غانية ملحيس - فلسطين ليست موضوع التاريخ، بل أحد صانعيه

تتزايد في الآونة الأخيرة التحليلات التي تتحدث عن تغير البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وعن دخول المنطقة مرحلة جديدة تختلف عن تلك التي سادت خلال العقود السابقة.
وتتنوع المقاربات بين من يركز على تراجع الدور الأمريكي، أو صعود أدوار إقليمية جديدة، أو تبدل التحالفات وموازين القوى.

ورغم أهمية هذه الملاحظات، فإن معظمها ينطلق من الظواهر أكثر مما ينطلق من الأسباب العميقة التي أطلقت هذه التحولات.

فما نشهده اليوم ليس مجرد إعادة توزيع للقوة داخل الإقليم، بل بداية إعادة تشكيل للعلاقة بين الإقليم والنظام العالمي بأسره.
والأهم من ذلك أن هذه التحولات لم تبدأ من العواصم الكبرى، ولا من غرف التخطيط الاستراتيجي، بل من غزة.
ليس المقصود هنا غزة بوصفها مساحة جغرافية صغيرة تتعرض لحرب إبادة غير مسبوقة فحسب، بل غزة بوصفها حدثا تاريخيا كشف حدود النظام الذي حكم العالم طوال العقود الماضية.
لقد قامت البيئة الإقليمية التي عرفناها منذ نهاية الحرب الباردة على مجموعة من المسلمات التي بدت راسخة إلى حد اليقين:

• أول هذه المسلمات أن الولايات المتحدة هي القوة القادرة على إدارة الشرق الأوسط وضبط توازناته.
• وثانيها أن إسرائيل تمثل القوة العسكرية المهيمنة القادرة على فرض إرادتها على محيطها.
• وثالثها أن القضية الفلسطينية يمكن احتواؤها أو تجاوزها أو إعادة تعريفها باعتبارها قضية إنسانية أو اقتصادية أو أمنية، لا قضية تحرر وطني وحق تقرير مصير.
• ورابعها أن النظام الدولي، رغم كل عيوبه، ما يزال قادرا على توفير حد أدنى من الشرعية القانونية والأخلاقية الناظمة للعلاقات الدولية.

جاءت غزة لتضع هذه المسلمات جميعها تحت الاختبار.
فبعد أكثر من عامين ونصف من حرب إبادة بشرية وعمرانية، لم تستطع إسرائيل تحقيق الحسم السياسي الذي سعت إليه.
ولم تستطع القوة العسكرية، على ضخامتها، تحويل التفوق العسكري إلى استقرار أو شرعية أو قبول.
وفي الوقت نفسه، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام مفارقة غير مسبوقة: فهي ما تزال القوة الأكثر نفوذا في العالم، لكنها عاجزة عن فرض نهاية سياسية مستقرة للصراع الذي تشارك في خوضه وتتولى إدارته.
أما النظام الدولي، فقد ظهر في أكثر لحظاته هشاشة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. إذ بدت مؤسساته عاجزة عن وقف الإبادة، أو حماية المدنيين، أو فرض احترام القانون الدولي، أو حتى الحفاظ على المعايير التي طالما قدمها الغرب باعتبارها قيما عالمية.
لكن التحول الأهم لم يكن في انكشاف حدود القوة، بل في انكشاف حدود السردية التي تمنح هذه القوة مشروعيتها.
لم تكشف غزة أزمة السياسات الغربية فحسب، بل كشفت أزمة أعمق تتعلق بالبنية الفكرية والأخلاقية للحداثة الغربية ذاتها. فالمشكلة لم تعد في ازدواجية المعايير بوصفها انحرافا عن المبادئ المعلنة، بل في احتمال أن تكون هذه الازدواجية جزءا من البنية المؤسسة لهذه الحداثة نفسها، حين تتعامل مع الشعوب المستعمَرة أو الواقعة خارج المركز الغربي.

