الدكتور إبراهيم عروش الإدريسي - من اقتلع الشجرة؟...

استيقظ سكان الحي ذات صباح على خبر جلل هزَّ وجدان العصافير قبل البشر: الشجرة الكبيرة التي كانت تتوسط الساحة اختفت فجأة.
لا جذع، لا أغصان، لا أوراق، ولا حتى محضر اختفائها.
وقف أحد الشيوخ أمام المكان الخالي وقال بحزن:
رحم الله الشجرة، كانت أقدم من بعض المسؤولين وأصدق من بعض الوعود الانتخابية.
بدأ التحقيق الشعبي فوراً.
قال الأول:
- ربما سقطت بسبب الرياح.
فرد الثاني:
- غريب! الرياح أخذت الشجرة، وتركت العمود الكهربائي المائل منذ عشر سنوات.
وقال ثالث:
- ربما كانت مريضة كالصبار.
فأجابه آخر:
- وإذا كانت مريضة، فهل أصبح العلاج في مدينتنا هو الإعدام الفوري؟
وفي المساء اجتمع مجلس خبراء المقاهي، وهو هيئة غير معترف بها قانونياً لكنها الأكثر نشاطاً في البلاد.
قال أحدهم وهو يحتسي قهوته:
- الشجرة لم تُقتلع وحدها، لا بد من فاعل.
فرد آخر:
- صحيح، فحتى في القانون لا توجد جريمة بلا فاعل، ولا شجرة تمشي على جذورها وتهاجر إلى مدينة أخرى.
وهنا دخل البعد القانوني إلى النقاش.
فالأشجار الموجودة في الفضاءات العامة ليست مجرد ديكور أخضر، بل جزء من الملك العام والجماعي، وإزالتها أو إتلافها يفترض أن يتم وفق مساطر وقرارات واضحة تراعي المصلحة العامة وتحترم القوانين البيئية والتعميرية.
لكن المشكلة أن المواطنين لم يجدوا قراراً معلقاً، ولا إعلاناً يشرح الأسباب، ولا لوحة تقول إن الشجرة اقتُلعت لمرضها أو لخطر كانت تشكله.
وهكذا تحولت القضية إلى لغز إداري:
من اقتلع الشجرة؟
ولماذا؟
وبأي ترخيص؟
وهل زُرعت مكانها شجرة أخرى، أم أن العقوبة شملت الخلف أيضاً؟
أما العصافير فقد كانت الأكثر تضرراً. حين عادت مساءً إلى المكان المعتاد فلم تجد إلا فراغاً واسعاً.
قال الأول:
- أين بيتنا؟
رد الثاني:
- يبدو أنه دخل في إطار إعادة الهيكلة.
واجاب الثالث:
- وهل سنستفيد من بقعة بديلة؟
فقال الرابع:
- لا، لقد قيل إن الملف ما زال قيد الدراسة.
ومن الناحية البيئية، لم تكن الشجرة مجرد قطعة خشب مغروسة في التراب. كانت مصنعاً مجانياً للأكسجين، ومكيفاً طبيعياً للهواء، ومأوى للطيور، وحاجزاً ضد الغبار والحرارة.
كانت تؤدي كل هذه الخدمات دون أن تطلب تعويضاً عن الساعات الإضافية أو منحة تنقل أو تعويضاً عن الأخطار المهنية.
لكن يبدو أن بعض الناس لا ينتبهون إلى قيمة الشجرة إلا بعد اختفائها، تماماً كما لا ينتبهون إلى قيمة الظل إلا حين يقفون تحت شمس يوليوز.
وبعد أسابيع من التحقيقات الشفوية والمداولات المقاهية، صدر الحكم الشعبي النهائي:
المتهم مجهول، والشجرة غائبة، والظل مفقود، والعصافير في حالة نزوح جماعي.
أما السؤال الذي بقي معلقاً فوق المكان الخالي فهو:
من اقتلع الشجرة؟
لأن اقتلاع شجرة لا يعني دائماً إزالة جذع من الأرض، بل قد يعني أيضاً اقتلاع جزء من ذاكرة المكان، وتشويه مشهد بيئي احتاج سنوات لينمو، بينما لم يحتج سوى دقائق ليختفي.
وفي انتظار العثور على الجواب، لا تزال الشمس تواصل أداء مهامها فوق الرؤوس، ولا يزال المواطنون يبحثون عن ظل… ولو في وعود جديدة بزراعة أشجار تعويضية قد تأتي، وقد لا تأتي

د. ابراهيم عروش الدريسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...