ورقتان نقديتان في ديوان ( الصوت والرماد ) للشاعر والمترجم الكبير السيد النماس الجزء الرابع متابعة / مجدي جعفر

ورقتان نقديتان في ديوان ( الصوت والرماد ) للشاعر والمترجم الكبير السيد النماس
الجزء الرابع
متابعة / مجدي جعفر
....................................................
الورقة النقدية الخامسة :
وقدم الكاتب والمفكر محمود جابر دراسته النقدية تحت عنوان ( الصوت والرماد: جدلية الشهادة والاحتراق في شعر السيد النماس
**قراءة نقدية في ديوان "الصوت والرماد" ) جاء فيها :
مقدمة :
في زمن تتكاثر فيه الأصوات وتتراجع فيه القدرة على الإصغاء، يصبح الشعر محاولة لإنقاذ المعنى من الضجيج، وحفظ الذاكرة من التبدد. ومن هنا تأتي أهمية ديوان "الصوت والرماد" للشاعر السيد النماس، فهو لا يقدم قصائد متفرقة بقدر ما يقدم تجربة شعرية متماسكة، تنطلق من سؤال الإنسان العربي المعاصر وهو يواجه الهزيمة والاغتراب والبحث الدائم عن معنى الوجود.
ومنذ العنوان يضعنا الشاعر أمام ثنائية مركزية تحكم عالم الديوان كله؛ الصوت بوصفه رمزا للحضور والشهادة والمقاومة، والرماد بوصفه ما تتركه الحرائق الفردية والجماعية بعد انطفائها. وبين هذين القطبين تتحرك القصائد لتبني رؤية شعرية خاصة، يتداخل فيها الشخصي بالجمعي، والتاريخي بالوجودي، والسياسي بالإنساني.
أولا: العنوان بوصفه مفتاحا تأويليًا للديوان
ليس عنوان الديوان مجرد تسمية خارجية، بل يمثل مفتاحًا حقيقيا لفهم التجربة الشعرية. فالصوت في التجربة الإنسانية هو إعلان الوجود، وهو رفض الصمت، وهو محاولة دائمة لإثبات الذات في مواجهة الفناء. أما الرماد فهو النتيجة النهائية للاحتراق؛ بقايا الحلم بعد الهزيمة، وبقايا الإنسان بعد انكسار يقينه.
ومن هنا يبدو الديوان كله وكأنه محاولة للإجابة عن سؤال جوهري: هل يستطيع الصوت أن يبقى بعد أن يتحول كل شيء إلى رماد؟ إن الشاعر لا يطرح السؤال نظريًا، بل يجعله يتجسد في صور وقصائد وشخصيات ورموز تتكرر عبر صفحات الديوان.
ثانيًا: الرؤية الشعرية بين الهم الفردي والهم الجمعي
من أبرز ملامح الديوان أن الذات الشاعرة لا تنغلق على همومها الخاصة، بل تتحول إلى مرآة لهم جماعي أوسع. فالألم في قصائد النماس ليس ألمًا شخصيًا خالصًا، بل هو ألم إنسان يرى وطنه يتراجع، وقيمه تتآكل، وأحلامه تتحول إلى شظايا متناثرة. ولهذا تتداخل في النصوص إشارات الوطن والمنفى والمدينة واللاجئ والمقاتل والشهيد، بحيث يصبح الإنسان الفرد جزءًا من مصير جماعي أكبر.
وهنا ينجح الشاعر في تجاوز النزعة الاعترافية الضيقة إلى أفق إنساني أرحب، يجعل القارئ يشعر أن ما يقرأه ليس سيرة ذاتية بقدر ما هو سيرة جيل كامل عاش تحولات قاسية وأحلاما مؤجلة.
