د. حسام الدين فياض - التحالفات التي لا تعرف الذاكرة (أزمة ثقة)

" أخطر ما تفعله المصالح أنها لا تغير مواقع الناس فقط، بل تغير أيضاً طريقة تذكرهم للماضي " (الكاتب).

في عالم تتسارع فيه المصالح وتتبدل فيه موازين القوة، لم تعد العلاقات الاجتماعية والسياسية تفهم دائماً بوصفها امتداداً للقيم الأخلاقية بقدر ما أصبحت تقرأ من خلال منطق المنفعة المتبادلة. فمن منظور علم الاجتماع الثقافي، لا تنشأ الروابط الإنسانية في فراغ، بل تتشكل داخل بيئات اجتماعية تحدد ما يعتبر نافعاً أو غير نافع، مربحاً أو خاسراً. ومع صعود الثقافة الاستهلاكية المعاصرة واتساع النزعة الفردانية، أخذت بعض العلاقات تفقد بعدها الإنساني العميق لتتحول تدريجياً إلى شبكات تبادل تقوم على ما يمكن أن يقدمه الآخر من منفعة أو فرصة أو مكانة. وفي هذه البيئة، لا ينظر إلى الأشخاص بوصفهم غايات في ذواتهم، بل بوصفهم موارد اجتماعية قابلة للاستخدام ما دامت قادرة على إنتاج قيمة أو تحقيق مصلحة.

ويبدو هذا المنطق أكثر وضوحاً في المجال السياسي المعاصر، حيث نادراً ما تبنى التحالفات على العواطف أو المبادئ المجردة وحدها. كما أن التاريخ السياسي يكشف لنا أن الصداقات والعداوات ليست حقائق ثابتة، بل أوضاع مؤقتة تخضع لحركة المصالح وتغير موازين القوى. فالدول والجماعات السياسية قد تنتقل من الخصومة إلى الشراكة، ومن التحالف إلى الصراع، دون أن يكون ذلك انعكاساً لتحول أخلاقي بقدر ما هو استجابة لحسابات واقعية جديدة. غير أن خطورة هذا المنطق تبدأ عندما يتجاوز المجال السياسي إلى المجال الاجتماعي والثقافي، فيصبح الإنسان نفسه موضوعاً للمقايضة الرمزية، وتغدو العلاقات اليومية محكومة بمعيار الجدوى أكثر من معيار الوفاء. عندئذ لا يسأل عن قيمة الشخص في ذاته، بل عن مقدار ما يستطيع تقديمه، وما إذا كان لا يزال يحتفظ بقيمته الوظيفية داخل شبكة المصالح.

ومن هنا تتجلى الإشكالية الأعمق للنفعية الاجتماعية، فهي لا تكتفي بإعادة تنظيم العلاقات، بل تعيد تعريف معناها نفسه. فعندما تصبح المنفعة المعيار الأعلى، يتحول الوفاء إلى سلوك غير عملي، وتفسر المواقف الأخلاقية بوصفها استثمارات غير مربحة، ويصبح التخلي عن الآخرين أمراً مبرراً بمجرد تراجع الفائدة المتوقعة منهم. غير أن المجتمعات لا تستقر بالمصالح وحدها، لأن المصالح قادرة على بناء التحالفات لكنها عاجزة عن إنتاج الثقة المستدامة. فالثقة لا تنشأ من حسابات المكسب والخسارة، بل من وجود قيم تتجاوزهما. ولذلك فإن قوة أي مجتمع لا تقاس فقط بقدرته على إدارة مصالحه، بل أيضاً بقدرته على الحفاظ على مساحة إنسانية تجعل من الوفاء قيمة قائمة بذاتها، لا مجرد خيار مؤقت ينتهي بانتهاء الحاجة إليه. إلا أننا في واقعنا المعاصر نجد أن أزمة الثقة هي الثمن الذي تدفعه المجتمعات البراغماتية عندما تصبح المصالح أكثر ثباتاً من العلاقات والتحالفات.

خلاصة القول، في زمن تتغير فيه المصالح بسرعة وتتبدل فيه المواقع والولاءات، لا تجعل قيمتك فيما يريده الآخرون منك، بل فيما تمثله أنت من مبادئ وأخلاق. فالمصلحة قد تجمع الناس مؤقتاً، أما الصدق والوفاء وحسن الخلق فهي وحدها ما يمنح العلاقات معناها الحقيقي ويمنح الإنسان مكانته التي لا تزول بزوال المنفعة. بمعنى آخر، تعامل بوعي مع المصالح، لكن لا تجعلها المعيار الوحيد في علاقاتك، فالمصلحة تفتح الأبواب، أما القيم فهي التي تبقيها مفتوحة عندما تتغير الظروف وتتبدل الحسابات.

-------------------------------------
باحث وأكاديمي سوري/ الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...