هدى حجاجي - الأرصفة القديمة... مرثية الشعر في زمن الخذلان... قراءة نقدية في نص الشاعر عبدالرازق بحري

يكتب الشاعر عبدالرازق بحري نصًا مشبعًا بالحزن الوجودي، حيث تتحول "الأرصفة القديمة" من مجرد مكانٍ عابر إلى رمزٍ كثيف الدلالة، تختزن في أحجارها ذاكرة الخسارات وانطفاء الأحلام واغتيال الكلمة. فمنذ السطر الأول: "على الأرصفة القديمة أنام وحيدًا"، يضعنا الشاعر أمام مشهد إنساني بالغ القسوة؛ ذاتٌ منهكة لا تجد مأوى سوى أرصفة الزمن المهجورة، وكأن الوحدة لم تعد حالة شعورية، بل أصبحت قدرًا يوميًا يعيشه الشاعر في مواجهة عالم فقد دفئه.

تتجلى قوة النص في اعتماده على صورٍ بسيطة ظاهريًا، لكنها محملة بإيحاءات عميقة. فالذاكرة هنا "معصوبة بالعتمة"، وهي صورة تنقل القارئ من فضاء التذكر إلى فضاء العجز عن الرؤية. ليست الذاكرة غائبة، بل مقيدة ومحرومة من الضوء، الأمر الذي يمنح النص بعدًا نفسيًا يعكس حالة الانكسار والضياع.

ويواصل الشاعر بناء عالمه الكئيب عبر نفي متكرر للحياة ومظاهرها: "لا حياة... ولا قبلات... ولا أحضان ساحرة". هذا التكرار ليس مجرد أسلوب إنشائي، بل هو إيقاع داخلي يعمق الإحساس بالفراغ. فالأرصفة التي كانت يومًا مسرحًا للقاءات والعشاق والقصائد، أصبحت فضاءً موحشًا خاليًا من النبض الإنساني.

ومن أجمل لحظات النص وأكثرها إيلامًا قوله:

"على الأرصفة القديمة شاعر مات... مات يا الكلمات"

هنا لا يرثي الشاعر شخصًا بعينه، بل يرثي الشاعر بوصفه رمزًا، ويرثي الكلمة ذاتها. فالموت في هذا السياق ليس بيولوجيًا، وإنما هو موت الإبداع أمام هيمنة الزيف والسطحية. لذلك تأتي صرخته اللاحقة:

"باعة الشعر... لم يأنسوك كم غدروك"

لتكشف البعد النقدي في النص، حيث ينتقل من الحزن الذاتي إلى إدانة واقع ثقافي يخذل الشعراء الحقيقيين، ويمنح المساحات لمن يحولون الشعر إلى سلعة أو وسيلة استعراض. وهنا تتسع دائرة الألم من تجربة فردية إلى أزمة ثقافية عامة.

أما تكرار عبارة "على الأرصفة القديمة" فقد أدى وظيفة محورية في بناء النص. إنها لازمة شعرية تشبه دقات ناقوس حزين، تعود في كل مرة لتؤكد أن المكان ليس خلفية للأحداث، بل هو الشخصية المركزية التي تحمل ذاكرة الخراب كله.

ويختتم الشاعر المقطع بعبارة صادمة:

"ترهات... ترهات"

وهي خاتمة مكثفة تحمل حكمًا قاسيًا على واقع فقد معاييره الجمالية والإنسانية. فبعد أن ضاع الشعر في الظلمات، لم يبقَ سوى الضجيج والفراغ والكلام الذي لا يملك روحًا ولا أثرًا.

إن عبدالرازق بحري في هذا النص لا يكتب قصيدة حزن فحسب، بل يكتب مرثية للشعر الأصيل، وصرخة احتجاج ضد زمنٍ تتراجع فيه القيم الجمالية لصالح الزيف. وقد نجح عبر لغة مكثفة وصور رمزية مؤثرة في أن يمنح القارئ تجربة شعورية تتجاوز حدود النص إلى التأمل في مصير الكلمة والشاعر معًا.

بقلم: هويدا حجاجي أحمد
كاتبة وروائية وناقدة أدبية.





النص

على الأرصفة القديمة
أنام وحيدا...
ذاكرتي... معصوبة بالعتمة
قطرات الندى...
لا تلمع في الظلمات...
والكلمات...
على الأرصفة القديمة
لا حياة...
ولا قبلات... تطل من الشرفات
ولا أحضان ساحرة
على الأرصفة القديمة
شاعر مات... مات
ياالكلمات
باعة الشعر... لم يأنسوك
كم غدروك
على الأرصفة القديمة
ضاع الشعر في الظلمات
لا حياة...
على الأرصفة القديمة
ترهات... ترهات
الشاعر عبدالرزاق بحري

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...