ضحى أحمد الباسوسي - اليوم وفي هذا التاريخ يُقال إنّه هو عيدُ الأب، يا أبي!

٦/٢١ اليوم وفي هذا التاريخ يُقال إنّه هو عيدُ الأب، يا أبي!
تاريخ مرَّ بجانبي كغريبٍ لا أعرفُ ملامحَه، يوم لا أدري كيفَ غفوتُ عن حقيقته طوالَ سِنيّن حياتي، ولكنَّها المرةُ الأولى التي يرتطمُ فيها وعيي بهذا التاريخ، المرةُ الأولى التي أدركُ فيها أنَّ للآباءِ يوماً يُحتفى به..
هذا العامِ تحديداً يضجُّ الكونُ حولي بتهنئاتِ الأبناءِ لآبائهم. غريبٌ هذا الضجيجُ الذي لم يعتدْ مسامعي من قبل؛ وكأنَّ الدنيا كلَّها اتفقتْ فجأةً على أن ترفعَ صوتَ احتفالِها..
ربما كانَ صخبُ هذا اليومِ في الأعوامِ الماضيةِ يمرُّ خافتاً، أو ربما كنتُ أنا في غفلةٍ دافئة، لكنَّهُ اليومَ صارَ "ضجيجاً أعمى".. تلمَّسَ طريقَهُ إليَّ رغماً عني، واقتحمَ عزلةَ روحي ليفجّرَ في قلبي بركاناً من الشجن..
لقد صرخَ هذا العيدُ في أُذني لكي أستيقظَ على الحقيقةِ المُرّة.. لكي أتذكرَكَ يا أبي، وأتذكرَ معكَ غصّةً خنقتْ حنجرتي: أنكَ رحلتَ، وأنني اليومَ أقفُ دون سند في مهبِّ اليتم، بلا أبٍ يضمدُ الانكسارات، وبلا سقفٍ يحمينا من صقيعِ الحياة..



في غمرةِ الضجيج الذي يملأُ شوارعَ المدينة، وفي الوقتِ الذي يتسابقُ فيه الجميعُ لشراءِ الهدايا والورود، أقفُ أنا في زاويةِ الذهول، أُقلّبُ الصفحاتِ بيدٍ مرتعشة؛ نعم، فاليومُ هو "عيدُ الأب" يا أبي.. اليومُ تنبتُ للذكرياتِ مخالبُ فتغرسُها في القلب والروح..
لقد أقبلَ العيدُ يجرُّ وراءهُ أذيالَ الخيبة، يحملُ في جعبتِهِ سؤالاً يمزّقُ نياطَ القلب: أينَ أنتَ لأحتفلَ بك؟!
رحلتَ، فانطفأتْ منارةُ البيت، وتركْتَني أُبحرُ في خِضمِّ الحياةِ بسفينةٍ مكسورةِ المجاديف. كنتَ أنتَ الجدارَ الذي أُسندُ إليهِ ظهري المثقَل بالهموم، والآن.. صارَ ظهري عارياً أمامَ رياحِ الدنيا العاتية، وبتُّ أستندُ على جدارٍ من سراب..
أبحثُ عنكَ في تفاصيلِ البيتِ البارد؛ في مقعدِكَ الخشبيّ المهجور الذي باتَ يشكو وحشةَ الفراق، وفي فنجانِ قهوتِكَ الذي جفّتْ بهِ الحياةُ منذُ أنْ غبتَ..
كلُّ زاويةٍ هنا تلبسُ ثوبَ الحدادِ الداكن، وتئنُّ بصمت يشبهُ صمتَ المقابر، فلقد كنتَ الغيمةَ التي تمطرُ أماناً على جفافِ الأيام، فكيفَ استحالَ كوني بعدكَ صحراءَ قاحلة، لا ترويها إلّا دموعُ الحنين؟ وكيفَ أُهنئكَ بالعيدِ وصوتُك المبحوح بالحنّيةِ قد ابتلعهُ ترابُ الغياب؟
أحملُ باقةَ أشواقي، وأمضي بها نحوك، أضعُ قبلتي على ثرى الأرضِ التي تضُمّكَ، وأهمسُ لترابِكَ البارد "كلُّ عامٍ وقبرُكَ نورٌ ونعيم، وكلُّ عامٍ وغصّتي بفقدِكَ لا تخمد."
رحمكَ الله يا عمودَ الروح، ويا وجعنا الأبديّ الذي لا يبرأ..

ضحى أحمد الباسوسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...