ثالثا: التاريخ بوصفه مادة شعرية
يتميز الديوان بحضور واضح للرموز التاريخية والتراثية. فالشاعر يستدعي شخصيات وأسماء ليست بهدف الزينة الثقافية، وإنما لتأدية وظيفة فنية وفكرية داخل النص. فعندما يظهر الحلاج أو ابن رشد أو غيرهما من رموز الثقافة العربية والإسلامية، فإن حضورهم يأتي بوصفهم رموزًا للصراع بين الحرية والقمع، وبين العقل والاستبداد، وبين الحلم والانكسار.
وبذلك يتحول التاريخ من مجرد ماضٍ منتهي إلى عنصر حي داخل التجربة الشعرية المعاصرة. وهذه إحدى أهم نقاط قوة الديوان، لأن الشاعر لا يستعير التراث، بل يعيد توظيفه داخل أسئلة الحاضر.
رابعا: البعد الوجودي في الديوان
ورغم الحضور السياسي الواضح، فإن الديوان في جوهره ليس ديوانا سياسيًا بالمعنى المباشر. إنه ديوان وجودي بالدرجة الأولى. فالأسئلة التي تتكرر بين السطور هي:
* ما معنى أن نحيا؟
* كيف نحافظ على إنسانيتنا وسط الخراب؟
* هل يمكن للذاكرة أن تنتصر على النسيان؟
* وهل يستطيع الإنسان أن يعيد بناء نفسه بعد الهزيمة؟
هذه الأسئلة تمنح النصوص عمقًا يتجاوز حدود اللحظة السياسية، وتجعلها أكثر قدرة على الاستمرار. فالشعر الحقيقي لا يعيش لأنه تحدث عن حدث معين، بل لأنه استطاع أن يحول ذلك الحدث إلى سؤال إنساني دائم.
خامسًا: اللغة الشعرية وجماليات الصورة
يمتلك السيد النماس لغة شعرية ذات خصوصية واضحة. فهو لا يعتمد على الزخرفة اللفظية أو الإيقاع الخارجي وحده، بل يبني شعره من خلال شبكة واسعة من الصور والرموز. وتتكرر في الديوان مفردات مثل:
النار / الرماد / البحر / الريح / الطين / العصافير / الطرق / الليل.
وهي ليست مجرد مفردات متكررة، بل عناصر بنائية تؤسس لعالم شعري متكامل. كما أن الشاعر يمتلك قدرة واضحة على تحويل الأشياء اليومية إلى رموز دلالية واسعة، بحيث تصبح المدينة كائنا حيًا، والطريق قدرًا، والريح ذاكرة، والرماد شهادة على ما حدث.
سادسا: الانتماء الجمالي للديوان
يمكن وضع الديوان ضمن تيار الشعر العربي الحديث الذي تأثر بتجارب الحداثة العربية الكبرى. وتظهر في النصوص ملامح قريبة من تجارب:
* أمل دنقل في موقفه الاحتجاجي.
* محمد عفيفي مطر في كثافة الصورة والرمز.
* معين بسيسو في انشغاله بالقضايا الوطنية.
* محمود درويش في توظيف الذاكرة والهوية.
ومع ذلك يحتفظ السيد النماس بصوته الخاص، فلا يبدو تابعًا لأي تجربة سابقة، بل شاعرًا يعمل على بناء عالمه الشخصي من خلال هذه المؤثرات المتعددة.
سابعًا: ملاحظات نقدية
أي قراءة جادة لا تكتفي بالإشادة، بل تحاول أيضًا رصد مناطق القوة ومناطق القابلية للتطوير. ومن أبرز الملاحظات التي يمكن تسجيلها:
* **ارتفاع الكثافة الرمزية.**
* **هيمنة المناخ التراجيدي:** يغلب على الديوان طابع الحزن والانكسار والتأمل في الخراب، وهو ما يمنحه وحدة عضوية قوية.
* **اقتراب بعض المقاطع من الخطاب الفكري:** في بعض المواضع يتقدم البعد الفكري على الانفعال الشعري فيشعر القارئ أنه أمام فكرة جميلة أكثر منه أمام لحظة شعرية مكتملة.
