غانية ملحيس - فلسطين ليست موضوع التاريخ، بل أحد صانعيه

تتزايد في الآونة الأخيرة التحليلات التي تتحدث عن تغير البيئة الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وعن دخول المنطقة مرحلة جديدة تختلف عن تلك التي سادت خلال العقود السابقة.
وتتنوع المقاربات بين من يركز على تراجع الدور الأمريكي، أو صعود أدوار إقليمية جديدة، أو تبدل التحالفات وموازين القوى.

ورغم أهمية هذه الملاحظات، فإن معظمها ينطلق من الظواهر أكثر مما ينطلق من الأسباب العميقة التي أطلقت هذه التحولات.

فما نشهده اليوم ليس مجرد إعادة توزيع للقوة داخل الإقليم، بل بداية إعادة تشكيل للعلاقة بين الإقليم والنظام العالمي بأسره.
والأهم من ذلك أن هذه التحولات لم تبدأ من العواصم الكبرى، ولا من غرف التخطيط الاستراتيجي، بل من غزة.
ليس المقصود هنا غزة بوصفها مساحة جغرافية صغيرة تتعرض لحرب إبادة غير مسبوقة فحسب، بل غزة بوصفها حدثا تاريخيا كشف حدود النظام الذي حكم العالم طوال العقود الماضية.
لقد قامت البيئة الإقليمية التي عرفناها منذ نهاية الحرب الباردة على مجموعة من المسلمات التي بدت راسخة إلى حد اليقين:

• أول هذه المسلمات أن الولايات المتحدة هي القوة القادرة على إدارة الشرق الأوسط وضبط توازناته.
• وثانيها أن إسرائيل تمثل القوة العسكرية المهيمنة القادرة على فرض إرادتها على محيطها.
• وثالثها أن القضية الفلسطينية يمكن احتواؤها أو تجاوزها أو إعادة تعريفها باعتبارها قضية إنسانية أو اقتصادية أو أمنية، لا قضية تحرر وطني وحق تقرير مصير.
• ورابعها أن النظام الدولي، رغم كل عيوبه، ما يزال قادرا على توفير حد أدنى من الشرعية القانونية والأخلاقية الناظمة للعلاقات الدولية.

جاءت غزة لتضع هذه المسلمات جميعها تحت الاختبار.
فبعد أكثر من عامين ونصف من حرب إبادة بشرية وعمرانية، لم تستطع إسرائيل تحقيق الحسم السياسي الذي سعت إليه.
ولم تستطع القوة العسكرية، على ضخامتها، تحويل التفوق العسكري إلى استقرار أو شرعية أو قبول.
وفي الوقت نفسه، وجدت الولايات المتحدة نفسها أمام مفارقة غير مسبوقة: فهي ما تزال القوة الأكثر نفوذا في العالم، لكنها عاجزة عن فرض نهاية سياسية مستقرة للصراع الذي تشارك في خوضه وتتولى إدارته.
أما النظام الدولي، فقد ظهر في أكثر لحظاته هشاشة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. إذ بدت مؤسساته عاجزة عن وقف الإبادة، أو حماية المدنيين، أو فرض احترام القانون الدولي، أو حتى الحفاظ على المعايير التي طالما قدمها الغرب باعتبارها قيما عالمية.
لكن التحول الأهم لم يكن في انكشاف حدود القوة، بل في انكشاف حدود السردية التي تمنح هذه القوة مشروعيتها.
لم تكشف غزة أزمة السياسات الغربية فحسب، بل كشفت أزمة أعمق تتعلق بالبنية الفكرية والأخلاقية للحداثة الغربية ذاتها. فالمشكلة لم تعد في ازدواجية المعايير بوصفها انحرافا عن المبادئ المعلنة، بل في احتمال أن تكون هذه الازدواجية جزءا من البنية المؤسسة لهذه الحداثة نفسها، حين تتعامل مع الشعوب المستعمَرة أو الواقعة خارج المركز الغربي.

