الورقة النقدية السابعة في ديوان ( الصوت والرماد ) للشاعر والمترجم السيد النماس الجزء الخامس متابعة / مجدي جعفر

الورقة النقدية السابعة في ديوان ( الصوت والرماد ) للشاعر والمترجم السيد النماس
الجزء الخامس
متابعة / مجدي جعفر
.....................................................................
وتحت عنوان ( تأملات حول ثنائية .... (الصوت والرماد)
[حين يشتعل الصوت، ويتمرَّد الرماد ...!) كتب الأديب والناقد أحمد عثمان :
( في ليلة استثنائية فريدة؛ نعيش الليلة مع فارس متفرد من فرسان زمن الأصالة والكلم النفيس مبنىً ومعنى، وقت أن كان شعار تيار الوعي والتنوير هو (الأصالة والمُعاصرة)، والتحليق في سماءات الإبداع الحقيقي، على النقيض الآن من زمنٍ نعايشه يغصُّ ببضاعة مُزجاة، يروِّجها في سوق الكسادِ الأنصاف والأرباع، وفاقدي العطاء الأصيل، أصحاب الصخب الردئ الذين تعج بهم الساحة، إلا من رحم ربي ممن يتمسَّكون بأهداب الأصالة، وهؤلاء هم من يقفون في زاوية بعيدة من المشهد، يكادون يعتزلون ضوضاءه الكاذبة، وزيف بريق معادنه الرخيصة؛ صونًا للبقية الباقية من كبرياء عطائهم نفيس القيمة .. وفارسنا المُحتفَى به الليلة هو أحد هؤلاء بالطبع، خيَّالٌ يجيد امتطاء صهوة المجاز، والتحليق بأجنحة الخيال في سماءات البوح، ومعه نعيش رفقة سِفرٍ رصين، نفيس المبنى والمعنى، أصيل كما الذهب، وثمين كما الألماس والياقوت يحمل عطر جيل العمالقة، وعراقة عطاءاتهم التي نتلمَّس على هَديِّ أنوارها دروب تجاربنا؛ علَّها تتماس مع حواف إبداعاتهم .. نعيش مع ديوان "الصوت والرماد" لشاعرنا الرائد والمُعلم القدير الأستاذ/ السيد النمَّاس أحد فرائد عقد المؤسسين الأوائل لجماعة الرواد الأدبية بدمياط العريقة، ورائد من رواد التجديد والانفتاح على قصيدة التفعيلة في زمنٍ كان مُفعمًا بالوعي والتنوير وتوهُّج الحياة الأدبية .. وقد يكون من المفيد ـ قبل الدخول ـ أن نذكر بعض المعلومات الكاشفة من واقع الديوان لتكون لنا نبراسًا هاديًا عند تذوق وتأمل محتواه الإبداعي نوجزها فيما يلي:
1ـ صدر الديوان في طبعتين متباعدتين ـ نسبيًا ـ عن جهتين مختلفتين شكلًا وتكوينًا ومرتبطتين ـ توجُّها وغاية ـ برباط الوعي والتنوير .. الأولى صدرت بالاشتراك بين جماعة الرواد الأدبية بدمياط وهيئة قصور الثقافة عبر (سلسلة إبداعات) عام 2001، والثانية صدرت عن مكتبة الأسرة ضمن سلسلة إبداعات معاصرة عام 2004
2 ـ يحوي الديوان ـ في ظاهره ـ أربعة عشر قصيدة، ولكن إذا أمعنَّا النظر لوجدنا أن بعض القصائد الأم تحتضن عدة قصائد قائمة بذاتها تنضوي تحت نفس العنوان، كما في قصيدة (وجوه) والتي تتعدد فيها الوجوه لتصل إلى خمسة عشر وجهًا متنوعًا بعضها يتناول شخصيات لها حيثيتها وحضورها في حياة الشاعر، وبعضها بوح تنضح به ذاته المهمومة بما تعايش، وبعض آخر هو تأملات لِما يلازمه ولا يفارق نظراته وفكره، وبعض أخير من الوجدانيات التي تسبح فيها روحه .. وقل مثل ذلك عن قصائد مثل: (الكلام من فوهة بركان)، (أربع قراءات لصلاة حب واحدة)، ( رباعية التفتح والانقسام) ..
