يحيى بركات - من الكاميرا المقاتلة إلى الخوارزمية كيف تغيّرت وظيفة الصورة الفلسطينية

في صيف بعيد، كان فدائي فلسطيني يحمل كاميرا على كتفه.

لم يكن المشهد غريباً آنذاك.
كانت الثورة تحمل البنادق والكاميرات معاً.
لكن أحداً لم يكن يعرف أن بعض تلك الصور سيعيش أطول من كثير من الرصاصات التي أطلقت في السنوات نفسها.

كان المصور يركض خلف المقاتلين في التلال والوديان والمخيمات. يصور جنازة هنا، وتدريباً هناك، وطفلاً يلوح بعلم فلسطين في مكان آخر. كان يعتقد أنه يوثق حدثاً عابراً. لكنه كان، من دون أن يدري، يصور ذاكرة شعب كامل.

بعد أكثر من نصف قرن، وفي غزة، كان طفل آخر يحمل هاتفاً محمولاً تحت القصف.

لم يكن بين الطفل وذلك الفدائي أي معرفة.

لكن كليهما كان يفعل الشيء نفسه.

يحاول أن يمنع العالم من ادعاء أنه لم يرَ.

بين هاتين الصورتين تقع حكاية السينما الفلسطينية.

حكاية بدأت مع شعب وجد نفسه مطروداً من أرضه، ثم اكتشف أنه مطرود أيضاً من الصورة التي تُروى عنه.

فالمشروع الاستيطاني لم يكن مشروعاً للسيطرة على الأرض فقط. كان مشروعاً للسيطرة على الرواية أيضاً. على من يظهر في الكادر ومن يختفي منه. على من يروي الحكاية ومن تُروى عنه الحكاية.

ولهذا لم تولد السينما الفلسطينية في استوديوهات كبيرة، ولم تنشأ داخل صناعة مستقرة كما حدث في دول كثيرة.

ولدت في المنفى.

ولدت في المخيم.

ولدت تحت الحصار.

ولدت وهي تحمل مهمة إضافية لم تُفرض على معظم سينمات العالم:

أن تثبت وجود صاحب الحكاية قبل أن تروي حكايته.

حين نتحدث اليوم عن أفلام مصطفى أبو علي، وهاني جوهرية، وقيس الزبيدي، وسمير نمر، وغالب شعث، وقاسم حول، فإننا لا نتحدث فقط عن أفلام.

نتحدث عن زمن كانت فيه الصورة نفسها جزءاً من معركة التحرر.

كان الوصول إلى كاميرا جيدة معركة.

وكان الحصول على شريط خام معركة.

وكان تهريب الفيلم إلى الخارج معركة.

وكان العثور على شاشة تعرضه معركة أخرى.

لهذا لا تبدو منصفة تلك القراءات التي تنظر إلى سينما الثورة بعين اليوم فقط.

ففي ذلك الزمن لم تكن وظيفة الفيلم أن يفوز بجائزة.

كانت وظيفته الأولى أن يصل.

أن يعبر الحدود.

أن يحمل فلسطين إلى مكان لم تكن تصل إليه نشرات الأخبار.

ولهذا كانت السينما النضالية ابنة زمنها.

وكانت مباشرة أحياناً، وغاضبة أحياناً، ومنحازة دائماً.

لكنها كانت تعرف تماماً لماذا وُجدت.

ولم تكن التجربة الفلسطينية وحدها في ذلك. فقد التقت معها تجارب عربية وإنسانية عديدة، من توفيق صالح إلى محمد ملص ونبيل المالح، ومن جان لوك غودار في "حتى النصر" إلى فانيسا ردغريف في فيلمها عن فلسطين. كانت الكاميرا يومها تبحث عن الحقيقة قبل أن تبحث عن السوق، وعن الإنسان قبل أن تبحث عن المهرجان.

ومن هنا تحديداً توقفت طويلاً عند النقاش الذي أثاره الكاتب والناقد السينمائي سليم البيك في مقاله الأخير عن الناشطية في السينما الفلسطينية، ثم في كتابه الجديد "سيرة لسينما الفلسطينيين".

ما لفتني ليس اعتراضه على الناشطية بحد ذاتها، بل سؤاله العميق عن وظيفة الفيلم الفلسطيني اليوم.

وقد كان لافتاً أيضاً توضيحه في النقاش اللاحق أن ما يقصده بالناشطية ليس السينما النضالية التي يعتبرها هو نفسه زمناً ذهبياً في تاريخ السينما الفلسطينية، بل ذلك النوع من الممارسة الذي يتحول فيه الفيلم إلى هتاف طويل، أو إلى استثمار في اللحظة، أو إلى طريق مختصر نحو مهرجان أو جائزة.

وهنا تبدأ المنطقة الأكثر تعقيداً في الحكاية.

لأن العالم الذي أنتج أفلام مصطفى أبو علي لم يعد موجوداً.

والعالم الذي يشاهد فلسطين اليوم ليس العالم الذي كان يشاهدها قبل خمسين عاماً.

في تلك السنوات كانت المشكلة أن العالم لا يرى.

أما اليوم فالعالم يرى كل شيء تقريباً.

يرى القصف مباشرة.

ويرى الجثث مباشرة.

ويرى الأطفال تحت الأنقاض مباشرة.

ويرى الجريمة لحظة وقوعها.

لم تعد المشكلة في غياب الصورة.

بل في فيضانها.

وهنا تغيرت وظيفة السينما نفسها.

لم تعد مطالبة بإنتاج الصورة فقط.

بل بإنتاج المعنى.

وهنا أيضاً يصبح الحديث عن التمويل والمهرجانات أكثر تعقيداً من الاتهامات السهلة.

فكثيرون يتحدثون اليوم عن أفلام تستثمر فلسطين للوصول إلى الجوائز.

وربما يوجد شيء من الحقيقة في بعض الحالات.

لكن الحقيقة الأكبر أن الفيلم لم يعد يولد من علاقة بين مخرج وكاميرا فقط.

بل من شبكة كاملة من صناديق التطوير، والمنتجين، والأسواق، والمنصات، والمهرجانات.

المخرج الفلسطيني يعرف ذلك.

والمخرج العربي يعرف ذلك.

وحتى المخرج الأوروبي أو الأمريكي يعرفه.

فالفيلم الذي لا يجد منتجاً، أو موزعاً، أو نافذة عرض، يبقى مشروعاً على الورق.

ولهذا فإن المسألة ليست بهذه البساطة.

ليست كل جائزة دليلاً على الانتهازية.

وليست كل نية طيبة دليلاً على فيلم جيد.

السؤال الحقيقي أبعد من ذلك.

ماذا فعل الفيلم بفلسطين؟

هل جعلها مجرد خلفية للنجاح؟

أم جعل النجاح وسيلة للوصول بها إلى العالم؟

ذلك هو الفرق كله.

وهو فرق دقيق، كمن يسير على حافة شفرة.

فقد يخدم الفيلم صاحبه والقضية معاً.

وقد يخدم صاحبه وحده.

وقد يخسر الاثنان معاً.

ولهذا لا أظن أن السؤال الذي سيواجه السينما الفلسطينية في السنوات المقبلة سيكون سؤال الناشطية وحدها.

السؤال الأكبر هو:

كيف نحمي المعنى؟

لقد أصبحت الخوارزميات قادرة على إنتاج الصور.

وأصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على إعادة تركيب الوجوه والأصوات والذاكرة نفسها.

وهذا يخيف كثيرين.

وربما من حقهم أن يخافوا.

لكن التاريخ يعلمنا أن المشكلة لم تكن يوماً في الأداة.

بل في اليد التي تستخدمها.

فالكاميرا نفسها كانت ذات يوم اختراعاً مخيفاً.

ثم أصبحت ذاكرة البشرية.

والإنترنت كان يُنظر إليه باعتباره نهاية الصحافة.

ثم أصبح أحد أدواتها.

والذكاء الاصطناعي لن يكون مختلفاً كثيراً.

فالقضية ليست في الخوارزمية.

بل في الدلالة.

الخوارزمية تستطيع أن تنتج ألف صورة.

لكنها لا تستطيع أن تمنح صورة واحدة معناها.

المعنى يولد في مكان آخر.

في عين من يرى.

وفي ذاكرة من عاش.

وفي شعب ما زال يقاوم منذ أكثر من قرن محاولات محوه من الأرض ومن الصورة معاً.

ربما تغيرت الكاميرا.

وتغيرت الشاشة.

وتغير العالم الذي يشاهد.

لكن المعركة بقيت كما هي.

معركة على المعنى.

فالمستوطن لا يحاول فقط احتلال الأرض.

بل احتلال تفسيرها.

والسينما الفلسطينية، في أفضل لحظاتها، لم تكن مجرد تسجيل لما حدث.

كانت دفاعاً عن حق الفلسطيني في أن يروي حكايته بنفسه.

ولهذا، كما أن الأرض لا تصبح وطناً لمجرد النظر إليها، فإن الصورة لا تصبح حقيقة لمجرد التقاطها.

فقيمة الأرض في أهلها.

وقيمة الصورة في معناها.

والمعنى... هو آخر ما لم تنجح أي قوة في العالم في احتلاله.

ولعل أجمل ما في النقاش الذي أثاره سليم البيك أنه لم يكن نقاشاً حول فيلم بعينه، ولا حول مهرجان أو جائزة، بل حول السينما الفلسطينية نفسها: أين كانت؟ وأين أصبحت؟ وإلى أين يمكن أن تذهب؟

ففي زمن تتكاثر فيه الصور بسرعة غير مسبوقة، وتتناقص فيه المساحات المخصصة للتأمل والقراءة والنقد، تبدو مساهمات سليم البيك، سواء في مقالاته أو في كتابه الأخير "سيرة لسينما الفلسطينيين"، إضافة مهمة إلى المكتبة السينمائية الفلسطينية وإلى النقاش الثقافي الذي تحتاجه السينما الفلسطينية اليوم أكثر من أي وقت مضى.

فالسينما لا تتطور بالأفلام وحدها.

بل بالحوار الذي يدور حولها أيضاً.

وبالأسئلة التي تجرؤ على طرحها.

وربما كانت قيمة هذا النقاش أنه لا يبحث عن إجابات نهائية، بقدر ما يفتح الباب أمام أسئلة جديدة، لأن السينما الفلسطينية، مثل فلسطين نفسها، ما زالت مشروعاً مفتوحاً على المستقبل، وما زالت صورتها تتشكل مع كل جيل جديد يحمل الكاميرا ويحاول أن يروي الحكاية من جديد.

يحيى بركات
مخرج وكاتب سينمائي
13/6/2026








تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...