لقد كشفت غزة التناقض العميق بين الخطاب والممارسة، بين ادعاءات العالمية وواقع الانتقائية، وبين لغة حقوق الإنسان ومنطق القوة العارية.
ولذلك لم تعد الأزمة مقتصرة على إسرائيل أو الولايات المتحدة، بل امتدت إلى المنظومة الفكرية والسياسية التي أنتجتهما معا.
ومن هنا يمكن فهم التحولات الإقليمية المتسارعة. فصعود أدوار إيران وتركيا، ومحاولات قوى أخرى التمركز داخل المشهد الجديد، ليس سبب التحول بقدر ما هو نتيجة له.
إنها استجابات لفراغ يتسع، ولموازين قوة تعاد صياغتها، ولنظام إقليمي فقد مركزه القديم دون أن يستقر بعد على مركز جديد.
لكن القراءة التي تكتفي برصد حركة القوى الإقليمية تبقى قاصرة عن فهم العنصر الأكثر أهمية في المشهد. فهذه التحولات، على أهميتها، لا تفسر نفسها بنفسها، ولا تكشف مصدر الطاقة التاريخية التي أطلقتها،
ففلسطين لم تكن موضوعاً لهذه التحولات، بل كانت أحد أبرز صانعيها.
لقد ارتبطت محاولات إعادة هندسة المجال العربي الإسلامي، منذ ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى وحتى مشاريع التطبيع المعاصرة، بإعادة تعريف المنطقة ضمن خرائط ومفاهيم سياسية أنتجها المركز الاستعماري الحديث، ومن أبرزها مفهوم “الشرق الأوسط”، الذي لم يكن مجرد توصيف جغرافي محايد، بل إطارا سياسيا عكس موقع المنطقة داخل النظام الدولي الذي تشكل حول الهيمنة الغربية.
وقام هذا التصور على افتراض أن مستقبل المنطقة يمكن أن يبنى على إلغاء فلسطين وإحلال إسرائيل محلها، وهو الافتراض الذي حكم، بأشكال مختلفة، مسارات ممتدة من سايكس - بيكو ووعد بلفور وصك الانتداب إلى صفقة القرن، ومشاريع التطبيع، وحرب الإبادة الجارية.
وقام أيضاً على أن تجاوز القضية الفلسطينية أصبح ممكنا، وأن الفلسطينيين تحولوا إلى عنصر هامشي بعد أوسلو وانقسام النظام السياسي الفلسطيني وتشظيه داخل الوطن المحتل وفي مناطق اللجوء والشتات.
غير أن ما جرى أثبت العكس تماما. فغزة، المكان الأصغر والأفقر والسجن الأكبر المفتوح في العالم، أعادت بعد طوفان الأقصى في السابع من تشرين الأول / اكتوبر 2023 فلسطين إلى مركز السياسة العالمية،
وأعادت تعريف أولويات الفاعلين الإقليميين والدوليين،
وأجبرت العالم والإقليم - الذي رسّخته ثلاثة حروب كونية خلال القرن العشرين، اثنتان ساخنتين وثالثة باردة، افقدت البشرية عشرات الملايين على امتداد الكرة الأرضية - على إعادة طرح الأسئلة التي ظن كثيرون أنها أغلقت نهائيا: أسئلة الاستعمار، والتحرر، والعدالة، والشرعية، وحق الشعوب في تقرير مصيرها.

ومن هذه الزاوية لا تبدو غزة مجرد ساحة حرب. بل تبدو نقطة تقاطع تاريخية انكشفت عندها أزمات متعددة في وقت واحد.
فلم تكشف أزمة إسرائيل وحدها،
بل كشفت في الوقت نفسه أزمة النظام العربي الذي عجز عن حماية شروط وجوده،
وأزمة الهيمنة الأمريكية التي امتلكت أدوات القوة وفقدت القدرة على إنتاج الشرعية،
وأزمة نظام الحداثة الغربية الذي رفع راية العالمية بينما مارس الانتقائية،
وأزمة النظام الدولي الذي بدا عاجزا عن حماية مبادئه عندما وُضعت تحت الاختبار.