غير أن هذه الملاحظات لا تنتقص من القيمة الفنية للديوان، بل تؤكد انتماءه إلى الشعر الذي يراهن على الفكر والرؤية بقدر ما يراهن على الموسيقى والعاطفة.
خاتمة
يقدم ديوان "الصوت والرماد" تجربة شعرية جادة تنتمي إلى ذلك النوع من الشعر الذي لا يكتفي بوصف العالم، بل يحاول مساءلته. إنه ديوان يكتب من منطقة التوتر بين الأمل واليأس، وبين الحضور والغياب، وبين الصوت والرماد.
وقد نجح الشاعر السيد النماس في بناء عالم شعري يمتلك وحدته الخاصة ورؤيته المتميزة، عالم يجعل من القصيدة شهادةً على زمن مضطرب، ومحاولةً دائمة لإنقاذ المعنى من الاحتراق. وإذا كان الرماد هو ما يبقى بعد النار، فإن هذا الديوان يؤكد أن الصوت الحقيقي للشعر قادر دائمًا على أن ينهض من الرماد، وأن يواصل شهادته ضد النسيان.
شكرًا للشاعر السيد النماس على هذه التجربة الشعرية الثرية، وشكرا لكم على حسن الاستماع.
...............................................................
الورقة النقدية السادسة :
ومن أجواء دراسة الأديب والناقد ياسر عبدالعليم :
( يقول جميل صدقي الزهاوي
اسائلكم ماذا علي الشاعر الحر اذا رام تصوير الحقيقة في الشعر
يريدون منه أن يظل محافظا علي صمته حتي يغيب في القبر
فالشاعر عند جميل صدقي الزهاوي هو الشاعر الحر الخارج عن المألوف العازف خارج الجوقة المتمرد حتي النخاع الحر المجدد ،المجدد الذي يواجه طوفانا يريده ان يظل محافظا أسير القدماء في الصورة واللفظ والموسيقى لكنه يخرج الي الآفاق يريد أن يخرج ليترك بصمة لا تضاهي في الحياة بعد موته وهذا علي ما اعتقد ما ارتضاه الشاعر الكبير العم سيد النماس لنفسه في مشواره الطويل.
يقول نزار قباني في احدي قصايده
أبا تمام ان الشعر في اعماقه سفر وابحار الي الآتي وكشف ليس ينتظر
ولكنا ....جعلنا منه شيئا يشبه الزفة وايقاها نحاسيا
يدق كأنه القدر
ويقول شاعرنا سيد النماس في قصيدة الصوت والرماد والتي تحمل عنوان الديوان.
مات الذي لابد أن يموت من اغنيتي
لكن حنجرتي استماتت في الغناء.
وهنا يتلاقى الشاعران الشعر في اعماقه سفر يا نزار وكشف ليس ينتظر
وانه يحمل الدهشة والجديد فلماذا يريدون منه أن يكون ايقاعا نحاسيا يدق كأنه القدر المحتوم لماذا يريدون منه أن يشبه الزفة يعزف فيها كل هاوٍ لا يدرك سر العزف .
لذلك استماتت حنجرة سيد النماس في الغناء حتي لو ماتت علي الطريق بعض اغنياته وتورات بعض احلامه الا أن حنجرته ستظل تصدح بالغناء الغناء الجديد.
