رسائل الأدباء رسالة من عبد الرحمن منيف إلى محمد سعيد الصكار

باريس 13/12/1978
أخي العزيز أبو ريا
تحياتي الحارة وأشواقي
منذ شهر تماماً وأنا أنتقل من مستشفى الى آخر، من طبيب الى آخر، في محاولة لإجراء عملية ترميم كاملة ونهائية.. فبعد الغدة، حُوّلت إلى طبيب القلب، ثم آخر اختصاصي بأمراض الضغط العالي، وكل واحد من هؤلاء يجري عليّ مجموعة من التجارب وكأني أرنب او إنسان آتٍ من كوكب آخر.. وفي نطاق التجارب كميات كبيرة من الدم وأشياء أخرى.. في كل مرة، واستجوابات ليس لها نهاية حول تاريخ العائلة، متى توفي الأب، ولماذا، وكم كان عمره.. والأم.. والأخوات والأمراض السابقة متى وكيف ولماذا.. ويجب أن أحكّ ذاكرتي وأن أتذكّر كل شيء.. وفي النهاية لا شيء محدّد، وإنما إحالة الى طبيب جديد: تصوير للرأس، للاطراف، للجذع، ولا أدري لأي شيء آخر.. وحين تنتهي عودة على المحور نفسه، الى الأطباء المحليين. المهم.. أنني أصبحت في نهاية الشوط، ويبدو أني بدءاً من الغد سوف أبدأ أعرف ما هي مشكلتي.. تصوّر حتى الآن لا أعرف سوى شيء واحد: لا حاجة الى عملية جراحية عاجلة.. يمكن الاستعاضة عنها بالأشعة، أما اذا ظهرت الغدة وتورمت فيجب اجراء عملية جراحية.. أما الضغط، أما القلب فلا أعرف ماذا سيشار عليّ إزاءهما.. الأمر الوحيد الذي طُلب مني بإلحاح: أن أكفّ عن التدخين ولما أبديت احتجاجي واعتراضي وافق الطبيب على استبدال السجارة بالبايب.. ومنذ أسبوعين تحوّلت هذا التحول الخطير، ويبدو أني سوف أستمر.. إلا إذا تحسنت صحتي مرة أخرى!
اليوم باريس مليئة بالثلج.. درجة الحرارة دون الصفر، في النهار، والثلج يتساقط.. الدنيا بيضاء في كل مكان. البياض يحرك أعماق الانسان، يخلق حالة من الفرح الغامض، وأشعر أني فرح وأقرب الى الطفولة. النبيذ في جو مثل هذا يبعث في الانسان قوة إضافية، ومع أغاني فيروز والذكريات ولو توفرت ظروف أفضل وخرج الانسان الى الريف لكان الخنزير المشوّي.. الصغير، وأحلام.. وربما أشياء اخرى، باعثة لأفكار خطرة. سوف تبقى باريس هكذا لبضعة أيام لاحقة، حسب النشرة الجوية، وفي نهاية الاسبوع الحالي سوف يتحدد وضعي الصحي بشكل كامل ونهائي، وعندها يمكن ان أقضي ما تبقى من الفترة بين العلاج والنقاهة والتفكير.. وإذا توفر لي الوقت الكافي سوف أقوم بتبييض الرواية الجديدة التي انتهيت منها »الغزلان تبكي وهي تموت«! تمهيداً لدفعها الى مجلة المستقبل، بعد أن اتفقت معهم على نشرها مسلسلة في هذه المجلة. ومقابل مبلغ مجزٍ، حيث سأتقاضى عنها مبلغاً يوازي جميع الروايات السابقة.. إنهم يقترحون عشرين ألف فرنك، اي ما يقابل أربعة آلاف دولار، وأطالب أنا بمبلغ أكبر، ويُحتمل ان نصل الى رقم خمسة آلاف دولار إنه مبلغ جيد كما ترى. إنها بداية.. أو نهاية، جيدة، كما ترى ايضا، لم يبق عليّ سوى إعادة النظر الأخيرة تمهيداً للبدء بأصعب عملية بالنسبة لي في كتابة أية رواية: التبييض. إنني أعمل، أوقات الفراغ، في الرواية الاخرى، والتي أفكر ان أسمّيها: »الآخرون