ولهذا فإن الحديث عن ولادة بيئة استراتيجية جديدة لا ينبغي أن يقتصر على تبدل التحالفات أو انتقال النفوذ من قوة إلى أخرى. فالتحول الجاري أعمق من ذلك بكثير. إنه تحول يمس الأسس التي قامت عليها مرحلة تاريخية كاملة.
لقد تحولت غزة إلى مرآة تاريخية. ولم يكن ما انعكس فيها صورة الفلسطينيين وحدهم، بل صورة العالم الذي ادّعى تمثيل الإنسانية الحديثة. ولهذا لم تكن الصدمة فيما جرى في غزة فحسب، بل فيما كشفته غزة عن العالم
وإذا كانت الحروب الكبرى كثيرا ما تكشف ما كان كامنا تحت سطح التاريخ، فإن غزة كشفت أن العالم الذي نشأ بعد الحروب العالمية وبدا أنه استقر بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار الثنائية القطبية، لم يعد قادرا على إنتاج الاستقرار الذي وعد به، ولا العدالة التي ادعى تمثيلها، ولا الشرعية التي استند إليها.

ولعل السؤال الأهم اليوم ليس من سيرث النفوذ في الشرق الأوسط، ولا أي القوى ستتقدم وأيها ستتراجع.
السؤال الأهم هو: أي نظام سياسي وأخلاقي سيخرج من تحت أنقاض غزة؟
فإذا قرئت غزة بعين التاريخ لا بعين اللحظة الراهنة، فإنها لم تعد مجرد قضية فلسطينية، ولا مجرد ساحة حرب إقليمية، بل تحولت إلى الاختبار الذي يقاس عليه مستقبل النظام الدولي نفسه.
ومن تحت أنقاضها لا يتحدد مصير فلسطين وحدها، ولا حتى المصير العربي والإقليمي، بل مصير النظام العالمي الذي يعاد تشكيله امام أعيننا، ومصير الشرعية التي سيدّعي العالم تمثيلها في العقود القادمة.
فالتاريخ الذي كُتب طويلا عن فلسطين، يبدو اليوم مضطرا لأن يُعاد كتابته من فلسطين أيضا.




غانية ملحيس
10/6/2026

تعليقات

نائلة الوعري

تطرح الدكتورة غانية ملحيس في هذا المقال فكرة جديرة بالتأمل، وهي أن فلسطين لم تعد مجرد قضية تُدرَس في سياق التحولات الدولية، بل باتت عاملاً من العوامل التي تُسهم في إنتاج هذه التحولات نفسها.
ومن زاوية تاريخية، يمكن القول انها لم تكن يوماً هامشاً في تاريخ المنطقة، بل كانت حاضرة في كثير من المنعطفات الكبرى التي أعادت تشكيل الشرق الأوسط منذ أواخر العهد العثماني مروراً بالاستعمار الأوروبي، ووعد بلفور، والانتداب البريطاني، ثم قيام دولة الاحتلال وما تبعه من حروب وصراعات وتحالفات واتفاقيات أعادت رسم خرائط المنطقة السياسية.
لقد افترض كثيرون، خصوصاً بعد اتفاق أوسلو، أن القضية الفلسطينية تتجه نحو التهميش التدريجي، وأن الزمن كفيل بإخراجها من مركز الأحداث. غير أن الوقائع أثبتت العكس. فكل محاولة لتجاوز فلسطين كانت تعيدها إلى الواجهة بصورة أكثر حضوراً وتأثيراً، ليس لأنها مجرد قضية نزاع محلي، بل لأنها ترتبط بأسئلة أعمق تتعلق بالاستعمار والهوية والعدالة والشرعية وحقوق الشعوب.
ولعل ما يلفت النظر في المرحلة الراهنة أن غزة، رغم ما تتعرض له من دمار ومعاناة إنسانية غير مسبوقة، أعادت طرح أسئلة ظن العالم أنه تجاوزها منذ عقود. ولذلك فإن أهمية المقال لا تكمن فقط في قراءته للتحولات الجارية، بل في تذكيره بأن فلسطين ليست مجرد متأثرة بالتاريخ، وإنما ما زالت، رغم كل الظروف، أحد العوامل المؤثرة في صناعته
فالتاريخ لم يُكتب عن فلسطين فقط، بل كُتب كثير منه بسب فلسطين ومما ذكرت الدكتورة غانية ؛ايضا التاريخ الذي كُتب طويلاً عن فلسطين، يبدو اليوم مضطراً لأن يُعاد كتابته من فلسطين أيضاً. أحسنت د. غانية في لفت الانتباه إلى أن فلسطين لم تعد مجرد موضوع للتحليل السياسي، بل أصبحت معياراً يُقاس عليه صدق النظام الدولي وقدرته على الالتزام بالمبادئ التي يرفعها.
نائلة الوعري
10/5/2026


