د. حسام الدين فياض - الأكاديمي الشبيح في عهد النظام الأسدي البائد: دوره في شرعنة الاستبداد والظلم والتهجير ضد أبناء وطنه

" حين يتحول العلم من ضميرٍ ناقد إلى أداة لتبرير القوة، يفقد الأكاديمي رسالته، ويصبح جزءاً من هندسة الصمت التي تشرعن الظلم باسم المعرفة " (الكاتب).

لا تقاس قيمة الأكاديمي بما يحمله من ألقاب وشهادات بقدر ما تقاس بموقفه الأخلاقي حين تختبر العدالة وتستباح كرامة الإنسان. ففي اللحظات العادية قد تبدو المعرفة رصيداً علمياً محايداً، لكن في أزمنة القهر تتحول إلى مسؤولية اجتماعية وأخلاقية. ومن هنا يبرز التناقض المؤلم حين يختار بعض الأكاديميين الفاسدين الاصطفاف إلى جانب سلطة نظام الأسد البائد، لا بوصفهم باحثين يسعون إلى فهم الواقع، بل بوصفهم مبررين له ومدافعين عنه كشبيحة ومرتزقة. وعندئذ تفقد المعرفة جزءاً من رسالتها التحررية، ويتحول صاحبها من ناقد للسلطة إلى أداة من أدوات إعادة إنتاجها وترسيخ شرعيتها الرمزية في المجتمع.

ومن منظور علم النفس الاجتماعي، لا يمكن فهم هذه الظاهرة من خلال المصالح المادية وحدها، رغم أهميتها، بل من خلال آليات أكثر تعقيداً تتعلق بالخوف والرغبة في الامتياز والبحث عن الأمان داخل منظومات القوة. فبعض الأفراد يفضلون التكيف مع الواقع القائم مهما كان ظالماً على مواجهة مخاطره، فيعيدون تشكيل قناعاتهم بما ينسجم مع مواقعهم ومصالحهم. ومع مرور الوقت لا يكتفون بالصمت تجاه الظلم، بل ينخرطون في تبريره والدفاع عنه وهذا ما فعله أغلب مؤيدي النظام الأسدي الاستبدادي، وكأن المعرفة التي كان يفترض أن تكون أداة لكشف الحقيقة تحولت إلى وسيلة لإخفائها. وهنا تكمن الخطورة الحقيقية، لأن خطاب الأكاديمي يحظى بثقة اجتماعية تمنحه قدرة أكبر على التأثير وصناعة القناعات مقارنة بغيره من الفاعلين الاجتماعيين.

أما من منظور سوسيولوجي، فإن أزمة الأكاديمي الموالي للاستبداد ولنظام القمع والذل الأسدي البائد لا تتعلق بخلاف سياسي عابر، بل بوظيفة المثقف ودوره داخل المجتمع. فالتاريخ الإنساني منح النخب العلمية مكانتها لأنها كانت، في أصل رسالتها، صوتاً للعقل النقدي ومدافعاً عن الفئات المهمشة والمحرومة من القوة والنفوذ. وعندما تتخلى هذه النخب عن هذا الدور، وتضع رأس مالها العلمي في خدمة القوة بدلاً من خدمة الحقيقة، فإنها لا تخسر مصداقيتها فحسب، بل تسهم في إضعاف الضمير الجمعي للمجتمع كله. فالمعرفة التي تنحاز إلى الخوف تفقد قيمتها الأخلاقية، أما المعرفة التي تنحاز إلى الإنسان وكرامته فتظل قادرة على البقاء، لأن التاريخ قد ينسى أسماء كثير من أصحاب المناصب، لكنه نادراً ما ينسى من وقفوا إلى جانب الحق عندما كان ثمنه باهظاً.

نصيحتي لكل أكاديمي حر، لا تجعل علمك سلماً إلى رضا السلطة لأنها زائلة، بل جسراً إلى نصرة الحقيقة، فالأكاديمي الذي يصمت عن الظلم يخسر رسالته، والذي يبرره يخسر نفسه، أما الذي يكون صوتاً للحق في زمن الخوف فيربح احترام الأجيال القادمة. والتاريخ لا يرحم أحداً، لكنه ينصف من امتلكوا شجاعة الموقف حين عز الرجال، كما أن القضاء الوطني لن ينسى من باعوا أنفسهم بأرخص الأثمان تحقيقاً للعدالة المجتمعية المنشودة.

----------------------------------
باحث وأكاديمي سوري / الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...