حسام الدين فياض - إعادة تشكيل الإنسان والمجتمع في سوريا: الفقر واقتصاد الحرب وآليات التحول الاجتماعي

(دراسة تحليلية - استشرافية لمرحلة ما بعد سقوط نظام الأسد البائد)
لا تقاس آثار الانهيار الاقتصادي بحجم ما يفقده المجتمع من ثروة فحسب، بل بحجم ما يعيد تشكيله في الإنسان من قيم ووعي وأنماط سلوك. وعندما يتحول الفقر إلى واقع بنيوي، ويتحول اقتصاد الحرب إلى آلية لتنظيم الحياة اليومية، لا تعود الأزمة أزمة معيشية عابرة، بل تتحول إلى قوة اجتماعية تعيد إنتاج المجتمع وفق قواعد جديدة، تغدو معها إعادة تشكيل الإنسان أخطر، على المدى البعيد، من تدمير الاقتصاد نفسه “ (الكاتب).
****(1)****​

لا يكشف الانهيار الاقتصادي الذي أعقب سقوط نظام الأسد البائد عن أزمة مالية أو معيشية فحسب، بل يكشف عن تحول عميق في البنية الاجتماعية والنفسية للمجتمع السوري. فالأزمات الاقتصادية الكبرى لا تقاس فقط بحجم الخسائر التي تلحق بالإنتاج والدخل، وإنما بقدرتها على إعادة تشكيل الإنسان وإعادة تعريف العلاقات الاجتماعية ومنظومة القيم التي يقوم عليها المجتمع. وكلما طال أمد الانهيار واتسعت دائرة الفقر، انتقلت الأزمة من كونها حدثاً اقتصادياً طارئاً إلى بنية اجتماعية قادرة على إنتاج آثارها وإعادة إنتاجها بصورة مستمرة. وعند هذه المرحلة، لا يعود الفقر نتيجة للانهيار الاقتصادي، بل يصبح أحد أهم العوامل التي تعيد تشكيل المجتمع، وتحدد طبيعة تفاعلاته، وتوجه مسار تطوره في المستقبل.

ويظهر اتساع رقعة الفقر إلى مستويات غير مسبوقة أن المجتمع يدخل مرحلة تختلف نوعياً عن المراحل التي تمر بها الاقتصادات في فترات الركود أو الأزمات الدورية. ففي الظروف الطبيعية، يحتفظ المجتمع بقدر من التوازن يسمح للمؤسسات الاقتصادية والاجتماعية باستعادة وظائفها تدريجياً مع تحسن الظروف. أما عندما يتحول الفقر إلى واقع يطال غالبية السكان، فإنه يفقد صفته بوصفه أزمة معيشية مؤقتة، ويغدو بيئة اجتماعية شاملة تعيد تنظيم حياة الأفراد وفق منطق جديد تحكمه الندرة وعدم اليقين والصراع على الموارد المحدودة. بذلك، لا تتغير القدرة الشرائية وحدها، بل تتغير أيضاً طريقة إدراك الإنسان للعالم، وتعاد صياغة أولوياته، وتتبدل معاييره في تقييم ذاته والآخرين، لأن السلوك الإنساني يتأثر بالبيئة التي يعيش فيها بقدر تأثره بالقيم التي يؤمن بها.

ويفرض هذا الواقع تحولات نفسية عميقة، لأن استمرار الحرمان الاقتصادي لا يستنزف الدخل فقط، بل يستنزف الشعور بالأمان والسيطرة على المستقبل. فالإنسان الذي يعيش سنوات طويلة تحت ضغط الخوف من فقدان الغذاء أو الدواء أو المسكن، لا يبقى أسير أزمة مالية فحسب، وإنما يدخل في حالة من التوتر المزمن تعيد تشكيل آليات التفكير واتخاذ القرار. وتحت هذا الضغط، تنكمش القدرة على التخطيط طويل المدى، وتتراجع المبادرة الفردية، ويحل التفكير في النجاة اليومية محل التفكير في الإنجاز والتنمية. ومع تراكم هذه الخبرات، يتكون نمط نفسي يقوم على الاعتياد على الأزمات، ويصبح الإحساس بالعجز وفقدان القدرة على التأثير في الواقع جزءاً من الخبرة اليومية للأفراد. ولا تمثل هذه الحالة استجابة نفسية فردية معزولة، بل تتحول إلى ظاهرة جمعية عندما يشترك فيها معظم أفراد المجتمع، فتنعكس على الثقافة العامة وعلى طبيعة العلاقات الإنسانية.