=====


غانية ملحيس

الصديقة العزيزة نائلة الوعري
أشكرك على هذه القراءة العميقة والمتأنية التي لم تكتفِ بتلخيص الفكرة، بل وسّعت أفقها التاريخي، وربطتها بسياق أوسع من التحولات التي شهدتها المنطقة خلال القرن الأخير.
أوافقك تماما أن فلسطين لم تكن في أي مرحلة مجرد هامش في تاريخ "الشرق الأوسط" الذي استحدث مسماه في اطار الهندسة الاستعمارية الغربية للمنطقة العربية- الإسلامية الممتدة ، بل كانت حاضرة في قلب التحولات التي أعادت تشكيله منذ أواخر العهد العثماني، وحتى يومنا هذا. وربما كان أحد أهداف المقال الأساسية هو لفت الانتباه إلى أن ما يجري اليوم لا يقتصر على عودة فلسطين إلى واجهة الأحداث، بل إلى انكشاف حقيقة أنها لم تغادرها أصلا، حتى في اللحظات التي بدا فيها أنها أُقصيت أو جرى تجاوزها سياسيا.
أقدّر بشكل خاص إشارتك الدقيقة إلى أن كل محاولة لتجاوز فلسطين كانت تنتهي بإعادتها إلى مركز المشهد، لأن القضية في جوهرها لم تكن نزاعا حدوديا أو ملفا سياسيا قابلا للإدارة، بل سؤالا مفتوحا يتعلق بالاستعمار والعدالة والشرعية وحقوق الشعوب، وهي أسئلة يصعب على التاريخ نفسه أن يتجاوزها.
سعدت كثيرا بإضافتك الجميلة: «فالتاريخ لم يُكتب عن فلسطين فقط، بل كُتب كثير منه بسبب فلسطين»، فهي صياغة مكثفة تلتقي مع الفكرة التي حاول المقال الاقتراب منها، وهي أن فلسطين ليست مجرد مرآة لتحولات العالم، بل أحد المواقع التي يُعاد من خلالها تعريف العالم نفسه.
كل الشكر والتقدير لك على هذا الإثراء الفكري.
غانية ملحيس
11/10/2026
 
يحيى بركات

العزيزة د. غانية
ما شدّني في مقالك ليس فقط قراءتك للتحولات الإقليمية والدولية الجارية، بل نقلك لفلسطين من موقع "الموضوع" إلى موقع "الفاعل" في التاريخ.
منذ سنوات طويلة جرى التعامل مع القضية الفلسطينية وكأنها ملف يجب إدارته، أو أزمة يجب احتواؤها، أو مشكلة أمنية وإنسانية تبحث عن حلول تقنية. لكن ما تطرحينه هنا يعيد النقاش إلى مكان آخر تمامًا: فلسطين بوصفها سؤالًا أخلاقيًا وسياسيًا وتاريخيًا أعاد اختبار العالم نفسه.
وأعتقد أن قوة المقال تكمن في أنه لا يكتفي بقراءة ما كشفته غزة عن إسرائيل أو الولايات المتحدة أو النظام الدولي، بل ما كشفته عن الأفكار التي حكمت العالم لعقود طويلة، وعن الفجوة بين الخطاب والممارسة، وبين ادعاء العالمية وواقع الانتقائية.
وأنا أقرأ مقالك، تذكرت كم من المرات حاول كثيرون إخراج فلسطين من التاريخ، فإذا بها تعود في كل مرة لتفرض نفسها على التاريخ ذاته.
ربما نختلف أحيانًا في قراءة بعض التفاصيل أو في تقدير مآلات المرحلة المقبلة، لكن يصعب الاختلاف مع الفكرة المركزية التي يطرحها النص: أن غزة لم تعد مجرد ساحة حرب، بل أصبحت مرآة انكشف فيها العالم أمام نفسه.
تحية لقراءة عميقة تحاول أن ترى ما وراء الحدث، وما وراء الدخان، وما وراء اللحظة الراهنة.
يحيى بركات
11/6/2026


