ثمة كتب نقرأها لأننا نحب أصحابها، وثمة كتب نعود إليها لأن الزمن لم يستطع أن يهزمها. ومن بين هذه الكتب يبرز ديوان «دمي على كفّي» لسميح القاسم، الصادر عام 1967، بوصفه أحد النصوص الشعرية النادرة التي لم تكتفِ بمقاومة واقعها التاريخي، بل نجحت في تجاوز ذلك الواقع لتصبح سؤالًا مفتوحًا أمام كل جيل جديد.
كلما عدت إلى هذا الديوان، ازددت اقتناعًا بأن قراءته بوصفه ديوان مقاومة فقط هي قراءة ناقصة، رغم أنها ليست خاطئة. فالمقاومة فيه أعمق من أن تُختزل في مواجهة الاحتلال وحده. إن المعركة الحقيقية التي يخوضها سميح القاسم ليست مع المحتل فقط، بل مع ذلك الشعور الخفي الذي يتسلل إلى الإنسان بعد الهزيمة ويقنعه بأن الخسارة قدر، وأن الانكسار نهاية الحكاية.
هنا تبدأ فرادة هذا الديوان.
فقد صدر «دمي على كفّي» في واحدة من أكثر اللحظات العربية ظلمة واضطرابًا. كانت هزيمة حزيران قد أحدثت شرخًا عميقًا في الوعي العربي، وبدا وكأن اللغة نفسها أصيبت بما أصاب الواقع من ارتباك وانكسار. في تلك اللحظة تحديدًا، اختار سميح القاسم أن يذهب عكس التيار. لم يكتب مرثية للهزيمة، ولم يغرق في خطاب البكاء على ما ضاع، بل راح يبحث عن الإنسان المختبئ تحت الركام.
ولعل هذا ما يجعل الديوان حيًا حتى اليوم.
فالقاسم لا يكتب عن الأرض بوصفها مساحة جغرافية فحسب، بل بوصفها المعنى الذي يمنح الإنسان جذوره. ولا يكتب عن الحرية باعتبارها شعارًا سياسيًا، بل باعتبارها شرطًا من شروط الكرامة الإنسانية. ولذلك فإن فلسطين في هذا الديوان ليست مجرد مكان، بل حالة وجودية كاملة.
حين نتأمل عنوان الديوان، ندرك أننا أمام شاعر يمتلك وعيًا رمزيًا نادرًا. فالدم ليس صورة للموت كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل صورة للحياة حين تبلغ أقصى درجات التمسك بنفسها. والكف ليست عضوًا جسديًا فحسب، بل رمز للفعل والمواجهة والاختيار.
لهذا لا يبدو العنوان إعلانًا عن الاستعداد للموت بقدر ما يبدو إعلانًا عن الإصرار على الحياة.
إنها المفارقة الكبرى في شعر سميح القاسم: كلما اقترب من الموت ازداد احتفاءً بالحياة، وكلما اشتد حضور الفقد ازداد تعلقًا بالأمل.
ومن هنا تنبع الطاقة الداخلية للديوان.
إن القارئ لا يخرج منه مثقلًا بالحزن رغم كل ما فيه من ألم، بل يخرج محمّلًا بإحساس غريب بالقوة. وكأن الشاعر لا يريد منا أن نبكي على الجرح، بل أن نتعلم كيف نحمله دون أن ينكسر فينا شيء.
في هذا السياق، تبدو اللغة الشعرية عند سميح القاسم أبعد من مجرد أداة للتعبير. إنها شكل من أشكال المقاومة نفسها. فالكلمات لا تصف الواقع فقط، بل تعيد تشكيله. والصور الشعرية لا تنقل المعاناة فقط، بل تمنحها معنًى جديدًا.
ولهذا تتكرر في الديوان صور الشمس والريح والحجر والشجر والسنابل. إنها ليست عناصر طبيعية عابرة، بل علامات على فلسفة كاملة في النظر إلى العالم. فالشمس رمز للبعث، والسنابل رمز للاستمرار، والأشجار رمز للتجذر، أما الحجر فيتحول إلى صورة مكثفة للإرادة التي ترفض الانكسار.
غير أن ما يدهشني أكثر من كل ذلك هو قدرة القاسم على حماية قصيدته من التحول إلى شعار.
