ليلى تباني - ماذا ترى في حلمك أيها الأعمى؟... على أمل حلم يعيد تشكيل الرؤية

ليس العمى في فقدان الضوء ، بل في فقدان القدرة على مساءلة ما يُسمّى ضوءا. فثمّة عيون ترى العالم، لكنّها لا تراه ، وثمّة عقول تمرّ بين الأشياء، لكنّها لا تلامس حقيقتها. عند هذه الحدود الدقيقة بين الرؤية والإدراك، يولد سؤال يبدو بسيطا في ظاهره، لكنّه يفتح طبقات من المعنى لا تنتهي ، ماذا ترى في حلمك أيها الأعمى؟

إن الحلم، في أبسط تعريفاته، ليس انفلاتا عشوائيا من الواقع، بل إعادة تركيب له داخل دينامية مركّبة ، يعمل فيها العقل حينما ينعزل . فيه تتداخل الذاكرة بالرغبة، والخوف بالاحتمال، والماضي بما لم يحدث بعد. لكنه، رغم ذلك، يظلّ مشروطا بما تراكم في الداخل من خبرة ورؤية ...كأنه مرآة لا تعكس الخارج كما هو، بل كما استقرّ في أعماق النفس.

أما العمى، حين يُفهم خارج حدوده البيولوجية، فهو ليس غياب الصورة، بل غياب المعنى الذي يجعل الصورة قابلة للفهم. هو حالة إدراكية يعيش فيها الإنسان داخل عالم يراه الجميع، لكنه يراه عبر روايات جاهزة لا عبر مساءلة حية. وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة وعمقا : كيف لمن لم يتدرّب على رؤية الحقيقة في يقظته أن يُطلب منه أن ينتج رؤية في نومه؟ وأي حلم يمكن أن يولد من وعي لم يفتح عينيه أصلا على احتمال الاختلاف؟

في هذا السياق، يصبح "الأعمى" في السؤال ليس فاقد البصر، بل فاقد الرؤية النقدية التي تسمح له بتمييز الواقع عن صورته الموروثة. ومع الزمن، لا يعود الإنسان يسأل أو يشك، بل يتعامل مع ما يراه على أنه الحقيقة النهائية، رغم أنه قد يكون مجرد انعكاس لوعي مُلقَّن ومغلق.

أما الحلم، في هذا المستوى، فهو ليس مجرد نشاط ليلي مستقل، بل امتداد للبنية الداخلية للوعي. عند الإنسان العادي، يتشكل الحلم من تراكم التجارب اليومية والذكريات والانفعالات، ويُعاد تركيبها في صور رمزية. لكن عند "الأعمى عن الحقيقة"، قد يتحوّل الحلم إلى إعادة إنتاج ناعمة لنفس القيود التي تحكم يقظته، فلا يصبح مساحة تحرر، بل مرآة لما تمّ ترسيخه داخله... ومع ذلك، فإن الحلم لا ينحصر في كونه انعكاسا للواقع، بل قد يتحول إلى لحظة كسر له. فهو المجال الذي يسمح للخيال بأن يتجاوز حدود المألوف، وأن يعيد تركيب العالم بصور لم تكن ممكنة في اليقظة. وهنا تتجلى المفارقة: قد يكون الحلم امتدادا للعمى، وقد يكون في الوقت نفسه أول شقّ في جدار ذلك العمى.

ولهذا فإن سؤال "ماذا ترى في حلمك أيها الأعمى؟"لا يُفهم كحكم، بل كاختبار وجودي للرؤية: هل ما يراه الإنسان في نومه مجرد صدى لما اعتاد عليه في يقظته؟ أم أنه مساحة يتدرّب فيها الوعي على رؤية ما لم يكن قادرا على إدراكه بعد؟

في هذا السياق نخلص للقول ، بأنّ الحلم لا يكون امتيازا ،لمن يملك وضوح الرؤية، بل قد يكون أيضا وسيلة لاكتسابها. فالإنسان لا يبدأ باليقين ثم يحلم، بل قد يبدأ بالحلم ليكتشف أن يقينه نفسه كان ضيقا ومحدودا. وهكذا يتبيّن أن المسألة ليست في ما يراه "الأعمى" في حلمه، بل في طبيعة الرؤية التي يحملها أصلا ، ما إذا كانت رؤية تعيد إنتاج العمى، أم رؤية تفتح احتمال الخروج منه؟



ليلى تبّاني ــــ الجزائر .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...