مقتطف العربي عبدالوهاب - مقتطف (5) .. من رواية "لأنهم يموتون فى الربيع"

(5)


مرزوق

لم تفرح يا فتحيه بالشهادة المذهبة الحواف. عندما نزلت من فوق ظهر الحمارة طائرا إليك كى أحضنك، يعمر جيبى عشر جنيهات حمراء. وليت وجهك إلى ظلام المندرة باكية. اهتزت فرحتى، اندلق جردل ماء وسخ على شالى الأبيض حين أخبرتنى بأن ثناء فى المستشفى.

: سايبها حلوة؟!!

: مسكت بطنها ووقعت فى الغيط.

كانت يمامة تسحب البهائم طائرة بهم ـ إلى الغيط ـ بدلا منى. فى الصباح دعت لى وقالت: هتجيب لى إيه من بردين؟

ماتت ثناء.. تسلمتها فى جلبابها المنقط بدوائر حمراء.

رمت فتحيه الطاهر الرضيع على الأرض. تسمرتُ مكانى حين برز الترولى. من فوقه ملاءة خضراء باهتة تغطى الوجه المورد.. العيون شبه مغمضة. شعرها الطويل تكوم فى تربيعة بيضاء ارتخت حول جانبى الوجه.. وجوه بلا ابتسامة.. أذرع.. سيقان.. أياد تقبض على الرمل. تصرخ دفعة واحدة وبعدها الرماد.. بالرماد الخارج من الكانون تلعب ثناء. وسط الدار تملأ الزير بالماء. يرتفع جلبابها الطويل عن ساقين ممتلئين. تضرب بقدمها الأرض ثم تطلع إلى سطح الدار وتعود بكيزان الذرة. تفرفط حبات للدجاج. يرفرف بأجنحته ويتقافز مخلفا بهجة حلوة فتضحك ثناء.

ابتعد الترولى. ارتمت فتحيه على بلاط المستشفى تلطم وجهها وتتعلق بالترولى. نزلت دمعة ـ رغما عنى ـ ليمامتى الخضراء.

انفجرت فتحيه بصراخ متوحش، كدت ألطمها.. هتفضحينا.

يجب أن يتم كل شئ فى هدوء.. هكذا ألملم البقايا من هناك، خوذة مازالت محبوكة على رأس الشاويش زينهم، انغرس كتفه فى الرمال.. بيادة بداخلها ساق، جسد الشاويش مكتمل.. عيناه مفتوحتان على اتساع.. هل تتفجر الأرض بالماء.. بالألغام.. بالمدافع القاتلة.. سماء تمطرنا بالموت.. سكون يعقب كل الأشياء، وهواء فاتر يبدد الرائحة. لماذا تنسحب روحى رويدا رويدا مع ملابسها.. شبشبها أبو وردة.. هكذا فى كيس باهت لملمى معى..

فتحيه صابر يا زوجتى.. أنا حبيبك و رجلك.. أحببتك منذ رأيتك.. انطبعت فى القلب ملامح سمرتك الدافئة.. فتحت معى أبوابا ووقعت معى فى حفر. هممت ممسكة بيدى لأول الطريق.

لماذا تتركينى الآن للهلاك؟؟؟

المشيعون كثيرون يدبون بخطوهم الرتيب إلى المدافن وأنا بجوارك سائرا أنظر للنعش الذى احتواك وأكتاف الرجال تتسابق.

أربعون يوما.

وانفتحت طاقة مظلمة كى تلتهم الجسد الهابط، بتوق إلى هناك حيث لا يعرف مرزوق متى الموعد والميعاد؟؟

لماذا لمن أشتمك أو أضربك حين جئت لى بالغداء بعد يومين لرحيل ثناء. واعترفت بوقوفك على القناية بجوار المدافن، تبكين ثناء.

صارت اللقيمات مرة فى حلقى. حطت يمامة خضراء على القلب رفت بجناحيها وطارت عائدة إلى هناك. أخذتك فى حضنى.. ربت على كتفك قائلا: مات مننا كتير يا أم عرفه. كلهم فى الجنة.. واختنقت بالكلمات.