3 ـ تستغرق قصائد الديوان فترة زمنية طويلة نسبيًا، تمتد لحوالي أربعة وعشرين عامًا، تبدأ من عام 1969 وتتوالى حتى عام 1992 ( والملاحظة الجديرة بالذكر هنا ـ وتُحمد لشاعرنا الكبير ـ هي اهتمامه بتوثيق قصائده بتواريخ كتابتها، وهذا ليس بغريب عليه وهو الذي كثيرًا ما يحثنا على هذا النهج في أعمالنا الأدبية، وهو أمر مهم جدًا عند النظر في هذه الإبداعات وتأملها وتذوقها ودراستها، فأقدم هذه القصائد ـ حتى اليوم ـ كُتب منذ سبعةٍ وخمسين عامًا وهي قصيدة (شظايا قديمة ـ كُتبت عام 1969)، أما أحدثها فكُتبت منذ أربعةٍ وثلاثين عامًا، وهي مرتبة ـ على صفحات الديوان ـ ترتيبًا تصاعديًا حسب تواريخ كتابتها من الأقدم للأحدث
4 ـ اشتمل الديوان قصائدَ قائمةً بذاتها مستقلة في توجهها ومحتواها تستلهم التاريخ والجغرافيا، والمألوف والأسطوري، ناهيك عن الموروث والمُعاش .. وأخرى هي فرائد ينتظمها عقد قصيد ـ ممتد ـ يحتويها معًا، تنطق هذه الفرائد بالوفاء للرباط والصحبة وعِشرة السنين، فيتناول الشاعر بعضًا من أصدقائه المُقرَّبين، ومعارفه الذين ارتبطت حياتُه بحياتهم ممن رحلوا عن عالمنا، أوباعدت بينهما الغُربة، فيرثي من رحلوا ـ رحمهم الله ـ أمثال الكاتب والقاص (يوسف القط)، وشاعر العامية (زكي عمر)، والقيادي الفلسطيني أبو جهاد (خليل الوزير)، كما يفرد قصائد ومقاطع لمن باعدت بينهما السنون والمسارات وفاءً لرفقة المشوار، أمثال الكاتب ( أحمد زغلول الشيطي)، والكاتب المسرحي والروائي والسيناريست (يسري الجندي ـ رحمه الله ـ وكان مازال حيًا وقت كتابة القصيدة)، وكذا الجزائريان (حاجو محمد) و(لخضر بلَّكحل) ممن ارتبط شاعرنا بعشرتهم خلال سنوات إعارته بدولة الجزائر، ورغم تباعد الزمن بهذه القصائد إلا أنها مازالت شابةٌ فتيةٌ، تضج بصخب الحياة وحيويتها، مشتعلة، متمردة، طازجة كقطافِ صُرِمت هذا الصباح ..