لقد كشفت غزة التناقض العميق بين الخطاب والممارسة، بين ادعاءات العالمية وواقع الانتقائية، وبين لغة حقوق الإنسان ومنطق القوة العارية.
ولذلك لم تعد الأزمة مقتصرة على إسرائيل أو الولايات المتحدة، بل امتدت إلى المنظومة الفكرية والسياسية التي أنتجتهما معا.
ومن هنا يمكن فهم التحولات الإقليمية المتسارعة. فصعود أدوار إيران وتركيا، ومحاولات قوى أخرى التمركز داخل المشهد الجديد، ليس سبب التحول بقدر ما هو نتيجة له.
إنها استجابات لفراغ يتسع، ولموازين قوة تعاد صياغتها، ولنظام إقليمي فقد مركزه القديم دون أن يستقر بعد على مركز جديد.
لكن القراءة التي تكتفي برصد حركة القوى الإقليمية تبقى قاصرة عن فهم العنصر الأكثر أهمية في المشهد. فهذه التحولات، على أهميتها، لا تفسر نفسها بنفسها، ولا تكشف مصدر الطاقة التاريخية التي أطلقتها،
ففلسطين لم تكن موضوعاً لهذه التحولات، بل كانت أحد أبرز صانعيها.
لقد ارتبطت محاولات إعادة هندسة المجال العربي الإسلامي، منذ ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى وحتى مشاريع التطبيع المعاصرة، بإعادة تعريف المنطقة ضمن خرائط ومفاهيم سياسية أنتجها المركز الاستعماري الحديث، ومن أبرزها مفهوم “الشرق الأوسط”، الذي لم يكن مجرد توصيف جغرافي محايد، بل إطارا سياسيا عكس موقع المنطقة داخل النظام الدولي الذي تشكل حول الهيمنة الغربية.
وقام هذا التصور على افتراض أن مستقبل المنطقة يمكن أن يبنى على إلغاء فلسطين وإحلال إسرائيل محلها، وهو الافتراض الذي حكم، بأشكال مختلفة، مسارات ممتدة من سايكس - بيكو ووعد بلفور وصك الانتداب إلى صفقة القرن، ومشاريع التطبيع، وحرب الإبادة الجارية.
وقام أيضاً على أن تجاوز القضية الفلسطينية أصبح ممكنا، وأن الفلسطينيين تحولوا إلى عنصر هامشي بعد أوسلو وانقسام النظام السياسي الفلسطيني وتشظيه داخل الوطن المحتل وفي مناطق اللجوء والشتات.
غير أن ما جرى أثبت العكس تماما. فغزة، المكان الأصغر والأفقر والسجن الأكبر المفتوح في العالم، أعادت بعد طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول / اكتوبر 2023 فلسطين إلى مركز السياسة العالمية،
وأعادت تعريف أولويات الفاعلين الإقليميين والدوليين،
وأجبرت العالم والإقليم - الذي رسّخته ثلاثة حروب كونية خلال القرن العشرين، اثنتان ساخنتين وثالثة باردة، افقدت البشرية عشرات الملايين على امتداد الكرة الأرضية - على إعادة طرح الأسئلة التي ظن كثيرون أنها أغلقت نهائيا: أسئلة الاستعمار، والتحرر، والعدالة، والشرعية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

ومن هذه الزاوية لا تبدو غزة مجرد ساحة حرب. بل تبدو نقطة تقاطع تاريخية انكشفت عندها أزمات متعددة في وقت واحد.
فلم تكشف أزمة إسرائيل وحدها،
بل كشفت في الوقت نفسه أزمة النظام العربي الذي عجز عن حماية شروط وجوده،
وأزمة الهيمنة الأمريكية التي امتلكت أدوات القوة وفقدت القدرة على إنتاج الشرعية،
وأزمة نظام الحداثة الغربية الذي رفع راية العالمية بينما مارس الانتقائية،
وأزمة النظام الدولي الذي بدا عاجزا عن حماية مبادئه عندما وُضعت تحت الاختبار.

ولهذا فإن الحديث عن ولادة بيئة استراتيجية جديدة لا ينبغي أن يقتصر على تبدل التحالفات أو انتقال النفوذ من قوة إلى أخرى. فالتحول الجاري أعمق من ذلك بكثير. إنه تحول يمس الأسس التي قامت عليها مرحلة تاريخية كاملة.
لقد تحولت غزة إلى مرآة تاريخية. ولم يكن ما انعكس فيها صورة الفلسطينيين وحدهم، بل صورة العالم الذي ادّعى تمثيل الإنسانية الحديثة. ولهذا لم تكن الصدمة فيما جرى في غزة فحسب، بل فيما كشفته غزة عن العالم
وإذا كانت الحروب الكبرى كثيرا ما تكشف ما كان كامنا تحت سطح التاريخ، فإن غزة كشفت أن العالم الذي نشأ بعد الحروب العالمية وبدا أنه استقر بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الثنائية القطبية، لم يعد قادرا على إنتاج الاستقرار الذي وعد به، ولا العدالة التي ادعى تمثيلها، ولا الشرعية التي استند إليها.

ولعل السؤال الأهم اليوم ليس من سيرث النفوذ في الشرق الأوسط، ولا أي القوى ستتقدم وأيها ستتراجع.
السؤال الأهم هو: أي نظام سياسي وأخلاقي سيخرج من تحت أنقاض غزة؟
فإذا قرئت غزة بعين التاريخ لا بعين اللحظة الراهنة، فإنها لم تعد مجرد قضية فلسطينية، ولا مجرد ساحة حرب إقليمية، بل تحولت إلى الاختبار الذي يقاس عليه مستقبل النظام الدولي نفسه.
ومن تحت أنقاضها لا يتحدد مصير فلسطين وحدها، ولا حتى المصير العربي والإقليمي، بل مصير النظام العالمي الذي يعاد تشكيله امام أعيننا، ومصير الشرعية التي سيدّعي العالم تمثيلها في العقود القادمة.
فالتاريخ الذي كُتب طويلا عن فلسطين، يبدو اليوم مضطرا لأن يُعاد كتابته من فلسطين أيضا.




غانية ملحيس
10/6/2026

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...