د. حسام الدين فياض - ليس كل من اقترب منك صديقاً (فبعض الأصدقاء قد تصنعهم الظروف)

تبنى الصداقة في الوعي الاجتماعي على الثقة والتقارب والتبادل الإنساني، لكنها في واقعنا المعاصر ليست دائماً بالعمق والصدق اللذين تبدو عليهما. فكثير من علاقاتنا تبدأ قوية ومتماسكة لأنها ولدت في إطار مكان مشترك أو مرحلة زمنية معينة أو مصلحة متبادلة، فيظن الأفراد أن ما يجمعهم هو الولاء الشخصي، بينما يكون الرابط الحقيقي مرتبطاً بالظروف أكثر من ارتباطه بالأشخاص أنفسهم. وفي سياق علم النفس الاجتماعي، يميل الإنسان بطبيعته إلى منح ثقته لمن يشاركه تفاصيل الحياة اليومية، فيكشف أسراره وأفكاره ومواطن ضعفه دون أن يدرك أن العلاقة قد تكون نتاج ظرف مؤقت لا أكثر. وعندما تتغير الظروف أو المصالح أو المواقع الاجتماعية، يكتشف أن بعض ما اعتبره صداقة راسخة لم يكن سوى توافق عابر فرضته المرحلة أكثر مما فرضته القيم الإنسانية المشتركة.

وتكشف لنا الدراسات السوسيولوجية أن العلاقات الإنسانية لا تنفصل عن المصالح والأدوار الاجتماعية التي تحكمها. فهناك صداقات تنشأ داخل بيئة العمل، وأخرى داخل المؤسسة التعليمية، وثالثة داخل دوائر النفوذ والمصلحة، وغالباً ما تتراجع قوتها أو تنتهي بانتهاء السياق الذي أنتجها. ولا يعني ذلك أن جميع الصداقات زائفة، بل إن المشكلة تكمن في الخلط بين الصداقة القائمة على التقدير الإنساني والصداقة القائمة على المنفعة أو الحاجة المؤقتة. ولهذا فإن بعض الأشخاص يبدون قريبين جداً ما دامت المصالح متوافقة، لكنهم يتحولون إلى خصوم أو غرباء عندما تتعارض المصالح أو تتغير الموازين. وفي هذه اللحظة تظهر حقيقة العلاقة، لأن الاختبار الحقيقي للصداقات لا يكون في أوقات الانسجام، بل في لحظات الاختلاف والتنافس وتبدل المواقع الاجتماعية.

ومن هنا تبرز أهمية الحكمة الاجتماعية في إدارة علاقاتنا الإنسانية. فالنضج لا يعني الشك في الجميع أو الانغلاق على الذات، بل يعني إدراك أن الثقة تبنى بالتدرج وأن الإفصاح عن تفاصيل الحياة ينبغي أن يكون بقدر ما تثبته التجارب لا بقدر ما تفرضه المشاعر العابرة. فالإنسان لا يحتاج إلى تحويل كل معارفه إلى أصدقاء مقربين، ولا إلى منح كل من يقترب منه حق الاطلاع على أسراره وهشاشته النفسية. وفي عالم تتغير فيه المصالح والظروف والأدوار بسرعة، يصبح الوعي بحدود العلاقات شكلاً من أشكال الحماية النفسية والاجتماعية. لذلك فإن أكثر الناس اتزاناً ليسوا أولئك الذين يسيئون الظن بالجميع، بل الذين يميزون بين صداقة الموقف وصداقة المصلحة وصداقة الإنسان الذي يبقى وفياً للشخص ذاته حتى عندما تتغير كل الظروف من حوله.

نصيحتي لك، تعامل مع الناس بمحبة، لكن لا ترفع سقف توقعاتك قبل أن تختبرهم الأيام. فالعلاقات الحقيقية لا تثبتها الكلمات ولا لحظات التقارب العابرة، بل تثبتها المواقف وتغير الظروف. وكلما منحت الثقة بوعي، وراهنت على الأفعال أكثر من الوعود، قلت خيباتك وازدادت قدرتك على بناء صداقات صادقة تدوم مع الزمن. والأهم من ذلك أسعى إلى عدم قياس قيمة العلاقات ببداياتها الجميلة، بل بقدرتها على الصمود أمام تغير الظروف والمصالح. فالناضجون لا يطالبون كل عابر بدور الصديق المقرب، ولا يحملون العلاقات المؤقتة أكثر مما تحتمل. اترك للوقت مهمة الكشف، وللتجربة مهمة الاختبار، وستجد أن الصداقات الحقيقية نادرة، لكنها تستحق الانتظار. دمتم ودامت الصداقات الحقيقية بينكم أحبائي المخلصين.

----------------------------------
د. حسام الدين فياض/ باحث وأكاديمي سوري
الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...