في معظم الأحيان، ينظر إلى بعض الأفراد بوصفهم أشخاصاً يصعب التعامل معهم، إلا أن هذا التصور لا يعكس دائماً حقيقتهم النفسية والاجتماعية بقدر ما يكشف طبيعة التوقعات التي يحملها الآخرون تجاههم. ففي الحياة الاجتماعية، يميل الناس إلى تفضيل العلاقات التي تمنحهم قدراً من القدرة على التأثير والتوجيه، لذلك يصبح الشخص الذي يضع حدوداً واضحة، ويرفض الانصياع للضغوط العاطفية أو الاجتماعية، موضع استغراب وربما انتقاد. ومن الناحية النفسية، لا ينشأ هذا الانطباع بسبب التعقيد في الشخصية، بل بسبب امتلاك الفرد درجة مرتفعة من الوعي الذاتي والاستقلالية في اتخاذ القرار. فالأشخاص الذين يصعب التلاعب بهم غالباً ما يزعجون من اعتادوا الحصول على ما يريدون عبر الإقناع المفرط أو استثمار مشاعر الآخرين، ولذلك يتحول احترام الذات في نظر البعض إلى صفة سلبية توصف بأنها صعوبة في التعامل.
وعلى المستوى السوسيولوجي، تبنى كثير من العلاقات داخل المجتمع على توازنات غير معلنة من النفوذ والتأثير المتبادل. وفي هذا السياق، يكافأ الأفراد الذين يتوافقون مع التوقعات السائدة ويستجيبون بسهولة لمطالب الجماعة، بينما ينظر بريبة إلى من يمتلكون القدرة على الرفض أو الاعتراض. لذلك لا يكون الاتهام بالصعوبة حكماً على السلوك بقدر ما يكون تعبيراً عن فشل الآخرين في فرض إرادتهم. فكلما ازدادت قدرة الإنسان على حماية حدوده الشخصية، ازدادت احتمالات وصفه بالعناد أو التعقيد أو البرود. وهنا تكمن المفارقة الاجتماعية، إذ تتحول الاستقلالية، التي يفترض أن تكون علامة على النضج، إلى تهمة في البيئات التي اعتادت الخضوع أو المجاملة أو العلاقات القائمة على المصالح المقنعة بثوب الود.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي للفرد أن يقيس قيمة ذاته بمدى رضا الجميع عنه، لأن القبول الاجتماعي ليس دائماً دليلاً على الصحة النفسية أو التوازن الشخصي. فكثير من الناس يحبون الشخص السهل ما دام يحقق مصالحهم، لكنهم ينفرون ممن يمتلك القدرة على قول (لا) في الوقت المناسب. لذلك فإن النضج الحقيقي لا يتمثل في إرضاء الآخرين باستمرار، بل في بناء شخصية متوازنة تعرف متى تتعاون ومتى ترفض، ومتى تمنح الثقة ومتى تحمي نفسها. وعندها يصبح وصف صعب التعامل مجرد انعكاس لعجز البعض عن التحكم بالإنسان، لا دليلاً على وجود خلل فيه، لأن الشخصية الواعية لا تقاس بمدى قابليتها للاستغلال، بل بقدرتها على صون كرامتها واستقلالها وسط ضغوط المجتمع وتوقعاته.
وفي النهاية لا تسمح للإشاعات أن تدفعك للتنازل عن وعيك أو حدودك، فالشخصية القوية لا تقاس بعدد من يرضى عنها، بل بقدرتها على الثبات أمام سوء الفهم والضغوط وأحكام الآخرين. وهذا يعني أنه كلما ازداد وعيك بالواقع وقلت قابليتك للخداع، ازداد عدد من يسيئون فهمك، فلا تجعل ضجيج الإشاعات يربكك، فالقيمة الحقيقية للإنسان يصنعها ثباته على مبادئه لا أحاديث الناس عنه. أليس كذلك أصدقائي؟
---------------------------وعلى المستوى السوسيولوجي، تبنى كثير من العلاقات داخل المجتمع على توازنات غير معلنة من النفوذ والتأثير المتبادل. وفي هذا السياق، يكافأ الأفراد الذين يتوافقون مع التوقعات السائدة ويستجيبون بسهولة لمطالب الجماعة، بينما ينظر بريبة إلى من يمتلكون القدرة على الرفض أو الاعتراض. لذلك لا يكون الاتهام بالصعوبة حكماً على السلوك بقدر ما يكون تعبيراً عن فشل الآخرين في فرض إرادتهم. فكلما ازدادت قدرة الإنسان على حماية حدوده الشخصية، ازدادت احتمالات وصفه بالعناد أو التعقيد أو البرود. وهنا تكمن المفارقة الاجتماعية، إذ تتحول الاستقلالية، التي يفترض أن تكون علامة على النضج، إلى تهمة في البيئات التي اعتادت الخضوع أو المجاملة أو العلاقات القائمة على المصالح المقنعة بثوب الود.
ومن هذا المنطلق، لا ينبغي للفرد أن يقيس قيمة ذاته بمدى رضا الجميع عنه، لأن القبول الاجتماعي ليس دائماً دليلاً على الصحة النفسية أو التوازن الشخصي. فكثير من الناس يحبون الشخص السهل ما دام يحقق مصالحهم، لكنهم ينفرون ممن يمتلك القدرة على قول (لا) في الوقت المناسب. لذلك فإن النضج الحقيقي لا يتمثل في إرضاء الآخرين باستمرار، بل في بناء شخصية متوازنة تعرف متى تتعاون ومتى ترفض، ومتى تمنح الثقة ومتى تحمي نفسها. وعندها يصبح وصف صعب التعامل مجرد انعكاس لعجز البعض عن التحكم بالإنسان، لا دليلاً على وجود خلل فيه، لأن الشخصية الواعية لا تقاس بمدى قابليتها للاستغلال، بل بقدرتها على صون كرامتها واستقلالها وسط ضغوط المجتمع وتوقعاته.
وفي النهاية لا تسمح للإشاعات أن تدفعك للتنازل عن وعيك أو حدودك، فالشخصية القوية لا تقاس بعدد من يرضى عنها، بل بقدرتها على الثبات أمام سوء الفهم والضغوط وأحكام الآخرين. وهذا يعني أنه كلما ازداد وعيك بالواقع وقلت قابليتك للخداع، ازداد عدد من يسيئون فهمك، فلا تجعل ضجيج الإشاعات يربكك، فالقيمة الحقيقية للإنسان يصنعها ثباته على مبادئه لا أحاديث الناس عنه. أليس كذلك أصدقائي؟
د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوري
الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا
الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا