أهل الكهف

رنّ الأستاذ سامر عبد الرحمن جرس الباب.
فتح ابنه الباب نصف فتحة، وقال: كنت سأتصل بك.
سامر معلم فلسفة، أحيل للتقاعد منذ فترة طويلة.
ابتسم بهدوء، ثم قال: جئت لأرى الأحفاد.

من الداخل جاء صوت ضحكة طفل، ثم انقطع فجأة.

تردد الابن لحظة، قال: اليوم غير مناسب.

الأستاذ سامر لم يجادل، نظر إلى الداخل قليلًا، همس: لا بأس.
ثم أغلق هاتفه دون أن ينظر إليه، ونزل الدرج ببطء.


---

في معمل شبه خالٍ، كان الباحث والعالم الدكتور مروان بدير يجمع أدواته.

قال له الموظف: انتهى المشروع.

سأله دكتور مروان في دهشة: لماذا؟

لم يجب الموظف، أشار فقط إلى الأوراق.


---

في مكتبة المدينة، كان الكاتب الكبير ياسر محفوظ يبحث عن نسخة من كتابه الأخير.

سأل: هل لديكم كتاب “ظل المعنى”؟

بحث أمين المكتبة طويلًا ثم قال: من فضلك أذكر اسم المؤلف؟

تردد ياسر لحظة، ثم همس: أنا.

قلب أمين المكتبة الأوراق، ثم قال بهدوء: لا يوجد في سجلاتنا مؤلف بهذا الاسم.


---

في مساء اليوم نفسه وصلت الرسالة.

إليهم جميعًا في وقت واحد.

لا اسم. لا جهة.

فقط:
"ننتظركم… للأهمية. رجاء تقدير خطورة الموقف."

وتحتها عنوان مبنى قديم في طرف المدينة، وساعة محددة.

وصلوا واحدًا بعد آخر.

وكان معهم آخرون أيضًا… وجوه مختلفة، أعمار متباينة.

كانوا شبه منومين، وكأن ثمة ما يجذبهم إلى المكان.

لم يسأل أحد لماذا هو هنا.

صعدوا الدرج حتى الطابق الأخير.

غرفة واسعة. أسِرّة بسيطة. طاولة خشبية. ومكتبة تمتد حتى السقف.

دخل آخرهم…

فأُغلق الباب خلفهم بلا صوت.

وسقطت الشبكة عن هواتفهم.

في البدء كان النهار يمر ببطء، والليل يُعرف من الضوء فقط.

تزمروا، تململوا، حاول بعضهم فتح الباب، ولكن جميع المحاولات باءت بالفشل.

كانت الكتب في المكتبة تتبدل أحيانًا دون أن ينتبه أحد متى حدث ذلك.

هدؤوا قليلًا.

تحدثوا كثيرًا، لكن بلا محاولة لإثبات شيء.

لم يسألوا عن المناصب أو الرواتب أو الأسماء.

كان السؤال الوحيد يتكرر: هل ما زلت كما أنت؟


ثم ظهرت علامة على الهواتف، لا تشبه الإشعارات ولا الأعطال.

نبض صغير.

ثم رسالة:

"لا تبحثوا عن كيفية فتح الباب… ابحثوا عن أنفسكم."

نظروا إلى بعضهم.

ثم عاد كل واحد إلى مكانه.


---

مرت أسابيع.

ثم شهور.

ثم سنوات لا يمكن تمييز بدايتها.

كان الطعام يظهر كل صباح في مكانه.

والكتب تعود ممتلئة في الرفوف كأنها لم تُفتح.

تعجبوا كثيرًا مما يحدث، سألوا بعضهم: هل تعرفون من صاحب هذا المكان؟

حاولوا الوصول إلى سر هذه الحجرة، صرخوا مخاطبين المجهول: من أنتم؟ لماذا جئتم بنا إلى هذا المكان؟

وصلت رسالة ثانية:

"من استعجل الخروج… لم يدخل بعد."

لم يتكلم أحد.

فقط وضع كل منهم هاتفه جانبًا كما لو أنه أنهى محادثة لم تبدأ.


---

ثم مرت سنوات أخرى.

في الخارج تغيّر كل شيء بسرعة يصعب متابعتها.

لكن الداخل بقي كما هو.

حتى الوقت بدا أقل إلحاحًا.