============


غانية ملحيس


يحيى العزيز
ممتنة لك لهذه القراءة العميقة التي شعرت معها أن الشراكة الفكرية لا تكتمل بالتوافق الكامل، بل بمحاورة الأفكار والنفاذ إلى ما وراء العبارات.
أصبتَ في التقاط الفكرة المركزية للمقال، فالمقصود لم يكن فقط وصف التحولات الجارية، بل مساءلة الطريقة التي جرى بها النظر إلى فلسطين طوال عقود، باعتبارها موضوعا تُدار أزمته أو ملفا يُبحث له عن تسوية، بينما كانت في الواقع أحد العوامل التي استمرت في التأثير في تشكيل البيئة السياسية والأخلاقية التي يتحرك العالم داخلها.
ولعل ما كشفته غزة يتجاوز حدود الصراع المباشر إلى كشف أزمة أعمق تتعلق بالتصورات التي حكمت النظام الدولي نفسه، وبالفجوة المتزايدة بين القيم المعلنة والممارسات الفعلية. ولهذا بدا لي أن الحدث الفلسطيني لم يعد مجرد حدث يقع داخل التاريخ، بل أصبح مناسبة لاختبار السرديات التي ادّعت طويلا أنها تفسر التاريخ وتمنحه معناه.
وأقدّر كثيرا ملاحظتك حول محاولات إخراج فلسطين من التاريخ، لأنها تلامس إحدى المفارقات الكبرى في التجربة الفلسطينية. فكلما اعتقدت قوى عديدة أنها نجحت في تجاوز القضية أو تهميشها، عادت فلسطين لتفرض حضورها من جديد، لا باعتبارها قضية تخص الفلسطينيين وحدهم، بل باعتبارها سؤالا مفتوحا حول العدالة والحرية والشرعية في عالمنا المعاصر.
وأثمّن خصوصا إشارتك إلى إمكان الاختلاف في التفاصيل وتقدير المآلات، لأن قيمة الحوار الفكري لا تكمن في التطابق الكامل بقدر ما تكمن في السعي المشترك لفهم لحظة تاريخية ما تزال تتكشف أمامنا، وللاقتراب من أسئلتها الكبرى دون ادعاء امتلاك أجوبتها النهائية.
كل التقدير والامتنان لهذه القراءة الثرية، ولحوارك الدائم الذي يضيف إلى المقالات أكثر مما يعلّق عليها.
غانية ملحيس
11/6/2026
 