كان يمكن لشاعر يكتب في تلك الظروف أن يقع بسهولة في المباشرة والخطابة، لكنه يمتلك حسًا شعريًا عاليًا جعله يدرك أن الشعر لا يعيش بالشعارات، بل بالجمال. لذلك بقيت قصائده قادرة على الحياة بعد زوال كثير من النصوص التي كانت أعلى صوتًا وأكثر ضجيجًا.
وهنا أصل إلى ما أراه جوهر هذا الديوان.
إن سميح القاسم لا يخاف الموت بقدر ما يخاف النسيان.
في أعماق النصوص كلها ثمة معركة خفية ضد المحو. محو الذاكرة، ومحو الهوية، ومحو الإنسان من روايته الخاصة. ولهذا تتحول القصيدة إلى بيت أخير للوجود. كأن الشاعر يقول إن ما لا تستطيع القوة حمايته قد تحميه الكلمة، وما قد يسقط من الجغرافيا يمكن أن يبقى حيًا في اللغة.
ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن فهم القيمة الاستثنائية لـ«دمي على كفّي».
فهو ليس سجلًا شعريًا لمرحلة سياسية، ولا وثيقة أدبية عن هزيمة تاريخية، بل محاولة عميقة للدفاع عن الإنسان في مواجهة كل ما يهدد إنسانيته.
بعد ما يقارب ستة عقود على صدور الديوان، تغيرت خرائط كثيرة، وسقطت شعارات كثيرة، وتبدلت وجوه السياسة مرات لا تُحصى، لكن قصائد سميح القاسم ما زالت تحتفظ بحرارتها الأولى. وليس ذلك لأن التاريخ أعاد نفسه فقط، بل لأن الشاعر نجح في الوصول إلى منطقة أعمق من الحدث السياسي نفسه: منطقة المعنى.
وهذا ما يميز الأدب العظيم.
فالأدب العظيم لا يمنحنا أجوبة جاهزة، بل يجعلنا نرى أسئلتنا القديمة بطريقة جديدة.
وحين أغلقت صفحات «دمي على كفّي» للمرة الأخيرة، لم أشعر أنني انتهيت من قراءة ديوان عن فلسطين، بل شعرت أنني انتهيت من قراءة كتاب عن الإنسان حين يواجه خساراته الكبرى ويرفض رغم ذلك أن يتخلى عن حقه في الحلم.
ربما لهذا السبب ما زال سميح القاسم حاضرًا.
ليس لأنه كتب عن وطن جريح فحسب، بل لأنه كتب عن الكرامة الإنسانية في لحظتها الأكثر هشاشة، وعن الأمل في زمن بدا فيه الأمل نفسه فعلًا من أفعال المقاومة.
وهذا، في تقديري، هو السر الحقيقي لخلود «دمي على كفّي»: أنه لم يعلّم قارئه كيف ينتصر، بل كيف يرفض الهزيمة.
صباح الخير اخي
08:44
ما كنا نسأل عن الدين
رانية مرجية
ليست أكثر الجمل تأثيرًا تلك التي تُقال في الخطب والمحاضرات، بل تلك التي تخرج عفوية من ذاكرة إنسان عاش طويلًا بما يكفي ليرى العالم يتغير أمام عينيه.
قالتها امرأة مسنّة من الرملة، ثم مضت كأنها لم تقل شيئًا استثنائيًا:
“ما كنا نسأل عن الدين.”
لكنني منذ سمعتها لم أستطع أن أتجاوزها.
ليس لأنها جملة عن الدين، بل لأنها جملة عن الإنسان.
عن زمن كانت فيه العلاقة بين الناس تسبق الأسئلة التي تفرّق بينهم. عن زمن كان الجار يُعرف باسمه قبل أن يُعرف بانتمائه، وكانت الأبواب تُفتح قبل أن تُفتح ملفات التعريف، وكان الإنسان يُستقبل بوجهه لا بتصنيفه.
حين نستمع إلى كبار السن، نظن أننا نستمع إلى الماضي، بينما نحن في الحقيقة نستمع إلى أنفسنا من مسافة بعيدة. إنهم لا يخبروننا فقط كيف كانت الحياة، بل يكشفون لنا كيف أصبحنا.
تروي السيدة نفسها:
“كنا نحتفل مع بعض بعيد الميلاد وعيد الأضحى. ما كان فرق بيننا.”
لم تكن تتحدث عن الأعياد بوصفها مناسبات دينية، بل بوصفها مناسبات إنسانية. فالفرح لم يكن يُقسَّم وفق الانتماءات، بل كان يتسع للجميع. وكان الجار يشارك جاره أفراحه كما يشاركه أحزانه، دون أن يشعر أحد أنه يعبر حدودًا غير مرئية بينه وبين الآخر.
ولم تكن هذه القيم شعارات تُرفع في المناسبات، بل كانت تُعاش في تفاصيل الحياة اليومية.
وحين سألتها عن شكل الحياة آنذاك، ابتسمت ابتسامة من يستعيد زمنًا ما زال يسكنه رغم مرور السنوات، وقالت:
“كنا نتقاسم كل شيء سوا. ما كنا نسكر الباب أبدًا. نتبادل الطناجر، ونلبس من ملابس بعض. والأولاد كانوا مثل الإخوة وأكثر. الجار كان أحيانًا أخًا وأحيانًا أبًا.”
توقفت طويلًا عند هذه العبارة الأخيرة:
“الجار كان أحيانًا أبًا.”
كم يبدو هذا التعبير بعيدًا عن عالمنا اليوم.
ففي زمن تتكاثر فيه وسائل التواصل، تتراجع أحيانًا قدرتنا على التواصل الحقيقي. نعرف أخبار البعيدين خلال ثوانٍ، لكننا قد لا نعرف من يسكن خلف الجدار. نشارك الصور أكثر مما نشارك الحياة، ونتبادل الرسائل أكثر مما نتبادل الوقت.
أما في تلك الذاكرة القادمة من الرملة، فقد كان للجار معنى آخر.
لم يكن عنوانًا مجاورًا، بل امتدادًا للعائلة.
ولم تكن الطناجر المتبادلة مجرد أوانٍ للطعام، بل كانت لغة اجتماعية كاملة، تعبّر عن المشاركة والتكافل والمحبة.
ولم يكن الباب المفتوح مجرد باب، بل كان إعلانًا يوميًا عن الثقة.
كانت هناك قناعة غير مكتوبة بأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش وحده، وأن الحياة تصبح أخفّ حين يتقاسم الناس أعباءها وأفراحها معًا.
لهذا لم يكن السؤال الأول: من أي طائفة أنت؟
ولا: ما دينك؟
ولا: ما موقفك؟
كان السؤال الأبسط والأجمل:
كيف حالك؟
وهل تحتاج شيئًا؟
لا أكتب هذا الكلام بدافع الحنين الأعمى إلى الماضي، فالماضي لم يكن كاملًا، كما أن الحاضر ليس ناقصًا بالكامل. لكل زمن مزاياه ونقائصه، ولكل جيل تحدياته وأحلامه.
لكن الذاكرة تمنحنا أحيانًا فرصة نادرة لنفهم ما الذي تغيّر فينا.
فالمرأة التي قالت: “ما كنا نسأل عن الدين” لم تكن تقدم خطابًا سياسيًا، ولم تكن ترفع شعارًا أخلاقيًا. كانت فقط تصف الحياة كما عرفتها.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للذاكرة الشفوية.
إنها لا تنظّر للحياة، بل تكشفها.
لا تكتب البيانات، بل تحفظ النبض الإنساني الذي لا يظهر في البيانات.
ولهذا أخشى على حكايات الجدّات أكثر مما أخشى على كثير من الأشياء الأخرى.
لأننا حين نفقد تلك الحكايات، لا نفقد كلمات فقط، بل نفقد طريقة كاملة في فهم العالم.
نفقد صورة الإنسان قبل أن تحاصره التصنيفات.
ونفقد معنى الجيرة قبل أن تتحول إلى مجرد عنوان.
ونفقد ذلك الدفء الإنساني الذي جعل البيوت متجاورة والقلوب متقاربة في آن واحد.
ربما لا نستطيع استعادة ذلك الزمن.
وربما لا ينبغي لنا أن نحاول.
لكننا نستطيع أن نحفظ شيئًا واحدًا منه:
أن نتذكر أن الإنسان كان يومًا أقرب إلى الإنسان.
وأن الجار كان بابًا للأمان لا مجرد عنوان.
وأن الأعياد كانت مناسبة للفرح لا مناسبة للتعريف بالنفس.
وأن المحبة كانت تُمارَس أكثر مما كانت تُقال.
لهذا بقيت تلك الجملة عالقة في ذهني طويلًا:
“ما كنا نسأل عن الدين.”
ليس لأنها تحكي عن الماضي.
بل لأنها تسألنا، بهدوء موجع:
متى بدأنا نفعل ذلك؟
وربما لم يكن الماضي أجمل مما نعيش، لكنه كان أكثر دفئًا.
والإنسان لا ينسى الدفء أبدًا.
كلما عدت إلى هذا الديوان، ازددت اقتناعًا بأن قراءته بوصفه ديوان مقاومة فقط هي قراءة ناقصة، رغم أنها ليست خاطئة. فالمقاومة فيه أعمق من أن تُختزل في مواجهة الاحتلال وحده. إن المعركة الحقيقية التي يخوضها سميح القاسم ليست مع المحتل فقط، بل مع ذلك الشعور الخفي الذي يتسلل إلى الإنسان بعد الهزيمة ويقنعه بأن الخسارة قدر، وأن الانكسار نهاية الحكاية.
هنا تبدأ فرادة هذا الديوان.
فقد صدر «دمي على كفّي» في واحدة من أكثر اللحظات العربية ظلمة واضطرابًا. كانت هزيمة حزيران قد أحدثت شرخًا عميقًا في الوعي العربي، وبدا وكأن اللغة نفسها أصيبت بما أصاب الواقع من ارتباك وانكسار. في تلك اللحظة تحديدًا، اختار سميح القاسم أن يذهب عكس التيار. لم يكتب مرثية للهزيمة، ولم يغرق في خطاب البكاء على ما ضاع، بل راح يبحث عن الإنسان المختبئ تحت الركام.
ولعل هذا ما يجعل الديوان حيًا حتى اليوم.
فالقاسم لا يكتب عن الأرض بوصفها مساحة جغرافية فحسب، بل بوصفها المعنى الذي يمنح الإنسان جذوره. ولا يكتب عن الحرية باعتبارها شعارًا سياسيًا، بل باعتبارها شرطًا من شروط الكرامة الإنسانية. ولذلك فإن فلسطين في هذا الديوان ليست مجرد مكان، بل حالة وجودية كاملة.
حين نتأمل عنوان الديوان، ندرك أننا أمام شاعر يمتلك وعيًا رمزيًا نادرًا. فالدم ليس صورة للموت كما قد يبدو للوهلة الأولى، بل صورة للحياة حين تبلغ أقصى درجات التمسك بنفسها. والكف ليست عضوًا جسديًا فحسب، بل رمز للفعل والمواجهة والاختيار.
لهذا لا يبدو العنوان إعلانًا عن الاستعداد للموت بقدر ما يبدو إعلانًا عن الإصرار على الحياة.
إنها المفارقة الكبرى في شعر سميح القاسم: كلما اقترب من الموت ازداد احتفاءً بالحياة، وكلما اشتد حضور الفقد ازداد تعلقًا بالأمل.
ومن هنا تنبع الطاقة الداخلية للديوان.
إن القارئ لا يخرج منه مثقلًا بالحزن رغم كل ما فيه من ألم، بل يخرج محمّلًا بإحساس غريب بالقوة. وكأن الشاعر لا يريد منا أن نبكي على الجرح، بل أن نتعلم كيف نحمله دون أن ينكسر فينا شيء.
في هذا السياق، تبدو اللغة الشعرية عند سميح القاسم أبعد من مجرد أداة للتعبير. إنها شكل من أشكال المقاومة نفسها. فالكلمات لا تصف الواقع فقط، بل تعيد تشكيله. والصور الشعرية لا تنقل المعاناة فقط، بل تمنحها معنًى جديدًا.
ولهذا تتكرر في الديوان صور الشمس والريح والحجر والشجر والسنابل. إنها ليست عناصر طبيعية عابرة، بل علامات على فلسفة كاملة في النظر إلى العالم. فالشمس رمز للبعث، والسنابل رمز للاستمرار، والأشجار رمز للتجذر، أما الحجر فيتحول إلى صورة مكثفة للإرادة التي ترفض الانكسار.
غير أن ما يدهشني أكثر من كل ذلك هو قدرة القاسم على حماية قصيدته من التحول إلى شعار.
كان يمكن لشاعر يكتب في تلك الظروف أن يقع بسهولة في المباشرة والخطابة، لكنه يمتلك حسًا شعريًا عاليًا جعله يدرك أن الشعر لا يعيش بالشعارات، بل بالجمال. لذلك بقيت قصائده قادرة على الحياة بعد زوال كثير من النصوص التي كانت أعلى صوتًا وأكثر ضجيجًا.
وهنا أصل إلى ما أراه جوهر هذا الديوان.
