مقتطف العربي عبدالوهاب - من رواية "لأنهم يموتون فى الربيع" (6)

(6)


بهيه مرزوق
أبكى على أمى. أم أبكى عليك يا أبى.

اليوم موسم. من الأمس أنتظر دخولك على دافعا الفرح إلى قلبى. تهدهد حزنى وتمسح دمعة على فراق أمى، كانت تُحمِّل معك خرجىْ الحمارة بالخيرات. أو كنت ترسلها قائلا: شوفى أهلك بالمرة.

أه.. يا أبى.

اليوم صرت يتيمة حقا.

فتحى
ربما تكون صلابة أمى وجفاف المعاملة بيننا هو ما دفعنى مرارا إلى ترك بيتنا فى الزقازيق والهرب إلى أى مكان. ولم أعرف أنها ستبكى وحدها بسبب ذلك

لأننى بعد ست سنوات. حين سافرت إلى أسوان لاستكمال تعليمى بإحدى معاهدها.

كتبت رسالة.

عن الولد الذى قيدنى وسط حديقة عامة أمام مبنى المحافظة جعلنى أنطر للبواخر الرابضة فى النيل وهى تضج بالسياح والرقص على موسيقى صاخبة، تصاحب الأجساد الراغبة فى المرح والدوران حول بعضها ناظرة لجمال السيقان. أعواد الأجنبيات النحيفات تطلق الذاكرة إلى بلاد الثلج والشتاء والسفر أو تفتح فى النفوس رغبة متلهفة للعناق والمضاجعة التى يحيل دون وقوعها رجال أمن البواخر أو الفنادق.. هكذا أخبرنى صديقى الأسوانى مصطفى إدريس ( والعهدة على القائل ) كان مصطفى بالنسبة لى حضنا وأمنا من سخط المدينة.. راح إلى الأقصر واشتغل بفنادقها.. صرت لا أراه إلا لماما وأنا هنا ينفرد بى الولد الذى شد ـ على مهل ـ حبال الذاكرة وملأنى برغبة حميمة أن أرى إخوتى، فالليلة موسم. هم الآن حول الطبلية، أبى يوزع عليهم الدجاجة التى ربتها أمى على سطح بيتنا، وطهتها ثم حمرتها ووضعتها أمام أبى قائلة: ياراجل كده تضحك على نفسك. فين منابك؟. فيقول: بس العيال تاكل.

لماذا كتبت هذه الرسالة فى تلك الليلة؟ لا أعرف وفى النهاية أكلت سندوتشاتى وتمشيت فى المدينة أنظر الناس فى شارع السوق كأنه شارع البوستة فى الزقازيق وقت رمضان ملئ بالبازارات ومحلات العطارة ورائحة البخور تميز الشارع. أبناء البلد فى أعينهم حماس، خطواتهم واثقة وثابة. يدعون السواح للمشاهدة وعيون الغرباء تدور كأنها تبحث عن شئ مفقود؛

كانوا جميعا ممتلئين بالحياة إلا أنا.

لا أعلم أن أمى ستبكى بعد سماع رسالتى من أبى. مع سندوتشات الفول والطعمية ولم تقرب الطعام فى الموسم التالى. منتصف شعبان.

ذلك الحنان الدفاق فى قلب أمى كان دائما يختبئ وراء صلابة وجهها.

تمنحنا دفأها بالقطارة. ربما لأنها تولت أمرنا صغارا حين اشتغل أبى فى مسجد ( بالطالبية) وكنا بطاروط. كيف تدعو علينا بالموت ونحن أبناؤها. وتضربنا بعنف عند الخطأ. كانت تربط أخى وجيه بالسرير.. نعم كان شقيا وأبى غائب وهى أم وأب ولكن لماذا تعنف أبيها عند زيارته قائلة: ماشى ورا المره..

جدى مرزوق يضحك ويلاطفها.

ظللت فترة طفولتى وصباى حتى أيام ثانوى وأنا لا أفهم خشونتها المتعمدة.

حتى ضقت يوما بدعائها علينا وأوامرها، فشجعنى ذلك الولد الذى أتمنى الخلاص منه أو منى ـ على التمرد ـ كسر هدوئى ودفعنى للسفر وترك البيت، فسافرت إلى عرفه خالى فى مسطرد لأول مرة بلا عنوان.

عرفه
استطعت أخيرا أن أرى النور والأرض تفتح ذراعيها لى. وحدى فأضرب الفأس فى بطنها. أعدل خطوطها وأرتاح من عذاب النفس، كلما أنظر فى عينيك يا أبى.. كل ابن آدم خطاء.. وأنا جهزت قيراطا فى آخر الأرض وزرعت الباذنجان وصرت نحلة لا تهدأ، فى أرضك ـ يا أبى ـ لعلك ترضى. أحس أنك تشك. تغوص فى عينى. ماء الطبيخ لم يزل على صدرى. ذلك المساء ـ من عامين ـ أغلقت الباب دونى فتسلقته مستندا على حائط الجيران بعدما نفدت كل الحيل، نزلت السلم على أطراف أصابعى فاجأتنى بضربة عنيفة كلها غل ومرارة. ضربة عطلت ساقى أياما. ضربة انتقام ويقين. كانت مديونة وكنت أضربها. وقف الباب بيننا واسترجعت دفاترها وحضر الطاهر.

الحمد لله.. غارت.

جمعت معهم ما يحتاجونه من ملابس متظاهرا بالضيق كانت زنوبه ترمينى بنظرة أعرفها. نوال تخفى فرحها وتقول: كده تسيبنا يا با مرزوق. فلا يرد أظن إنه يهرب من الأرض. ألم يختبرنى؟! ليعلم مدى فلاحى.. أم يكرهنى؟؟!!!

فليكن ما يكون.

يذهبون جميعا إلى الزقازيق، إلى الجحيم. لا يهم. يخدم فى مسجد أم يخدم فى أى مكان يحب؛ كل واحد حر لتخلو الدار.

أنا ونوال وفتحيه ابنتى فقط. نجرى ليلا فى الدار ـ يا نوال ـ ولا أحد.

لوتمتلئين قليلا. عودك ممصوص، وعيناك غجريتان. أخذتَ زنوبه يا أبى، من أغيظها وأدفع أمامها نوال. أمسك بثديها فتأكلك الرغبة يا زنوبه.

كأنك زنوبه يا نوال ولا فرق مادامت الرغبة فى حر الصيف تفور فى عروقنا، ولا تهدأ.

وقفت نوال عارية وسط الدار.

وأنا يشغلنى ضحكها المغناج، وجريها الملسوع، طويلة ككافورة، ممصوصة لكنها ممتلئة برائحة النساء.. جريت وراءها. فأغلقت دونى الباب، فتذكرت زنوبه. انفتح الباب دخلت مهزوما، فانتصرت لى برقصها. أولجت محراثى فى أرضها.. رويتها … ثم همدت من التعب.

فى العصارى ركبت الحمارة وسحبت البهائم، قطعت الحشائش الضارة من القطن.

القطن الثانى بعد زواجى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...