عبد الكريم جنيدي


شكرا على الرسالة لنتعارف فكريا ... "تغير البيئة الاستراتيجية" و"دخول مرحلة جديدة"، القوة العسكرية، الشرعية الدولية، التحالفات — لم تكن أبداً "قواعد" ثابت بل بنى سردية تمنح النظام العالمي صورة الاستقرار.
"الولايات المتحدة عاجزة عن فرض نهاية سياسية"، أرى أنا أن العجز ليس عسكرياً أو اقتصادياً — أمريكا لا تزال الأقوى — بل هو عجز في إنتاج سردية مقنعة . القوة التي لا تستطيع تبرير نفسها أمام شعب صغير محاصر تفقد شيئاً أعمق من النفوذ: تفقد القدرة على إقناع العالم بأنها تمثل "القيم" لا المصالح. وهذا ما يجعل غزة مختلفة عن حروب سابقة.
هنا يأتي ما أراه أبعد من المقال. المقال يتحدث عن إسرائيل كـ "قوة عسكرية مهيمنة" أو كأداة غربية. أنا أرى شيئاً آخر:…. إسرائيل لم تبقَ مجرد أداة تُنفذ ما يُرسم لها في غرف واشنطن ولندن. بل استولت عبر عقود من التخطيط الذكي الممؤسس — على جزء كبير من "الأنا" الأمريكية، وأجزاء أصغر من الأنا الغربية في بريطانيا وفرنسا وألمانيا… ودول أخرى أوروبية وغير أوروبية . فصارت لا تُنفذ فقط، بل تتكلم من خلال أناهم….. وتراقبنا من خلال عيونها وعيونهم... وتبطش بنا بأيديها وأيديهم. هذا ليس تبعية تقليدية، بل تداخل في الهوية يجعل التمييز بين "مصلحة إسرائيل" و"مصلحة الغرب" غير واضح أحياناً، بل مستحيلاً.
" ... لا يوجد نظام عربي بمعنى كيان سياسي مستقل يمتلك قراره ويخفق أو ينجح فيه. ما نسميه "النظام العربي" هو في رؤيتي امتداد إداري بالوكالة لبنية أوليغارشية عالمية، ليس العربي كائنا من كان شريكا فيها ولا منافس. عجزه ليس عجز دولة عن حماية مصالحها، بل هو — ببساطة — عدم امتلاكها أصلاً لقرار الحماية. غزة كشفت هذا بشكل صادم .
"النظام الدولي الهش" أنا لا أقرأه هشاشة تُنذر بالانهيار الوشيك ، بل هشاشة تُنذر بـ "إعادة ترتيب". المؤسسات الدولية لم تفشل في حماية المدنيين بالصدفة أو الضعف — بل فشلت لأن وظيفتها ليست الحماية المطلقة، بل الحماية الانتقائية التي تخدم (نادي الحكم) وهي عبارة استعرتها من توجان الفيصل للتعبير عن الأليغارشية العظمى التي تتبع لها الأوليغارشايات المحلية الحاكمة في دول العالم الثالث
غزة "أعادت فلسطين إلى مركز السياسة العالمية". أنا أرى أنها فعلت شيئاً أعمق: فقد هزت أركان حكمهم جميعا دون أن تقصد .. بل كانت الهزة بسبب تغير مستوى الوعي العالمي للشعوب في الغرب وفي الشرق رغم الحراسة المشددة على الوعي !س كيف تُعاد فلسطين إلى الخريطة، بل كيف تُعاد كتابة الخريطة من أساسها.
المقال ينتهي بسؤال وجودي: "أي نظام سيخرج من تحت أنقاض غزة؟" أنا لا أنتظر "نظاماً" يخرج من الأنقاض كما يخرج الفينيق. الأنقاض قد تكون مجرد أنقاض. السؤال بالنسبة لي هو: من يمتلك البديل؟ ليس بديلاً في توزيع الأدوار داخل اللعبة القديمة….. بل بديلاً في قواعد اللعبة نفسها.
عبد الكريم
جنيدي 11/6/2026