كانت هذه بعض المعلومات ـ التي أري أهميتها من وجهة نظري ـ عند النظر والتأمل في محتوى الديوان .. فماذا عن ثنائية الصوت والرماد؟:
*** بداية إذا ما تتبعنا الصوت عبر قصائد الديوان ـ وله النصيب الأوفى منها ـ لوجدناه حاضرًا يقظًا ومهمومًا بأداء وظائفه الموكل بها من قِبل شاعرنا، وهو السلاح الأمضى والأقوى في ساح الشعر الجاد في توجهاته العامة والخاصة؛ التي لا تنفصل ولا تنفصم عن قضايا مجتمعها، وما يعايشه من هموم وتقلبات ومخاطر وما يتوجب من إصلاحات وضبط مسارات، عند ذاك يصبح الصوت صاخبًا، حادًا، لايتوارى ولا يتلوَّن، يوقظ النيام، ويُحذر الغافلين والمتغافلين، والمتكاسلين، واللامبالين، ينصح حين يجب النُصح، يصرخ ثائرًا حين يرى اعوجاجًا أو حيودًا عن جادة الطريق، هو دائمًا في حالة اشتعال لايهمد أو يخمد .. في قصيدة (الكلام من فوهة بركان) يتميَّز الصوت حِممًا مشتعلة، ثائرةً فوَّارة، فتري السماء كالنحاس المُتَّقِد في وقت الظهيرة، وقت الوضوح الجلي الذي لا لبس فيه ولا شُبهة، فنلمس النفس الثائرة في عنفوانها الفتيِّ العفيِّ؛ كما البركان المتمرد الذي لا يُبقي على شئ، يصورها لنا الشاعر في مقطع عبقري، يقول:
كانت الظهيرةُ، وكانت السماءُ كالنُحاس المتقد
والأرضُ بركانٌ ونهد ..
وكنت مارِقًا، مُشقَّقًا كريح، كثمارٍ فجهْ
أُلملم الأشلاءَ والأشياءَ
بلا نُبوَّةٍ ولا وحيٍ ولا ضجهْ
وكنت أنفذ في حجارة السكوتْ
فتنهض الشوارع ..
في قاعيَ المُفرغ وتنهض البيوت
ونرى السماء في الصبيحة كالرصاص المُنْصهر، إنها طبيعة البركان في ثورانه، لاشئ يبقى على جموده، على صلابته، نُحاسًا كان أو رصاص، حجارة كانت أوصمتٌ وسُبات، كل المعاني تذوب في معنىً جديد، نضيد، نضير؛ يبعث الحياة في موات المدينة، يُشعلها في سمتها الجديد لتقوم كائنة من كنِّها المكنون، كما صوَّرها الشاعر في قوله:
كانت صبيحة وكانت السماء كالرصاص المنصهر
وكانت المدينة غائرة، شاحبة تغطُّ في السُباتْ
كانت بمثواها الأخير رمةً، وكانت الفُتات
وكان كاهنٌ على مفارقِ الطرق
في ناره غرق الفُتاتُ واحترق
لفَّ المدينة بالعباءة،
.. فضَّها ثم استحال إلى شفق
فإذا المدينةُ مخْضةٌ
نارٌ وأزواجٌ مطهَّرةٌ، وترانيمٌ وبرقْ
كان ثوران الصوت المشتعل رفضًا للجمود والتقولب والاستغراق في الماضي، واستنساخ الخُطى، فلا تجديد ولا تحديث، وهو ما استوجب من الرائي المهموم المغموس والمغروس في خطيئة التحجر هذه أن يوقظ بركانه من سُباته، ويشعل فتيل الانفجار في قيعان الموت نحو بعث جديد طازج، يتخذ من المعاصرة والحرية منهجًا يروم بناءً جديدًا، وهنا يبرز الصوت فينهض منتفضًا ليؤدي وظائفه بلا مواربة معبرًا عن الحال والمآل، مشتعلًا في نهاية القصيدة بالقول:
كان الكلام لا لغة
كان الكلام شائخًا وأشيبا
فكيف لي أن أصبغه
كل الذي فعلت يا حبيبتي
كل الذي استطعت يا حبيبتي
أنِّي قبضتُ راحتي، كوَّرتُها،
غمستُها بروحكِ المولولةِ
ثم انفجرتُ قنبلةٌ
فإذا المدينة مخضةٌ
نارٌ وأزواجٌ مطهرةٌ
ترانيمٌ وخُبزٌ وانتظارٌ
ويستمر الصوت في تأججه بحثًا عن الحقيقة؛ حتى في صلوات الحب، الحب بمعناه الأشمل، وطلاقة فضاءاته الحسِّية والمعنوية، وليس أدل على هذا الحب من اشتعال الصوت ( الذي أحسبه صوت الشاعر نفسه) في حب الوطن والأرض؛ رغم ما يشعر به من غُصَّةٍ وغُبنٍ من فِعال لا ترضيه ولا يرضى عنها، معبرًا عن ذلك في القراءة الأولى من قصيدة ( أربع قراءات لصلاة حب واحدة) بقوله:
كنت مخطوفًا إليك والطريق ضائعة
والرياح بيننا رُسُلٌ، عصافيٌر، كُوَى
في زنازين الجهات الأربعة ..
