مقتطف العربي عبدالوهاب - من رواية "لأنهم يموتون فى الربيع" (7)

7


الطاهر
صحوت اليوم شاعرا بأن رأسى ثقيلة، غير راغب فى الذهاب للشغل. لكن المرأة ضربتنى بساقها وهى نائمة. لم أفتح عينى. ظلت خيالات سوداء تتراءى لى كأننى فى بيت واسع كبير متعدد الفتحات. تطل منه رؤوس مخيفة.. أهرب. رغم يقينى أن نجلاء لكزتنى ثانية ولم أنهض. كررت، فانتفضت بضيق. كان ريقى ناشفا، شربت الماء من الحنفية، وضربت ببعضه وجهى الذى لم يفق إلا على لسعات البرد، أدوس على بدال العجلة وأنطلق.

كل يوم فى ذلك الملل والزحام والناس. وجوه تفاجئك بابتسامة باهتة. أضع الطبق فى كشك خشبى.. أفرغ الطعمية والبيض والطماطم وأرغفة الخبز والجبن القريش. ويأتون يطالبون كما لو كانوا سادة. اليوم أحس أنى راغب فى التخلص من كل ما معى. من الناس والكشك والبيع والمماطلة، وتسجيل بقايا حساباتهم فى كراسة بالية. آه.. لو أوزع شرودى وألمى على شقوق هذه المدينة الواسعة. ألطمها بيدى ولو لطمة واحدة وأنام.. أنام بدون رفص امرأتى وطلبات حماتى، وطبق الترمس فى العصارى بين شوارع تلطمها شمس الغروب. لماذا أفيق اليوم ـ هكذا ـ مهموما.. حزينا، ورؤوس غريبة ذات ملامح غليظة، تمد أذرعها الطويلة نحوى كأنها تدفعنى إلى بئر بلا قرار. أصرخ متشبثا بيد أحد.. ولا أحد. فقد تباعدت البيوت وبدت رمال واسعة حول ذلك البيت المتهدم. ضحك عرفه حين أخبره السيد ابنه بأننى وقعت فى حفرة، جذبه من يده لنجدتى. قال عرفه: مجنون. ونجلاء بدلا من مد يدها حلت شعرها وشقت ثوبها فاضحة اللحم، واندهشت إذ مدت زنوبه يدها وحاولتْ. ومددتُ يدى. أوشكت على لمس يدها.. يبدو أن أحدا داعب جسدها فأفلتت يدى.. وتمايلت رؤوسهم الغليظة حين تجمعت عند رأس الحفرة ملامحك يا أبى. كانت واضحة وواضح تضييق عينيك وأن تتفل فى وجهى.

أنهيت ما بالطبق كأنى أرمى به للكلاب. ذهبت إلى ر ئيس المكتب أخذت تحويلا للتأمين الصحى هناك شكوت آلاما وهمية.. ولم أصرف الأدوية؛ قالت نجلاء على الغداء: أجازة ليه ما انت حلو. عند العصر كان طبق الترمس فوق رأسى ورأسى ثقيلة تشكو لرب العباد الخبط الدائم، دق المسامير لا يخف، درت كثيرا ولم ألب نداءات عديدة. لأننى كنت أفيق عليها بعد عبورها بمسافة. كانت عربة الأنابيب تسحبنى لأركبها.. أقذف بالأنابيب إلى وجوه صارخة هائجة. تعبت فأدرت ظهرى لاعنا الغروب والعيال التى تشد جلبابى. الطبق مازال ممتلئا.

يا رب تعبت من الدوران وكلت قدمى. فجأة، ضربة فى الظهر طيرت الطبق من فوق رأسى، ورمت بى بعيدا. كادت العجلات أن تعلن القرار لولا يقظة غبية من السائق الذى سبنى ولم أرد.

إليك يا نجلاء أندفع.. إلى ظلمة الأودة، أغلقى كل الأبواب.. دعينى أنام كى أتخلص من الدق.

لا أرغب فى السير والترمس والشغل، السيارات سريعة، وأنا متعب يا حمادة.

ارتميت ممسكا برأسى، غطتنى نجلاء، وكانت بهيه تحاول أثناء نومى ـ وأنا ضائع فى ظلام أكثر سوادا ـ أن ترقينى وتملس على ظهرى بحنان.

أرتاح لدفء يدها وأنام.



بهيه
أنت يا طاهر ليس لك غير الشهادة.

" واللى تغلبُّه إلعبُّه "

أبوك لا يكرهك.

ربما تكون زنوبه قد وضعت غمامة على عينيه، فدار حواليها، أعلم أنه سريع الغضب بطبعه ولا نتفاهم معه.

لكن يا أخى عيش. وذاكر. وانجح.

الدنيا مثل جمل كبير لا ينخ إلا للأقوياء.



مرزوق
أغلقت كل الأبواب بنفسى واستكنت صاحيا تلك الليلة. ربما هى الأخيرة لها.. أو لى. أعتقد أن أحدا سوف يأتى , واحد سوف يطرق الباب. وعلى غفلة منى تتسحب زنوبه معتقدة أننى نائم. عندها يكون شخيرى عاليا.. عاليا. يغطى على كل مخاوفها. سوف أقتلك إذا فتحت الباب أو تقتلينى. لن أترك شيبتى تعبثين بها. لن أترك جلبابى تفترشه الديوك وتتصارع عليه. الليل سكون وتأهب دائم. إشارة المتلهف للجسد المترجرج من يطفئ نار الرغبة، نارى لو وزعت على ظلام طحلة لأشعلته حريقا. يأخذ فى طريقه محمد وإبراهيم والقادم إذا كان ابنى. خسرت كثيرا كان هنا خبزا وأرضا و … عرفه. هل تمرح الآن يا عرفه فى أرض أبيك. تأكل الجرجير والخيار والقثاء. تتكرع كبغل. كلهم بغال. يحرق الصيف خراطيم رغبتهم.. يدورون على كل الخرابات، بغية العثور على كلبة قحبة تسحبهم وراءها. يتعلق بفرجها من ترغبه. حتى آخر الليل. أنا وشخيرى حماران يهزان أذنيهما الطويلتين وينامان واقفين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...