وكرياكوس وميدياس« 2.. لقد كتبت ثلاثين او أربعين صفحة جديدة، وقد أخذت الرواية في المرحلة الجديدة أبعاداً وآفاقاً جديدة، ويُحتمل أن تتطوّر وتنمو بشكل مختلف عن المخطط الاولي الذي كان لها من قبل.. إذا كانت ظروفي، من الناحية الصحية والوقت، تساعدني في إنجاز او على الأقل قطع مراحل إضافية، فسوف أفعل ذلك.. وحتى لو لم يتح لي ذلك فسوف أحاول الانتهاء منها في بداية الربيع، على أمل أن أتفرّغ بصورة كاملة للرواية الأم »الصيف الطويل« والتي يجب أن أنتهي من الجزء الاول قبل بداية الصيف!
هذا الهذر الطويل يعني بالنسبة لك أن تهيئ مجموعة من الأغلفة، وأن تهيئ ايضا للطبعة الجديدة بالنسبة للروايات الاخرى.. أريدك ان تفكّر بطريقة ثورية لكي تخرج هذه المجموعة من المزعجات إلى الناس بطريقة تؤدي الغرض من وضعها!
لقد تكلّمت عن همومي ورغباتي.. أكثر مما ينبغي.. كان من الواجب أن أتكلم عن هذه الموضوعات مع إنسان أحبه، لأن مثل هذا الكلام يريحني، ويؤدي الى حالة من الراحة والمتعة في الوقت نفسه. لقد أتعبتك.. ربما يكفي ذلك!
المعرض.. معرضك الجديد، للفن القديم، أين أصبح؟ أية أفكار عبقرية رائعة توصلت إليها؟ ومتى يكون هذا المعرض وأين؟ أنا مشتاق جداً ان أسمع الكثير عن الموضوع، وأتوقع ان يكون شيئاً مثيراً.. لا تتردّد، المهم ان تواصل الصعود وأن تتألق كما تحب وكما يجب ان تكون.. أنا متأكد من ذلك. أطرد بعض الوساوس والمخاوف واعط نفسك للعمل.. إنه راحة حقيقية، وإنه شيء نادر لا يتاح لإنسان كل وقت، أعرف طريقتك في التعامل مع المواد والأشياء، وما دمت في لحظات الحمى والانفعال فلا تتوقف.. إترك نفسك مطواعة جياشة، وبعد الانتهاء أنت نفسك سوف تُفاجأ، كيف ومتى صنعت هذه الاشياء.. التردّد، وافتراض احتمالات معينة منذ البداية يهدّ.. أنت بحاجة لانطلاقة جديدة وكبيرة وخطيرة.. أما ماذا يقول الآخرون فإنه في الاعتبار الأخير.. او على الأقل في الاعتبار الثاني.. إمنح مزيداً من الوقت والاندماج للعمل الجديد القديم.. وحين نلتقي قريباً سوف أكتشف فيك عبقرياً جديداً.
وماذا أيّها العزيز أبا ريا؟
لديّ عشرات الأفكار والمشاريع، وأعتقد أنني قبل نهاية العام الحالي سوف اتخذ قرارات مهمة وسوف أتوصّل الى نتائج من نوع جديد.. وحين نلتقي سوف نتحدث في عدة أفكار ومشروعات.. وأعتقد أننا سوف نتوصل إلى نتائج مهمة.
في الأخير، وضعي النفسي جيد، وهذا ينعكس على وضعي الصحي، وباريس رائعة في الصيف والشتاء، ولكنها غالية ومثل المرأة الجميلة والمستحيلة.. سعاد وعزة يملآن فراغي.. وإن كانت الأخيرة بتفتحها ورغباتها في المعرفة والحركة تخلق فيّ تساؤلات ونرفزة.. إنها السن، وللسن أحكامها..
وفي الختام بلّغ تحياتي الحارة لأم ريا ولريا ومازن وعلي.. والى جميع الاصدقاء..دون ذكر الأسماء.. لأن قائمة الأسماء طويلة..
وأتمنى ان أراك قريباً.. وأن أراك في أحسن حال، سعاد وعزة يهديان تحياتهما..
عبد الرحمن منيف


****

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...