ويعيد هذا التحول النفسي تشكيل البناء الاجتماعي بصورة تدريجية. فالمجتمعات التي تتسع فيها دائرة الفقر لا تفقد جزءاً من ثروتها فقط، وإنما تفقد تدريجياً جزءاً من رأسمالها الاجتماعي، أي شبكة الثقة والتعاون والالتزام المتبادل التي تسمح للمجتمع بالعمل بوصفه وحدة متماسكة. فكلما اشتدت المنافسة على الموارد المحدودة، ازدادت النزعة إلى حماية المصالح الفردية، وتراجعت قدرة العلاقات الاجتماعية على أداء وظائفها التقليدية في الدعم والتكافل والتضامن. ولا يعني ذلك اختفاء القيم الأخلاقية من المجتمع، وإنما يعني أنها تصبح عاجزة عن مقاومة الضغوط البنيوية التي يفرضها واقع الحرمان المستمر. وهكذا، لا يتراجع التضامن لأن الناس فقدوا استعدادهم الأخلاقي للتعاون، بل لأن البيئة الاقتصادية أصبحت تدفعهم، في كثير من الأحيان، إلى تقديم النجاة الفردية على المسؤولية الجماعية.

ولا يقتصر أثر الفقر على إعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية، بل يمتد إلى إعادة إنتاج منظومة القيم ذاتها. فالقيم ليست كيانات جامدة، وإنما هي نتاج تفاعل مستمر بين الثقافة والواقع الاجتماعي. وعندما يصبح البقاء هو الهم الأول لغالبية الناس، تتغير معايير الحكم على السلوك، وتفقد بعض القيم المرتبطة بالإنتاج والانضباط والعمل طويل الأمد جزءاً من فاعليتها، بينما تكتسب قيم التكيف السريع والبحث عن أي فرصة للبقاء حضوراً أكبر داخل الحياة اليومية. ومن هنا، تبدأ الأزمة الاقتصادية بالتحول إلى أزمة ثقافية، لأن المجتمع لا يغير فقط أساليب كسب العيش، بل يغير أيضاً طريقته في فهم النجاح والعدالة والكرامة والاستحقاق.

وتكشف هذه التحولات مجتمعة أن أخطر نتائج الانهيار الاقتصادي لا تتمثل في اتساع دائرة الفقر وحدها، وإنما في انتقال الفقر من كونه نتيجة للأزمة إلى كونه قوة اجتماعية تعيد إنتاجها. فكلما طال أمد الحرمان، ازدادت هشاشة المجتمع، وضعفت مؤسساته، وتراجعت قدرة الاقتصاد النظامي على استيعاب حاجات الناس، لتنشأ تدريجياً بيئة اقتصادية واجتماعية جديدة تبحث عن بدائل خارج الأطر الطبيعية للإنتاج والعمل. وعند هذه النقطة، لا يبقى الفقر نهاية الأزمة، بل يصبح بداية لتحول أكثر عمقاً يتمثل في نشوء اقتصاد الحرب، الذي لا يعيش على هامش المجتمع، بل ينمو داخل الفراغ الذي خلفه انهيار الاقتصاد الإنتاجي، ويعيد تشكيل المجتمع وفق قواعد تختلف جذرياً عن القواعد التي حكمته قبل الأزمة.
****(2)****​

وينتج الفراغ الذي يخلفه انهيار الاقتصاد الإنتاجي ظهور أنماط اقتصادية بديلة لا تقوم على الاستثمار أو التنمية، وإنما على إدارة الندرة واستثمار الفوضى. فالمجتمع لا يستطيع أن يعيش في فراغ اقتصادي، وعندما تتراجع قدرة الدولة ومؤسساتها على تنظيم الإنتاج وتوفير فرص العمل وضبط الأسواق، تتقدم قوى غير رسمية لاحتلال هذا المجال، فينشأ ما يعرف باقتصاد الحرب بوصفه منظومة اقتصادية واجتماعية متكاملة، لا بوصفه مجرد نشاط غير مشروع على هامش الاقتصاد. ومن هذه اللحظة، تبدأ قواعد جديدة في تنظيم الحياة الاقتصادية، حيث تحل شبكات النفوذ والاحتكار والتهريب والاقتصاد غير الرسمي محل المؤسسات الإنتاجية، ويتحول الوصول إلى الموارد إلى مسألة ترتبط بالقوة والقدرة على التحكم أكثر من ارتباطها بالكفاءة والعمل والإنتاج.

