بشكل نهائي ووضع حد لأنشطتها التي استمرت لسنوات طويلة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تم نقل آلاف الكتب التي كانت تضمها مكتبة الجمعية، قبل أن يتحول المبنى لاحقا إلى مقر إداري ثم إلى فضاء أمني، في مفارقة لافتة بين الدور الثقافي الذي أنشئ من أجله والدور الذي آل إليه فيما بعد.
واليوم، وبعد مرور أكثر من أربعة عقود على إغلاق الجمعية الثقافية، لا يزال المبنى قائما شاهدا على حقبة كاملة من تاريخ الجديدة؛ حقبة كان فيها الكتاب أداة للتغيير، وكانت القاعات تضج بالنقاشات الفكرية والعروض السينمائية والأنشطة المسرحية، قبل أن يخيم الصمت على المكان الذي كان يوما أحد أبرز معالم الحياة الثقافية بالمدينة.
عبدالله غيتومي
لم تكن الجمعية الثقافية مجرد بناية تحتضن أنشطة ثقافية عادية، بل كانت مدرسة حقيقية للفكر التقدمي ومنارة استقطبت عشرات الشباب الذين وجدوا بين رفوف مكتبتها ما لم يكن متاحا في أماكن أخرى. ففي سبعينيات القرن الماضي كانت المكتبة تزخر بكتب ومؤلفات فكرية وفلسفية اعتبرت آنذاك جريئة، وفتحت أمام روادها آفاقا جديدة للتفكير والنقاش، وكانت الاستفادة من هذه الكتب تتم عبر نظام انخراط سنوي رمزي لا يتجاوز عشرين درهما، مع إمكانية استعارة الكتب لمدة أسبوع.
ومع مرور السنوات، تحولت الجمعية إلى فضاء ثقافي متكامل استضاف أسماء بارزة في الفكر والأدب المغربيين، من بينها المرحوم عزيز بلال، وإبراهيم بوطالب، ومحمد جسوس، ومحمد زنيبر، كما احتضنت لقاءات وقراءات قصصية شارك فيها أدباء كبار من حجم محمد زفزاف وإدريس الخوري.
وتعود جذور المبنى إلى فترة الحماية الفرنسية، إذ كان في الأصل مقرا للقنصلية الفرنسية بمدينة الجديدة، وبعد مغادرة الفرنسيين انتقلت بعض تجهيزاته إلى الجمعية الثقافية، ومنها آلة لعرض الأفلام من قياس 16 ملم، استخدمت لاحقا في أنشطة النادي السينمائي الذي كان يقدم للجمهور أفلاما مغربية وعالمية ذات بعد فكري وفني، من بينها فيلم "وشمة" وأعمال أخرى قادمة من بلدان أوروبا الشرقية والاتحاد السوفياتي.
كما شكلت الجمعية فضاء للإبداع المسرحي الجاد، حيث شهدت إنتاج وعرض أعمال مسرحية ملتزمة شارك فيها عدد من أبناء المدينة الذين سيتركون بصمتهم في المشهد الثقافي المحلي.
غير أن هذا الإشعاع الثقافي والفكري المتزايد جعل الجمعية محط اهتمام ومراقبة من قبل السلطات خلال تلك المرحلة، إذ كلما اتسع تأثيرها وسط الشباب والمثقفين، ازدادت المخاوف من الدور الذي أصبحت تلعبه في نشر الفكر التقدمي واستقطاب فئات واسعة من أبناء المدينة.
وفي سنة 1980 بلغت الأزمة ذروتها، فخلال الجمع العام الذي خصص لانتخاب رئيس جديد للجمعية خلفا للأستاذ المصطفى أبو الهول، شهد المقر توترا عقب الإعلان عن نتائج التصويت التي أفرزت فوز النقيب محمد فجار برئاسة الجمعية، وتطورت الأجواء إلى وقوع أعمال شغب محدودة تمثلت في كسر إحدى نوافذ المبنى، وهو ما شكل مدخلا لتدخل السلطات.
وفي تلك الليلة، تم إخلاء المقر من الحاضرين وتشميع أبوابه، لتبدأ مرحلة جديدة في تاريخ البناية، انتهت بإغلاق الجمعية الثقافية بشكل نهائي ووضع حد لأنشطتها التي استمرت لسنوات طويلة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ تم نقل آلاف الكتب التي كانت تضمها مكتبة الجمعية، قبل أن يتحول المبنى لاحقا إلى مقر إداري ثم إلى فضاء أمني، في مفارقة لافتة بين الدور الثقافي الذي أنشئ من أجله والدور الذي آل إليه فيما بعد.
واليوم، وبعد مرور أكثر من أربعة عقود على إغلاق الجمعية الثقافية، لا يزال المبنى قائما شاهدا على حقبة كاملة من تاريخ الجديدة؛ حقبة كان فيها الكتاب أداة للتغيير، وكانت القاعات تضج بالنقاشات الفكرية والعروض السينمائية والأنشطة المسرحية، قبل أن يخيم الصمت على المكان الذي كان يوما أحد أبرز معالم الحياة الثقافية بالمدينة.
عبدالله غيتومي