قلت ضاحكا فيما بعد: لو مقمتيش هتجوز.

كنت على فراشك أشعر الآن أنك أكبر منى ويغشانى يقين بأنك لن تقومى نافضة أجولة الملح التى حطت على رجليك ـ بسبب وقوفك ـ أمام المقبرة.. تحاملى يا فتحيه. الجارات يزرنك ثم يخرجن فى أعينهن معنى الوداع.. خفوت صوتك، يتلقفنى فى الليل بئر عميق مظلم على قاعه تتربص بى أفعى تفح؛ أفيق مذعورا.. يا فتحيه أربعون يوما فقط وتأخذك الغالية إلى جوارها.. ترف بجناحيها مخلفة ضبابا وعمى، وخطى متثاقلة.

ثناء تعد الركوبة، واضعة البردعة على ظهر الحمارة، تربط الحزام حول البطن ثم تناولنى طرف اللجام.

فتحيه تضحك وتوزع العيال بيننا.. عرفه كبر يذهب معك إلى الغيط.. ثناء لى تحمل الطاهر وتساعدنى فى شغل الدار.. البنت بقت عروسة.

أسحب البهائم مفارقا البلدة، ناظرا إلى الدور الطينية المتساندة حتى أخلص من الناس والضجر.. وجوه صفراء من المرض، آخذ طريق المدافن حتى أنحرف على شمالى تتوقف الحمارة فأنتبه على غيطنا.

أرخى الحبل للبقرة والجاموسة. تبحث يدى عن الشرشرة المخبأة. أحش البرسيم الطرى ناقلا للبهائم أولا بأول. ثم أكوم كومة كبيرة ورائى للعشاء. تطلق البهائم خوارا مبهما، على الحد الفاصل بين أرضى وأرض أبو اسماعين أقعد متمليا الشمس التى تغيب.. تنام وراء الأشجار البعيدة. أخبرتنى فتحيه قبل عشرين عاما ـ فى نفس المكان ـ بعدما تطلعت إلى عينى فى صفرة المغيب. بأن أباها مات مسموما. وأنها لم تقل لى ذلك من قبل. رمت بنظرها للغيطان من حولنا وأكملت: بسبب الأرض. رأيت فى تقاطيع وجهها ألما قديما. تحشرج صوتها. مغمغمة، ضممتها. مسحت دموع عينيها قلت: أنا أبوك وأخوك يا بت.

أحست بدفئى فاستكانت. سكتت قليلا وسكت.

قامت إلى الجاموسة وفكت حبلها. عدنا على ظهر الحمارة.

فى الليل خلعت عنها كل ملابسها. ضممتها بقوة، كأن أسى قديما يسحب روحها إلى البعيد، وأنا ألوك تفاصيل جسدها فلا تنتفض. أتساءل أين ذهبت رغبتك يا فتحيه. ألست رجلك؟. تقول حين التداخل وأنا باذل كل مائى كى أغرق شقوقها: أه.. يا أبى. طعم اليتم مر.

عدت بها يوما ولم تناقشنى حماتى فى كلمة كأنها تقول لى: خذ امرأتك. كفانا ما بنا. جئنا من طاروط بلدتك يا فتحيه إلى طحلة نتكلم هازئين من عقولنا المقفلة التى تغضب لأتفه الأسباب. هدمنا حوائط تحاول فصلنا. كدت ترتمين فى حضنى ـ ونحن على أول الطريق ـ متعبة تقولين. أخى يشتغل عند الناس. قراريط أبى القليلة لا تكفى. لا تتركنى يا مرزوق. يومها أغلق أبى الباب وقال: عد بها. هل أذنت لك بإرجاعها. لم يقهرنى رفضه لنا واحتويتك.

بكيتِ.

قلت لك: لو نموت، نموت معا.

استأجرت دارا.. نمت فى حضنى.

حضنك شلال من حنان يمحو التعب. أعود فتنزعين أشواكى ومتاعبى. وتلعب بهيه حولنا.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...