الغناء الجديد الذي برز في قصائد الديوان في ثورة وتمرد حول ذكريات العمر الطويل ووجوه لا تنسي
بين مواقف وشخصيات تركت بصمات في مشوار حياة ملئ بالمفاجآت من يوسف القط وهو قاص مات شهيدا في حديقة عامة وذكي عمر الشاعر صريع الشهامة في خليج عدن
إلي أبو جهاد ... إلي الرفيق الشاعر أحمد زغلول الشطي... إلي.. فاطمة
وغيرهم من الوجوه التي تطل علينا من صفحات الديوان ومن نوافذ قطار الرحلة الطويلة إلي العراق والكوفة و الجزائر.. إلي الآفاق والحياة من ضفاف الفرات إلي صحراء الجزائر يحاول النماس ويصرخ.. يغني ويهمس حول أوتار الكلمات عله يجد أذنا تسمع أو قلبا يصغي .. والحق أقول إن كل قصيدة من الديوان تحتاج إلى دراسة نقدية منفصلة مطولة أو جلسة نقدية مفردة .. وأغلب الظن أنها كتبت علي مواقف شعورية متجزرة تعكس شهادة عن الناس و الحياة والوطن..بل ليس غريبا أن نري بعض القصائد الأخيرة مؤرخة بالعام ١٩٩٢ العام الذي ضرب فيه الزلازل الأرض المصرية وهز الثوابت في العقيدة الوطنية وغير ملامح كثيرة في الوجوه المصرية في نهاية الألفية الثانية بعد ميلاد المسيح.
لذلك كان من الصعوبة أن يتناول الناقد الحصيف أن يتناول الديوان كله جرعة واحدة وإلا غص بل عليه مرغما أن يتناوله على رشفات عذبة متباعدة.
وتبرز من قصائد الديوان على حد زعمي أنا قصيدة من انفعالي معها قرأتها مراراً هي.. ( شظايا قصيدة قديمة)
ليست لأنها مختلفة عن النسق الموسيقى أو المعجم اللفظي أو دهشة التشكيل التصويري عن المشروع الذي اختاره الشاعر الكبير السيد النماس لنفسه ولكنها دون أخواتها مفعمة بالمرارة.. فرات العراق..الكوفة.. بغداد.. درة الخلافة وأرض الصراعات والخيانة والدماء والفتن..والغريب أن القصيدة كتبت في العام ١٩٦٩.. والرجل بعد شابا يتلمس الطريق يدب عليه دبيبا بروح الثورة و التمرد الفرات يبكي في قصيدة النماس ولكن النيل هو الذي يبكي بعد ضياع سيناء التي شربت دماء الجنود وهم يتراجعون من الخطوط الأمامية.. بمعني أن قصيدة النماس الأولى في الديوان كانت قناعا أسقطه الشاعر لما جري في مصر جري في مصر من انكسارات ..
ولاقرأ ولتقرأوا معي مرة أخرى هذه الكلمات التي تلخص قرونا طويلة من الفتنة والتغييب وبداية الانزلاق الفكري و الانشقاقي في الأمة العربية والإسلامية...
علي يصلي صلاة السلام الأخيرة ويلقي إلي النار صوت الزلازل
فيا أيها العندليب المسافر لماذا توقفت عند المخافر
لماذا رفعت الكتاب احتكمت .. لماذا انتحرت...
من الذي رفع الكتاب أيها الشاعر علي أسنة الرماح ومن اختكم يا نماس و من انتحر..
وهل بعد انتحارا.. تساؤلات تنكش التاريخ من جذوره ولا تضيع في أفق المسافات الطويلة وليست قصيدة ( شظايا قصيدة قديمة) هي فقط المثيرة للدهشة و التساؤلات ولكن ربما في رأي ناقد آخر ما يفوقها روعة في الديوان مثل ( الصوت و الرماد) أو ( الكلام من فوهة بركان) أو ( الموت و الأسئلة)
وجميعها تحتاج إلي وقفات مفردة ولأنني فقط ألقي الضوء الشاحب ولا أنير الطريق
ممثل قمر يدور لكن حول مجرة
لكن الشاعر الكبير سيد النماس لا تشهد عليه هذه الكلمات القصار العقار بل من الأحري أن ينظر إليه من كل جانب و لعل الجانب الإنساني هو الأبقي منه..
الحق أقول أن سيد النماس مثل ماسة أسطورية يشع منها النور من كل جانب فأني نظرت إليها وجدتها ن
ورا يسد عليك مد البصر.
............................................
يتبع

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...