===============


غانية ملحيس


أقدّر هذا التعليق الذي لم يتعامل مع المقال بوصفه وصفًا للأحداث، بل حاول الذهاب إلى البنية التي تنتج الأحداث. وهنا بالضبط يظهر الفرق بين قراءة التحولات بوصفها انتقالًا في موازين القوى، وقراءتها بوصفها أزمة في النظام الذي ينتج هذه الموازين.
أتفق أن المسألة لا تختزل في عجز عسكري أو اقتصادي أمريكي؛ فالقوة الكبرى لا تفقد مكانتها لمجرد خسارة معركة، بل عندما تفقد القدرة على تحويل قوتها إلى شرعية قابلة للتصديق. وربما هذا هو جوهر اللحظة الغزية: ليس فقط انكشاف حدود القوة، بل انكشاف الفجوة بين القوة والسردية التي تمنحها معنى القبول.
لفتني خصوصًا تفكيك العلاقة بين المشروع الصهيوني والغرب، والميل إلى التعامل مع التاريخ كأنه سلسلة تحالفات بين كيانات مكتملة، بينما هو في الحقيقة تشكل داخل منطق واحد منذ البداية. فالفصل بين “الذات الغربية” و“الصهيونية” يبدو فصلا إجرائيا أكثر منه فصلا تاريخيا.
فالصهيونية المسيحية، بما سبق الصهيونية السياسية من قرون، لم تكن هامشا دينيا داخل الغرب، بل إحدى لغاته التأسيسية في تخيل الجغرافيا والتاريخ والشرعية. ومن ثم فإن المشروع الصهيوني اليهودي لم يدخل إلى منظومة مكتملة من الخارج، بل تشكل داخل تخيلاتها، ثم أعيد تدويره سياسيا داخل البنية الإمبريالية في لحظة لاحقة.
لكن الأخطر ليس أصل العلاقة، بل طريقة استمرارها: فالغرب لم “يُجنّد” الصهيونية كأداة خارجية، بل أنتج الشروط التي سمحت بظهورها ثم أعاد احتواءها داخل منطق اشتغاله. لذلك فإن سؤال “من يوظف من” يفترض مركزا سياديا واضحا، بينما الواقع أقرب إلى تشابك عضوي داخل بنية هيمنة واحدة تتبادل فيها المواقع لا الأدوار فقط.
وفي هذا السياق، لا تبدو إسرائيل فاعلا مستقلا ولا مجرد وكيل منفذ، بل عقدة وظيفية مشروطة: تمارس قوة حقيقية، لكنها محكومة ببنية إسناد تجعل استقلالها الاستراتيجي موضع سؤال دائم.
وربما هنا تكمن أهمية فلسطين تاريخيا: ليس فقط لأنها عادت إلى مركز السياسة العالمية، بل لأنها أعادت فتح أسئلة حاولت أنظمة كاملة تأجيلها لعقود. وما كشفته غزة لا يتعلق فقط بوقائع سياسية، بل بارتباك عالمي في تعريف العدل والشرعية والمعنى نفسه. وقد بدا كأن أسوار الحراسة على الوعي، التي تشكلت عبر عقود، قد تعرضت لاهتزاز عميق أعاد طرح الأسئلة المؤجلة.
أما فكرة “النظام العربي”، فالمسألة لا تتعلق بتجانس أو ضعف تنسيق، بل بطبيعة التكوين نفسه. فحتى الأنظمة غير المتجانسة تحتاج حدًا أدنى من الاستقلال البنيوي كي تُسمى نظاما. لكن ما يبدو أن هذا التكوين تشكل أصلا داخل هندسة إقليمية مرتبطة ببنية النظام العالمي الأوسع، بما فيه لحظة تأسيس الكيان الصهيوني في مركز جغرافي - سياسي أعاد تنظيم المجال العربي نفسه. ومن هنا يصبح السؤال أدق: هل كان هذا “النظام” قابلا أصلا لإنتاج قرار تاريخي مستقل، أم أنه تشكل كآلية إدارة إقليمية مضبوطة الحدود مسبقا؟
وفي هذا السياق، يصبح مصطلح “الأوليغارشية العالمية” محاولة لتسمية ما لا يُراد تسميته أكثر مما هو تحليل دقيق. فاختزال البنية المعاصرة في مركز واحد متجانس يعيد إنتاج وهم السيطرة الموحدة. بينما ما نواجهه أقرب إلى هندسة متعددة المستويات: شبكات مصالح غير متكافئة، مؤسسات عابرة للدول، بنى اقتصادية تتجاوز السيادة، وأنماط ثقافية تعيد إنتاج منطق الهيمنة دون مركز ظاهر.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي الذي تفرضه غزة ليس: من يهيمن؟ بل: كيف يمكن لنظام متعدد المراكز ظاهريا أن ينتج باستمرار نتائج متقاربة في إدارة القوة والشرعية؟ وكيف يتحول خطاب القانون والحرية إلى آلية فرز تحدد مسبقًا من يُرى كموضوع حماية ومن يُترك خارجها؟
ربما ما تكشفه غزة ليس حدود القوة فقط، بل حدود اللغة التي تُستخدم لفهم القوة ذاتها؛ أي لحظة اهتزاز عميق في قدرة المفاهيم السياسية السائدة على تفسير العالم الذي تنتجه.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال: من يمتلك البديل؟ بل: هل البديل القادم مجرد تعديل داخل النظام نفسه، أم أن التحول الحقيقي يبدأ حين تتغير معايير الشرعية التي يقوم عليها هذا النظام أصلا .
غانية ملحيس
11/6/2026
 
أعلى