د. إبراهيم عروش الادريسي - سيرة… علاقتي بلغة الضاد

ولدت في قرية المزيندة العمالية الصغيرة، الواقعة على بعد اثني عشر كيلومتراً جنوب مدينة اليوسفية. كانت قرية تجمع بين البساطة وقسوة الحياة، حيث يختلط غبار الفوسفاط بأحلام الأطفال، ويصبح الطريق إلى الكُتّاب أول رحلة في طلب العلم.

قبل أن ألج المدرسة، كان الكُتّاب عالمي الأول. وحين التحقت بالتعليم الابتدائي لم تنقطع صلتي به؛ فكل عطلة رسمية، وكل يوم سبت أو أحد، بل وكلما انتهى دوامي المدرسي وبقي من النهار متسع، كانت قدماي تقودانني من جديد إلى اللوح الخشبي، والمداد أو الصمغ أو الصمق والقْلَمْ، وأصوات التلاميذ وهم يتلون القرآن الكريم.

كانت قريتنا تضم ستة كتاتيب: كتاب الفقيه المرحوم سي عمر أبو حفص، التابع للمكتب الشريف للفوسفاط، وكتاب الفقيه المرحوم سي سلامي، وهو الكُتّاب الذي انتسبت إليه، وكتاب سي حميد اللوباب الرحماني، وكتاب سي حميد الوردي، وكتاب سي فرحاني، وكتاب سي عبد السلام بالحوانت التحتانيين، رحمهم الله جميعاً ونفعنا بعلمهم.

وكان سي سلامي قريباً إلى قلبي، ليس فقط لأنه معلمي الأول، بل لأن أصوله الدليمية الصحراوية كانت تلتقي مع أصول والدي، فشعرت نحوه منذ الصغر بألفة خاصة، ولأنه كان أبعد عن التعنيف من غيره.

في الكُتّاب تعرّفت إلى عالم آخر غير عالم المدرسة. كان بيننا فتيان أكبر سناً لم يلجوا المدرسة الحديثة قط، لأن طريقهم كان مرسوماً منذ البداية: أن يصبحوا طلبةً للعلم الشرعي، أو فقهاء، يشارطون بالدواوير أو يلتحقون بمؤسسات التعليم الأصيل. كانوا يحفظون القرآن الكريم، ويدرسون ألفية ابن مالك ونظم الآجرومية في النحو والصرف، ويتذوقون الشعر العربي ويجيدون الإعراب.

كنت أنظر إليهم بإعجاب؛ فقد كانوا يتفوقون علينا، نحن المتمدرسين، في أسرار العربية. ومنهم تعلمت، دون أن أشعر، أن لغة الضاد ليست مجرد مادة دراسية، بل عالم كامل من الفكر والبيان والمنطق. وربما هناك بدأت أول قصة حب بيني وبين اللغة العربية؛ قصة لم تنقطع حتى بعد أن اخترت دراسة الطب، فظل الطب مهنتي، وظلت العربية تسكن قلمي وروحي.

غير أن أجمل الذكريات لم تكن كلها جميلة.

فقد كان كُتّابنا يجاور كُتّاب المكتب الشريف للفوسفاط، وأمامهما تمتد حديقة صغيرة، أنيقة، مزهرة، مسيجة، مليئة بالألعاب. كانت في أعيننا أشبه بمدينة ألعاب أسطورية، كأنها «ديزني لاند» بالنسبة إلى أطفال قرية صغيرة.



لكن تلك الحديقة لم تكن لنا.

فعند وقت الاستراحة، كان يُسمح بالدخول إليها واللعب فقط لأطفال كُتّاب المكتب الشريف للفوسفاط، بينما نقف نحن خلف السياج نتفرج بصمت. لم نكن نحتج، ولم نكن نفهم سبب المنع، لكننا كنا نشعر به؛ شعور غامض بالعجز، يشبه إحساس الأيتام وهم ينظرون إلى أفراح العيد من بعيد.

كان بعضنا يطيل النظر إلى الأطفال وهم يركضون ويضحكون، بينما يختار آخرون أن يخفوا انكسارهم بالعودة إلى ألواحهم الخشبية، فيمسحونها بالصلصال استعداداً ليخط لهم الفقيه آيات جديدة من الذكر الحكيم، وهو ماكان يعرف بالتحناش وكأن العلم وحده قادر على تعويض ما حُرموا منه من لعب.

والمفارقة التي لم أفهمها يومها أنني كنت ابن عامل منجمي، مثل كثير من أولئك الأطفال. كنا جميعاً نعيش في القرية نفسها، ونستنشق الهواء نفسه، ونشرب الماء نفسه الذي كان يترك أثره في العظام والأسنان، ونتقاسم التلوث ذاته، لكننا لم نكن نتقاسم الحديقة نفسها.

مرت السنوات، وظلت تلك الصورة محفورة في ذاكرتي أكثر مما توقعت.

واليوم، وأنا أعيش بمدينة الجديدة، أجدني أستعيد الإحساس ذاته كلما رأيت قاعات رياضية، أو مسابح، أو فضاءات اجتماعية، تابعة لمكتب الشريف للفوسفاط ، تبدو وكأنها ما زالت مخصصة للفئة نفسها، بينما بقية سكان المدينة، مهما اختلفت انتماءاتهم، يتنفسون الهواء نفسه، ويشربون الماء نفسه، ويعانون التلوث البيئي ذاته.

وأحياناً أسأل نفسي: هل أصبحت شديد الحساسية تجاه كل أشكال التمييز لأنني حملت ذلك الطفل الصغير في داخلي كل هذه السنين؟ أم أن ذلك الطفل رأى منذ البداية ما لا يزال كثيرون يرفضون رؤيته؟

لا أملك جواباً قاطعاً.

لكنني أعلم يقيناً أن الكُتّاب لم يعلمني حفظ القرآن فحسب، ولم يفتح لي أبواب لغة الضاد وحدها، بل علمني أيضاً أن الكرامة، مثل اللغة، لا تتجزأ، وأن الطفل الذي يقف يوماً خلف سياج ينتظر حقه في اللعب، قد يكبر وهو يبحث طوال حياته عن عالم لا يُقاس فيه الناس بانتماءاتهم، بل بإنسانيتهم

د. إبراهيم عروش الدريسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...