ويكشف هذا التحول أن اقتصاد الحرب لا يغير وسائل تحقيق الدخل فحسب، بل يعيد تعريف مفهوم الشرعية الاقتصادية داخل المجتمع. ففي الاقتصاد الطبيعي، يكتسب العمل قيمته لأنه يسهم في إنتاج الثروة، وتكتسب المهنة احترامها لأنها تحقق منفعة اجتماعية، بينما يقاس النجاح بقدرة الفرد على الإبداع والإنتاج والالتزام. أما في اقتصاد الحرب، فإن هذه المعايير تبدأ بالتراجع تدريجياً، لتحل محلها معايير جديدة تمنح الامتياز لمن يمتلك القدرة على السيطرة على الموارد النادرة أو التحكم في شبكات توزيعها. وعندما تستمر هذه الحالة زمناً طويلاً، تتبدل الصورة الذهنية للنجاح في الوعي الجمعي، فلا يعود العمل المنتج هو الطريق الأكثر فاعلية لتحقيق المكانة الاجتماعية، بل يصبح النفوذ والاحتكار والثراء السريع عناصر تحظى بحضور متزايد داخل المخيال الاجتماعي. وهنا تكمن خطورة اقتصاد الحرب، لأنه لا يغير الاقتصاد فقط، بل يغير المعايير التي يحكم المجتمع من خلالها على العمل والنجاح والاستحقاق.

ويؤدي هذا التحول إلى إعادة تشكيل البناء النفسي للأفراد بقدر ما يعيد تشكيل البناء الاقتصادي. فالإنسان الذي يلاحظ باستمرار أن الالتزام بالقانون والعمل المنتج لم يعودا يضمنان له الحد الأدنى من الاستقرار، بينما تحقق الممارسات غير المشروعة مكاسب سريعة، يبدأ تدريجياً بإعادة تقييم قناعاته وسلوكه. ولا يعني ذلك أن الأفراد يتخلون عن قيمهم الأخلاقية بإرادتهم، وإنما يجدون أنفسهم أمام تناقض دائم بين القيم التي تعلموها والواقع الذي يعيشونه. ومع استمرار هذا التناقض، تتولد حالة من الإحباط وفقدان الثقة بجدوى الالتزام، ويترسخ شعور بأن قواعد المجتمع المعلنة تختلف عن قواعده الفعلية. وحسب علم النفس الاجتماعي، تعد هذه الحالة من أخطر نتائج الأزمات الممتدة، لأنها تضعف الدافعية نحو العمل المشروع، وتزيد قابلية الأفراد لتبرير السلوكيات التي كانوا يرفضونها في الظروف الطبيعية، ليس اقتناعاً بها، وإنما باعتبارها وسائل ضرورية للتكيف مع واقع فرض منطقه الخاص.

ومن هذا السياق، لا تعود الجريمة المنظمة والفساد مجرد انحرافات فردية أو ممارسات استثنائية، بل يتحولان إلى جزء من البنية الوظيفية للمجتمع. فكلما اتسعت الفجوة بين الحاجات الإنسانية والفرص المشروعة، ازدادت قدرة الشبكات غير القانونية على استقطاب الأفراد، لأنها تقدم لهم ما عجزت المؤسسات الرسمية عن توفيره. وبمرور الوقت، تتوسع هذه الشبكات، وتتداخل مصالحها مع الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فتتحول إلى مراكز قوة تمتلك القدرة على التأثير في توزيع الموارد وفرص العمل ومسارات التبادل الاقتصادي. وهكذا، يصبح الفساد آلية لإدارة العلاقات، وتصبح الجريمة المنظمة وسيلة لإعادة توزيع الثروة، لا لأن المجتمع فقد أخلاقه، بل لأن البنية الاقتصادية الجديدة جعلت هذه الممارسات تؤدي وظائف اقتصادية واجتماعية لم تعد المؤسسات الشرعية قادرة على أدائها.