إن سميح القاسم لا يخاف الموت بقدر ما يخاف النسيان.
في أعماق النصوص كلها ثمة معركة خفية ضد المحو. محو الذاكرة، ومحو الهوية، ومحو الإنسان من روايته الخاصة. ولهذا تتحول القصيدة إلى بيت أخير للوجود. كأن الشاعر يقول إن ما لا تستطيع القوة حمايته قد تحميه الكلمة، وما قد يسقط من الجغرافيا يمكن أن يبقى حيًا في اللغة.
ومن هذه الزاوية تحديدًا يمكن فهم القيمة الاستثنائية لـ«دمي على كفّي».
فهو ليس سجلًا شعريًا لمرحلة سياسية، ولا وثيقة أدبية عن هزيمة تاريخية، بل محاولة عميقة للدفاع عن الإنسان في مواجهة كل ما يهدد إنسانيته.
بعد ما يقارب ستة عقود على صدور الديوان، تغيرت خرائط كثيرة، وسقطت شعارات كثيرة، وتبدلت وجوه السياسة مرات لا تُحصى، لكن قصائد سميح القاسم ما زالت تحتفظ بحرارتها الأولى. وليس ذلك لأن التاريخ أعاد نفسه فقط، بل لأن الشاعر نجح في الوصول إلى منطقة أعمق من الحدث السياسي نفسه: منطقة المعنى.
وهذا ما يميز الأدب العظيم.
فالأدب العظيم لا يمنحنا أجوبة جاهزة، بل يجعلنا نرى أسئلتنا القديمة بطريقة جديدة.
وحين أغلقت صفحات «دمي على كفّي» للمرة الأخيرة، لم أشعر أنني انتهيت من قراءة ديوان عن فلسطين، بل شعرت أنني انتهيت من قراءة كتاب عن الإنسان حين يواجه خساراته الكبرى ويرفض رغم ذلك أن يتخلى عن حقه في الحلم.
ربما لهذا السبب ما زال سميح القاسم حاضرًا.
ليس لأنه كتب عن وطن جريح فحسب، بل لأنه كتب عن الكرامة الإنسانية في لحظتها الأكثر هشاشة، وعن الأمل في زمن بدا فيه الأمل نفسه فعلًا من أفعال المقاومة.
وهذا، في تقديري، هو السر الحقيقي لخلود «دمي على كفّي»: أنه لم يعلّم قارئه كيف ينتصر، بل كيف يرفض الهزيمة.
صباح الخير اخي
08:44
ما كنا نسأل عن الدين
رانية مرجية
ليست أكثر الجمل تأثيرًا تلك التي تُقال في الخطب والمحاضرات، بل تلك التي تخرج عفوية من ذاكرة إنسان عاش طويلًا بما يكفي ليرى العالم يتغير أمام عينيه.
قالتها امرأة مسنّة من الرملة، ثم مضت كأنها لم تقل شيئًا استثنائيًا:
“ما كنا نسأل عن الدين.”
لكنني منذ سمعتها لم أستطع أن أتجاوزها.
ليس لأنها جملة عن الدين، بل لأنها جملة عن الإنسان.
عن زمن كانت فيه العلاقة بين الناس تسبق الأسئلة التي تفرّق بينهم. عن زمن كان الجار يُعرف باسمه قبل أن يُعرف بانتمائه، وكانت الأبواب تُفتح قبل أن تُفتح ملفات التعريف، وكان الإنسان يُستقبل بوجهه لا بتصنيفه.
حين نستمع إلى كبار السن، نظن أننا نستمع إلى الماضي، بينما نحن في الحقيقة نستمع إلى أنفسنا من مسافة بعيدة. إنهم لا يخبروننا فقط كيف كانت الحياة، بل يكشفون لنا كيف أصبحنا.
تروي السيدة نفسها:
“كنا نحتفل مع بعض بعيد الميلاد وعيد الأضحى. ما كان فرق بيننا.”
لم تكن تتحدث عن الأعياد بوصفها مناسبات دينية، بل بوصفها مناسبات إنسانية. فالفرح لم يكن يُقسَّم وفق الانتماءات، بل كان يتسع للجميع. وكان الجار يشارك جاره أفراحه كما يشاركه أحزانه، دون أن يشعر أحد أنه يعبر حدودًا غير مرئية بينه وبين الآخر.
ولم تكن هذه القيم شعارات تُرفع في المناسبات، بل كانت تُعاش في تفاصيل الحياة اليومية.