لا طريق للدخولْ
لا طريق للخروجْ
نتخفَّى فيك يا أرض التواريخ الشقية
ننحني فوق هسيس الأرضِ نسأله الهويه
وفي ذات المقطع يقول:
نُلبس الأقوال ديباجًا موشًّى وزخارفْ
نعبد الشرطيَّ، نبغضه ونعبده ..
نصلِّي للمخاوف
ونُجيدُ التوريه
نتعاطى الفكر سرًا
نتعاطى الحب سرًا نتعاطى الجُبن جهرًا
وحبوبًا تُجهض الرؤيا نبيَّه
نتعاطى فيك يا أرضي وباسمك دائمًا دور الضحية
فمتى ينهدم المسرحُ فوق الداعرين
ويصوغ الفقراء المسرحية
ويقول في نهاية مقطع آخر اتساقًا مع نهاية المقطع السابق:
فمتى نجهض بطن الناهبين حُلمنا
ويعيد المعدمون سفر تكوين القصائد
ومع ذلك الحنق والغضب لايملك إلا أن يحبها ويناجيها بما يطالعنا في مقطع آخر، يقول:
بين عينيك وبيني أغنيات لا تموت
حبنا باقٍ يقاوم موتُه حتف السكوت
أشتهيك بيرقًا منتصرًا يمحقُ يأسي
أشتهيك رجفةً عُذريةً أولى
أشتهيك لي وحدي امتناعًا وقبولا
وبكاءً عسليًا
ورداءً منزليًا
وشرودًا يجتلي حدسي، وتشابيهي الحيِيَّيات ورمزي
والصوت دائمًا ليس على حال واحد على مدار القصائد، يفور ويهدأ، ولكنه في كلا الحالين لايتخلى عن موقع حراسته كديدبان يقظ، فجُلُّ اشتعالات الصوت ـ سواء أكانت صُراخًا كاستعار اللهب، أو خفوتًا كالجمر الساكن ـ هي في عشق المهد والتراب، في انكساراته وعثراته، في قيامه وصعوده، يتمثله في المحبوبة؛ فتارة يلعنها عشقًا، وتارة يذوب فيها وجدًا .. يزدرد اليأس حينًا، وحينًا يتبلَّغُ بالأمل، وينسج المشهد بخيوط حروفه في نهاية قصيدة أفردها الشاعر تحت عنوان (القراءة الخامسة) يقول فيها:
كنت أشُمُّك ملء هواء الشارع
وأُثبِّتُ في وادينا الأجرد
أزهارَ الزمن الضائع
ويقول في موضع آخر من قصيدة (رباعية التفتح والانقسام):
يا أيها الوطن الذي يخرج من ليل الأكاذيب، السراديب، النديب
يا أيها الوطن الذي يجمع عُنَّة الوباء
ولُقحة العرافهْ
الأرض لا تبدأ من خرائط الأمير والأجناد والمخنَّثين
فهذه تبدأ من أسوارهم
حتى أسِرَّةَ نومهم
الأرض تبدأ من رماد البيت والموتى ودم العاصفهْ
... ونستطيع في تتبعنا أن نطارد المزيد من اشتعالات الصوت التي لا تنطفئ في قصائد أخرى بخلاف ما تناولناه من قصائد الديوان، كهذا الذي تبوح به قصيدتا (قراءة في نقوش الطريق)، و( النفخ في صور الخروج)
