كرة القدم ابتهال عبدالوهاب - ما لا تفعله السياسة... تفعله كرة القدم

ثمة أشياء قليلة في هذا العالم تستطيع أن تعيد الإنسان إلى فطرته الأولى، قبل أن تثقله الحياة بأعبائها، وقبل أن تعلمه كيف يخفي مشاعره خلف أقنعة الوقار والعقلانية. ولعل كرة القدم واحدة من تلك المعجزات الإنسانية الصغيرة.
ليست كرة القدم مجرد لعبة، ولا هي سباق بين فريقين على رقعة من العشب. إنها واحدة من اللحظات النادرة التي يتخلى فيها الإنسان عن أقنعته كلها، ويعود كما كان أول مرة... طفلا يفرح بلا حساب، ويحزن بلا خجل، ويحلم دون أن يسأله أحد: لماذا؟
في كرة القدم، تسقط الفوارق التي صنعتها الحياة. و في لحظة واحدة تنهار الجدران التي بنتها المهن والمناصب والأعمار.
الطبيب ينسى سماعته، والمهندس يؤجل معادلاته، والأستاذ يترك وقاره،والفيلسوف ينسى أسئلته، والقاضي يؤجل أحكامه،
والشيخ يطلق صرخة انتصار لا تقل براءة عن صرخة طفل في ساحة لعب. الغرباء يتعانقون كما لو أن بينهم عمرا كاملا من المعرفة، . لا أحد يسأل الآخر عن اسمه أو دينه أو طبقته أو أفكاره؛ فالجميع يتحدثون بلغة واحدة لا تحتاج إلى ترجمة... لغة القلب.
والدموع لا تستأذن أصحابها، لأنها في تلك اللحظة تصبح اللغة الوحيدة الصادقة.
لعل السر الحقيقي في كرة القدم أنها تمنح الإنسان إجازة قصيرة من صرامة العالم. تسمح له أن يستعيد ذلك الجزء النقي من روحه الذي أخفته الأيام تحت أثقال المسؤوليات والخسارات. ففي تسعين دقيقة، لا ينتصر فريق فحسب، بل تنتصر إنسانيتنا على رتابة الحياة، ونكتشف أن الفرح، مهما بدا بسيطا، ما زال قادرا على أن يوحد قلوب الملايين.
ولعل هذا هو سر كرة القدم. فهي لا تكشف مهارة اللاعبين فحسب، بل تكشف هشاشتنا الجميلة، وتذكرنا بأن الإنسان، مهما بلغ من الحكمة أو السلطة أو المعرفة، لا يزال يحمل في أعماقه طفلا يركض خلف حلم صغير، ويفرح بهدف كما كان يفرح قديما بكرة من القماش في زقاق ضيق
.في لحظة هدف، يذوب العالم كله. لا يعود الطبيب طبيبا، ولا القاضي قاضيا، ولا الأستاذ أستاذا، ولا الشيخ شيخا. تتراجع الألقاب، وتسقط المسافات، وتبقى حقيقة واحدة: أن الإنسان، في أعماقه، كائن يبحث عن لحظة فرح صافية، وعن انتصار يشعره بأن الحياة، رغم قسوتها، ما زالت تمنحه أسبابا للابتسام.
ولهذا لا نعشق كرة القدم من أجل الكرة وحدها، بل من أجل تلك اللحظات التي نمارس فيها طفولتنا علنا، دون أن يلومنا أحد، ونؤمن فيها أن الفرح المشترك هو آخر ما تبقى من المعجزات الصغيرة في هذا العالم.
نحن لا نتابع مباراة فقط، بل نستعيد إنسانيتنا التي استنزفتها الأيام. نستعيد قدرتنا على الدهشة، وعلى البكاء دون خجل، وعلى الفرح دون حساب. وكأن الحياة تمنحنا تسعين دقيقة نتحرر فيها من كل ما فرضته علينا، لنعود
ولعل الفلسفة تخطئ حين تظن أن الإنسان كائن عقلاني فقط. فالإنسان يعيش أيضا بالأمل، ويقتات على الأحلام، ويحتاج بين حين وآخر إلى لحظة جماعية ينسى فيها وحدته، ويذوب في وجدان وطن كامل. وكرة القدم ليست سوى المسرح الذي تظهر عليه هذه الحقيقة في أوضح صورها.
ربما لهذا السبب تبقى كرة القدم أكبر من مجرد لعبة. فما عجزت عنه السياسة طوال عقود، تنجح فيه كرة القدم في تسعين دقيقة. السياسة كثيرا ما قسمت الشعوب إلى معسكرات، ورسمت بينها الحدود، وأيقظت الخلافات، أما كرة القدم فتمنح الناس وطنا مؤقتا اسمه الفرح، وتجعل ملايين القلوب تنبض بإيقاع واحد، وتهتف بصوت واحد، وتحلم بحلم واحد.
إنها تذكرنا بأن الإنسان، قبل أن يكون مواطنا في دولة، أو منتميا إلى حزب، أو حاملا لأيديولوجيا، هو كائن يبحث عن لحظة يشارك فيها الآخرين دهشته وفرحه وأمله. ولذلك، فإن أعظم انتصارات كرة القدم ليست تلك التي تسجل في شباك الخصوم، بل تلك التي تسجل في وجدان البشر، حين تثبت لنا أن ما لا تفعله السياسة... تفعله كرة القدم.
مبروك لمنتخب مصر التأهل إلى دور الـ32. ومبروك لكل قلب عرف اليوم أن الانتصار الحقيقي ليس في النتيجة وحدها، بل في تلك اللحظة التي جعلت ملايين المصريين ينبضون بقلب واحد، ويهتفون بصوت واحد، ويحلمون بحلم واحد... وهذا، في جوهره، هو أجمل انتصارات الرياضة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...