وتنعكس هذه التحولات مباشرة على الأسرة، لأنها تمثل الحلقة الأولى في إنتاج القيم ونقلها بين الأجيال. فعندما يعجز الاقتصاد المشروع عن تأمين حياة مستقرة، تصبح الأسرة أمام أزمة تتجاوز حدود الدخل إلى أزمة في المعنى التربوي ذاته. ويجد الآباء صعوبة في إقناع أبنائهم بأن الاجتهاد والتعليم والعمل المنتج هي الطريق الطبيعي للنجاح، بينما يشاهد الأبناء نماذج اجتماعية تحقق النفوذ والثروة عبر وسائل لا تستند إلى الكفاءة أو القانون. ومع استمرار هذا التناقض، تفقد عملية التنشئة الاجتماعية جزءاً من قدرتها على ترسيخ القيم التقليدية، لأن الواقع اليومي يناقض الخطاب التربوي، فتظهر فجوة بين ما يتعلمه الأبناء نظرياً وما يشاهدونه عملياً. وعند هذه المرحلة، لا تعود الأزمة اقتصادية أو أخلاقية فحسب، بل تصبح أزمة في إعادة إنتاج المجتمع نفسه، لأن القيم التي تنتقل إلى الجيل الجديد تصبح أكثر ارتباطاً بمنطق التكيف مع اقتصاد الحرب منها بمنطق المشاركة في بناء اقتصاد منتج.

ويؤكد هذا المسار أن الفقر واقتصاد الحرب لا يمثلان أزمتين منفصلتين، وإنما يشكلان منظومة واحدة يعزز كل عنصر فيها الآخر. فالفقر يضعف الاقتصاد النظامي ويفتح المجال أمام اقتصاد الحرب، بينما يعمل اقتصاد الحرب على تعميق الفقر من خلال إضعاف الإنتاج، وترسيخ الاحتكار، وتوسيع الفساد، وإعادة توزيع الموارد بعيداً عن معايير الكفاءة والعدالة. وهكذا يدخل المجتمع في حلقة مغلقة يعيد فيها الانهيار الاقتصادي إنتاج الانهيار الاجتماعي، ويعيد الانهيار الاجتماعي إنتاج الانهيار الاقتصادي، حتى يصبح الخروج من هذه الدائرة أكثر تعقيداً من مجرد تحسين المؤشرات المالية أو استعادة النشاط الاقتصادي، لأن الأزمة تكون قد انتقلت من الأسواق إلى البنية العميقة للمجتمع، وهي القضية التي تفرض سؤالاً أكثر أهمية كيف يمكن لمجتمع تشكل وعيه وقيمه في ظل الفقر واقتصاد الحرب أن يستعيد توازنه الاجتماعي في المستقبل؟
****(3)****​

المخرج من عُنق الزجاجة... يتمثل في إعادة بناء الاقتصاد الإنتاجي الوطني، بوصفه المدخل الحقيقي لتجاوز حالة الانسداد الاقتصادي والاجتماعي التي يعيشها المجتمع، لأنها تنقله من إدارة الأزمات إلى صناعة التنمية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة. بمعنى أوسع يفرض هذا الواقع إعادة النظر في طبيعة التعافي الذي يحتاجه المجتمع السوري بعد سنوات الانهيار الاقتصادي والاجتماعي، لأن المجتمع الذي تشكل وعيه في ظل الفقر واقتصاد الحرب لا يستطيع استعادة توازنه بمجرد تحسن المؤشرات الاقتصادية. فالاقتصاد، مهما بلغت أهميته، ليس سوى أحد مكونات البناء الاجتماعي، أما استقرار المجتمع فيرتبط بمنظومة أوسع تشمل الثقة والقيم والمؤسسات وأنماط العلاقات الإنسانية. وعندما تتعرض هذه المنظومة لتغيرات عميقة وممتدة، تصبح عملية التعافي أكثر تعقيداً من إعادة تشغيل عجلة الإنتاج أو زيادة معدلات النمو، إذ يتحول التحدي الحقيقي إلى استعادة الإنسان القادر على الثقة والعمل والإنتاج والمشاركة في بناء المجال العام. ومن هنا، فإن أخطر ما تركه الانهيار الاقتصادي ليس اتساع دائرة الفقر في الحاضر، بل إعادة تشكيل الإنسان الذي سيصنع مستقبل المجتمع.