*** كان ما سبق عن اشتعالات الصوت في ثنائية الصوت والرماد ...
فماذا عن تمرُّد الرماد؟ .. ذاك التمرد الذي لا يعترف بخمود أو موات، يأبى أن يتبدد، يأبى أن يُغادر المشهد، هو شريكٌ ولاعبٌ أساسيٌّ، تتبدل طبيعته نعم؛ ولكن لاينفد ولا يفنى، ولا يتنازل عن خصائصه، لا لشئ إلا أنه بعشق التمرد، لا يلقي سلاحه ويهمد؛ كما روح الشاعر التي تُنبئ عنها قصائده، روح لا تعرف الاستسلام ولا الركون، دائمة التجدد، دائمة التوثب، دائبة الحركة والحَراك، فقصيدته ( الصوت والرماد) التي استدعاها عنوانًا لديوانه تمثل ما نزعم خير تمثيل، وكأننا أمام طائر فينيق؛ ذلك الأسطوري، رمز الخلود، القادر على التجدد دائمًا، والنهوض من جديد، ما إن يحترق وتخمد ناره وتؤول إلى رماد؛ حتى ينهض بعثًا من هذا الرماد ليحلق من جديد، وهو ما عبر عنه شاعرنا القدير في بداية هذه القصيدة المتمردة بقوله:
" من الرماد أخرج ..." ليعلن تمرده في كبرياء لا يعرف الاستكانة والخذلان، إذ يقول مؤيدًا:
لا ثدي أقبله وأرضع من دماي
لا أشتهي إلاي
أقبل ما تخطُّ النار في لوح فضاي
لا أشتهي إلاي
أخطو في خطاي
الوقت، كان الوقت قلبي مُسرجًا ومُطهمًا
عاف المهاميز
واسقط عن صهيل الوجع المكتوم ألجُمةَ المزاول
ينخسني دميَ المكابر في دمي المتآسن
إنه تمرد من يروم التحرر مما يكبل خطوه، وانطلاق وعيه محلِّقًا فوق الحواجز، من يُصرُّ ـ في صلابة ـ على استقلالية قراره، ويستجلي حقيقته/كينونته بلا زيف ولا تجميل، لينطلق من قيوده خفيفً نقيًا؛ بعدما برأ من خطاياه، إنه ذلك المتمرد العنيد الذي عبر عنه الشاعر في مقطع من نفس القصيدة يقول فيه:
مات الذي لابد أن يموت من أغنيتي
لكنَّ حنجرتي استماتت في الغناء
غرق الذي لابد أن يغرق من سفينتي
لكنَّ أشرعتي تقاوم الانحناء
سقط الذي لابد أن يسقط من أقنعتي
وفصدتُ آخر ما ورثت عن السلالات الخصيَّةِ من دماء
وما زلنا مع هذا الذي (خرج من الرماد)، متمردًا حتى في مواجهة الموت، نلمسه ونستشعره مستبطنًا في ثنايا قصيدة (الموت والأسئلة) حين يعلن عن شموخه وكبريائه مع نهاية القصيدة بقوله:
للقتل رائحة الولادة
ها أنذا مُتهيِّئٌ للطلق، أطلقني
صوِّب إلى المرئيِّ من كينونتي الرمليةِ، أفرطني
ذرني وحيدًا في ملاء الريح، أجمعها وتجمعني
هربت أساطيرُ الرعاةِ الخائرين، وخلَّفتني
أطلق، وأطلقني
بل يصل التمرد ذروة منتهاه؛ فيشهره الشاعر في مواجهة نفسه، ثائرًا على ذاته العضوية والحسية، المادية والمعنوية، بعدما أشهره في مواجهة كل ما سواه ـ من قبل ـ فيعلن انبعاث طائر الفينيق ـ مُجددًا ـ من رقاده، مُحلِّقًا مُحطمًا كل ما يعيق انطلاقه، ليرفع راية العصيان في (الوجه الخامس) من قصيدة (وجوه) بلا مواربة بقوله:
أنا ضد نفسي، وضد مواعيد نيلي
وضد دمائي التي تستثار..