وحين سألتها عن شكل الحياة آنذاك، ابتسمت ابتسامة من يستعيد زمنًا ما زال يسكنه رغم مرور السنوات، وقالت:
“كنا نتقاسم كل شيء سوا. ما كنا نسكر الباب أبدًا. نتبادل الطناجر، ونلبس من ملابس بعض. والأولاد كانوا مثل الإخوة وأكثر. الجار كان أحيانًا أخًا وأحيانًا أبًا.”
توقفت طويلًا عند هذه العبارة الأخيرة:
“الجار كان أحيانًا أبًا.”
كم يبدو هذا التعبير بعيدًا عن عالمنا اليوم.
ففي زمن تتكاثر فيه وسائل التواصل، تتراجع أحيانًا قدرتنا على التواصل الحقيقي. نعرف أخبار البعيدين خلال ثوانٍ، لكننا قد لا نعرف من يسكن خلف الجدار. نشارك الصور أكثر مما نشارك الحياة، ونتبادل الرسائل أكثر مما نتبادل الوقت.
أما في تلك الذاكرة القادمة من الرملة، فقد كان للجار معنى آخر.
لم يكن عنوانًا مجاورًا، بل امتدادًا للعائلة.
ولم تكن الطناجر المتبادلة مجرد أوانٍ للطعام، بل كانت لغة اجتماعية كاملة، تعبّر عن المشاركة والتكافل والمحبة.
ولم يكن الباب المفتوح مجرد باب، بل كان إعلانًا يوميًا عن الثقة.
كانت هناك قناعة غير مكتوبة بأن الإنسان لا يستطيع أن يعيش وحده، وأن الحياة تصبح أخفّ حين يتقاسم الناس أعباءها وأفراحها معًا.
لهذا لم يكن السؤال الأول: من أي طائفة أنت؟
ولا: ما دينك؟
ولا: ما موقفك؟
كان السؤال الأبسط والأجمل:
كيف حالك؟
وهل تحتاج شيئًا؟
لا أكتب هذا الكلام بدافع الحنين الأعمى إلى الماضي، فالماضي لم يكن كاملًا، كما أن الحاضر ليس ناقصًا بالكامل. لكل زمن مزاياه ونقائصه، ولكل جيل تحدياته وأحلامه.
لكن الذاكرة تمنحنا أحيانًا فرصة نادرة لنفهم ما الذي تغيّر فينا.
فالمرأة التي قالت: “ما كنا نسأل عن الدين” لم تكن تقدم خطابًا سياسيًا، ولم تكن ترفع شعارًا أخلاقيًا. كانت فقط تصف الحياة كما عرفتها.
وهنا تكمن القيمة الحقيقية للذاكرة الشفوية.
إنها لا تنظّر للحياة، بل تكشفها.
لا تكتب البيانات، بل تحفظ النبض الإنساني الذي لا يظهر في البيانات.
ولهذا أخشى على حكايات الجدّات أكثر مما أخشى على كثير من الأشياء الأخرى.
لأننا حين نفقد تلك الحكايات، لا نفقد كلمات فقط، بل نفقد طريقة كاملة في فهم العالم.
نفقد صورة الإنسان قبل أن تحاصره التصنيفات.
ونفقد معنى الجيرة قبل أن تتحول إلى مجرد عنوان.
ونفقد ذلك الدفء الإنساني الذي جعل البيوت متجاورة والقلوب متقاربة في آن واحد.
ربما لا نستطيع استعادة ذلك الزمن.
وربما لا ينبغي لنا أن نحاول.
لكننا نستطيع أن نحفظ شيئًا واحدًا منه:
أن نتذكر أن الإنسان كان يومًا أقرب إلى الإنسان.
وأن الجار كان بابًا للأمان لا مجرد عنوان.
وأن الأعياد كانت مناسبة للفرح لا مناسبة للتعريف بالنفس.
وأن المحبة كانت تُمارَس أكثر مما كانت تُقال.
لهذا بقيت تلك الجملة عالقة في ذهني طويلًا:
“ما كنا نسأل عن الدين.”
ليس لأنها تحكي عن الماضي.
بل لأنها تسألنا، بهدوء موجع:
متى بدأنا نفعل ذلك؟
وربما لم يكن الماضي أجمل مما نعيش، لكنه كان أكثر دفئًا.
والإنسان لا ينسى الدفء أبدًا.