ويؤكد هذا التحول أن المجتمعات لا تورث أبناءها الثروات والأصول المادية فحسب، بل تورثهم أيضاً خبراتها النفسية والاجتماعية. فإذا نشأ جيل كامل في بيئة يسودها الحرمان، ويعتاد فيها غياب الاستقرار، ويتعامل يومياً مع اقتصاد يقوم على الندرة والاحتكار والفساد، فإن هذه الخبرات لا تنتهي بانتهاء الأزمة، بل تتحول إلى جزء من شخصيته الاجتماعية ومن طريقته في فهم الدولة والقانون والعمل والعلاقات الإنسانية. وعندئذ، لا يصبح الإرث الحقيقي للأزمة هو حجم الدمار المادي، وإنما الثقافة الاجتماعية التي خلفتها، لأن الإنسان يبني سلوكه في ضوء ما عاشه أكثر مما يبنيه في ضوء ما يطلب منه أن يؤمن به. ولهذا السبب، قد تتعافى الأسواق أسرع مما تتعافى الثقة، وقد ترمم المباني قبل أن ترمم العلاقات، وقد تعود المؤسسات إلى العمل بينما تبقى الثقافة التي أنتجتها سنوات الانهيار حاضرة في الوعي الجمعي.

ويعيد هذا الإرث طرح سؤال العدالة الاجتماعية بوصفه المدخل الأساسي لأي مشروع تعاف مستدام. فالمجتمعات الخارجة من الأزمات لا تحتاج إلى إعادة توزيع الموارد فقط، وإنما تحتاج إلى إعادة بناء الإيمان بأن الفرص تكتسب بالاستحقاق، وأن القانون يطبق على الجميع، وأن العمل المنتج هو الطريق الطبيعي لتحقيق المكانة الاجتماعية. فكلما تأخر ترسيخ هذه القناعة، ازدادت صعوبة تفكيك البنية الاجتماعية التي رسخها اقتصاد الحرب، لأن الأفراد سيستمرون في تفسير الواقع وفق الخبرات التي تعلموها خلال سنوات الأزمة، لا وفق القواعد الجديدة التي تحاول الدولة أو المؤسسات ترسيخها. ولذلك، فإن إعادة بناء الثقة ليست قضية أخلاقية مجردة، بل شرط بنيوي لإعادة إنتاج مجتمع قادر على الانتقال من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد التنمية.

ويكشف لنا هذا التحليل أن التعافي الاقتصادي والاجتماعي ليس مسارين منفصلين، بل عملية واحدة يتوقف نجاح كل جزء منها على نجاح الجزء الآخر. فلا يمكن للاقتصاد أن يستعيد إنتاجيته في مجتمع تآكلت فيه الثقة، كما لا يمكن للمجتمع أن يستعيد تماسكه في ظل اقتصاد يعيد إنتاج الفقر واللامساواة والفساد. ولهذا، فإن إعادة بناء سوريا لا ينبغي أن تقاس بعدد المشروعات أو بحجم الاستثمارات وحدها، وإنما بقدرتها على استعادة رأس المال الاجتماعي الذي استنزفته سنوات الانهيار، وإحياء المؤسسات القادرة على حماية القانون، وتعزيز التعليم، وترسيخ قيم المسؤولية والإنتاج والمواطنة، لأن هذه العناصر هي التي تمنح أي نمو اقتصادي قابلية للاستمرار، وتمنع المجتمع من العودة إلى الدائرة التي أنتجت أزمته.

ويخلص هذا المسار إلى أن الانهيار الاقتصادي بعد سقوط نظام الأسد البائد لم يكن حدثاً اقتصادياً منفصلاً عن المجتمع، بل كان نقطة تحول أعادت صياغة العلاقة بين الإنسان والاقتصاد والقيم والمؤسسات. فالفقر لم يعد مجرد مؤشر على تراجع مستوى المعيشة، وإنما تحول إلى قوة أعادت تشكيل الوعي والسلوك والعلاقات الاجتماعية، بينما لم يعد اقتصاد الحرب مجرد استجابة ظرفية لغياب الاستقرار، بل أصبح منظومة أعادت تعريف معايير النجاح والسلطة والشرعية داخل المجتمع. ومن ثم، فإن مستقبل سوريا لن يتحدد فقط بقدرتها على إعادة بناء اقتصادها، بل بقدرتها على إعادة بناء الإنسان الذي أنهكته سنوات الحرمان، واستعادة المنظومة القيمية التي تمنح العمل معناه، والعدالة مشروعيتها، والثقة دورها في توحيد المجتمع. فالمجتمعات قد تنجح في إعادة إعمار ما تهدمه الحروب من عمران، لكنها لا تحقق نهضتها الحقيقية إلا عندما تنجح في إعادة إعمار الإنسان، لأن الإنسان هو الذي يبني الاقتصاد، بينما لا يستطيع الاقتصاد، مهما بلغ حجمه، أن يبني الإنسان إذا تركت منظومته النفسية والاجتماعية أسيرة لإرث الانهيار.

-------------------------------
باحث وأكاديمي سوري / الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...