وتهمد كالبارق الممكن المستحيل
أنا ضد وقتي، ووقتي سؤال عن الأزمنه
أفي الوقت متسع للذي هو ضد عذابات مولده
للذي هو ضد أراجيف موعده
للذي هو ضد الجميع
*** في نهاية هذه الرحلة ـ القصيرة ـ عبر سباحتنا في الديوان والإبحار من مرفأٍ إلى مرفأ؛ يأبى الصوت الذي لا يفتر إلا أن يرافقنا بدرجاته المتقلبة، يتمدد ترجمانًا صادقًا لِما تذخر به الكلمات من المعاني، والصور على اختلاف أشكالها البلاغية والسيميائية، والرموز ومراميها، والإسقاطات وتعدد نظرات وطبقات التأويل، هذا الصوت نرصده يرفع مشعله يُفجِّر فينا أحاسيس متباينة، تدفعنا دفعًا لمشاطرة الشاعر معاناته وهمومه، ما يغضبه وما يهدئ من روعه، ما يؤلمه وما يربت على كتفه، ما يدهشه في سبحات تأمله لما يحيط به وبنا من ألصقِ دائرة حتى أكثرها اتساعًا وبُعدًا، نرصد ناره المقدسة يلفح صهدُها وعْينا، ويرمي بشرره يلسع عقولنا ويوقظ غفوتنا، يشرع عيوننا لنرى ما لم نكن نرى، أو بالأحرى ما تغافينا عن مَرآه؛ استكانة تارة، ولا مبالاة تارة، ويأسًا أخرى .. ولولا أن المقام لا يتسع للمزيد لأفضْتُ في الاشتشهاد والتدليل على ما نقول من فرائد الديوان ..
هو ذا الصوت ـ وفق زعمي وفهمي ـ حين ينتفض مارجًا في مواجهة الجمود والإذعان ..
وهو ذا الرماد في تمرده على كينونته حين يأبى إلا البعث والتحرر، تمردًا كاشفًا مُزعجًا لمن ظنُّوا أن النار الثائرة صارت رمادًا هامدًا لا قيامة له، جثة تحللت إلى هباء، وهم لا يعلمون أن الرماد يعاند مُرادَهم؛ فينبعث متعملقًا، مُحلِّقًا بغناء نقيٍّ وليدٍ نضيدٍ، يعلن القيامة من جديد .. كلاهما ـ الصوت والرماد ـ يزأران معًا بالثورة على السلبيات والمثالب، وبالدعوة إلى التفكر والتأمل، وانسيال الوعي المتجمد، وإيقاظ العقول من سُباتها ..
ذاك ما ألهمني به عنوان الديوان؛ حين تساءلت بيني وبين نفسي: لماذا الصوت والرماد؟ لأجده كان اختيارًا موفقًا مُعبِّرًا وشاملًا ومُستلهمًا ما تبوح به القصائد ..
.... كان هذا ما خرجت به من تجوالي ـ وفق استيعابي المتواضع ـ بين ثنايا فرائد هذا الديوان عبر ملمحٍ واحدٍ وقف بي على حافة شاطئ بحر عميق عامر باللآلئ، استلهامًا من مفردتي العنوان .. أما عن الفنيات ـ التي برع فيها شاعرنا القدير ـ فأجدها أكبر من أن تتناولها أدواتي القاصرة .. جُلُّ ما ابتغيت ـ في هذا المقام الرفيع ـ هو أن أحظى بشرف التموضع في زاوية من هذا العُرس الكبير، احتفاءً بهذه القامة الأدبية السامقة متمثلة في شاعرنا القدير ـ ابن جيل الأصالة والمعاصرة ـ الفيلسوف الناقد، والأستاذ المُعلِّم السيد النمَّاس، له كل التحية والإكبار.
.......................................................
وتوالت المداخلات النفدية من الكاتب الكبير عبدالسلام هلال والشاعرة القديرة زوزو سلامة والشاعر الكبير حسام الكرار والدكتور علاء الدماصي والشاعر آبانوب لويس والأستاذة علا السعودي مشرفة النادي الأدبي.
...يتبع

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...