العجيب أن الزمن كلما مر بهم كانوا يزدادون حيوية وذكاء… اختفت أوجاعهم وأمراضهم، وصاروا أكثر شبابًا.


---

وفي صباح عادي، وصلت الرسالة الثالثة:

"الآن… انزلوا."

وفي اللحظة نفسها انفتح الباب.

نزلوا السلالم ببطء.

الهواء في الخارج مختلف، بدا ثقيلًا عن ذي قبل.

والمدينة… بدت وكأنها مدينة أخرى لا يعرفونها.

المباني أعلى، الشاشات أكثر حضورًا، والإعلانات في كل مكان.

مرّوا بين الناس.

لا أحد ينظر طويلًا.

الأعين تتحرك بسرعة ثم تغادر.

اقترب طفل.

نظر إليهم أكثر مما ينبغي، ثم قال: هل أنتم ممثلون؟

وبعد خطوات، استوقفهم شيخ.

نظر طويلًا، ثم قال: من أي زمن أنتم؟

قال سامر بعد وقت: ربما تأخرنا.

وقال مروان: أو أن الخارج هو الذي تأخر.

مرّت امرأة عجوز.

نظرت إليهم كما لو أنها تحاول تذكر وجوههم.

واصلوا السير.

الناس لا يبتسمون، يمرون بجانب بعضهم دون توقف، يبدون وكأنهم يعرفون ما يفعلونه بالضبط.

امرأة ترى طفلًا يسقط.

تتوقف.

ثم تنظر إلى هاتفها.

والطفل يقف وحده.

في تقاطع آخر، شخص يبدأ جملة ثم يتوقف.

ينظر قليلًا في الفراغ، ثم يكمل المشي دون أن يكمل حديثه.

أشياء صغيرة كانت تلتصق بالناس ، تفتح لكل واحد منهم الطريق قبل أن يختاره، وتغلق عليه مسارات دون أن يلاحظ. تتقدم خطواته إشارات تضيء وتختفي، وتلتفت عيناه حيث يُطلب منه أن يلتفت.
الهواتف في الأيدي لم تكن أدوات صامتة، بل كائنات يقظة تُعيد تشكيل اليوم لحظة بلحظة، تختار له ما يراه وما يتجاوزه، وتعيد ترتيب العالم حوله دون استئذان.
شاشات محمولة، وإشارات ذكية، وأوامر خفية!!
الناس لم يعودوا يقررون بوضوح، بل يستجيبون لما تقترحه عليهم هذه الأجهزة: أين يذهبون، ماذا يرون، ومتى يتوقفون.
حتى نظراتهم لم تعد حرة، تُوجَّه من شاشة إلى أخرى كما لو أن شيئًا غير مرئي يمسك بخيوط انتباههم.
بدا العالم وكأنه سلّم زمام الحركة بالكامل لقوة خفية مجهولة ، تقوده بهدوء، وتُبقيه في حالة استمرار دائم… دون أن يسأل إلى أين.
كان الناس مشغولين، متعجلين، مستنزفين.
ولأول مرة، لم يعرفوا الإجابة:
هل فقد الناس إنسانيتهم… أم القدرة على التوقف؟


---

نظر ياسر حوله طويلًا.

كأنه يبحث عن معنى لم يُكتب بعد.

وحين غربت الشمس، وجدوا أنفسهم يسيرون في الطريق ذاته.

لم يتبادل أحد كلمة.

ولم يسأل أحد الآخر إلى أين يمضي.

وحين رفعوا رؤوسهم…

كان المبنى العتيق أمامهم.

صعدوا الدرج.

ودخلوا الغرفة.

كانت كما تركوها.

الأسِرّة في أماكنها.

الكتب على الرفوف.

والهواتف… ما تزال بلا شبكة.

ساد الصمت.

وفجأة…

رنّت الهواتف جميعًا.

أول رنين منذ سنوات.

نظر كل واحد إلى شاشته.

لم يكن اسمًا ولا رقمًا.

كانت كلمة واحدة:

"الخروج."

وفي اللحظة نفسها…

أُغلق الباب الذي دخلوا منه.

وانفتح في الجدار المقابل بابٌ آخر…

لم يكن موجودًا من قبل.

خرج منه ضوء أبيض لا يُرى آخره.

تبادلوا النظرات.

وتقدّم سامر…

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...