كرة القدم د. إبراهيم عروش الدريسي - المغرب حين يكون الاحتواء عنوانًا للوطن

ليست الأمم بما تحققه من انتصارات فحسب، وإنما أيضًا بالطريقة التي تتعامل بها مع لحظات الإخفاق. ففي ساعة العثرة يظهر معدن الشعوب، وتتجلى قيمها الحقيقية بعيدًا عن ضجيج الشعارات.

حين أهدر إبراهيم دياز ضربة الجزاء، كان بإمكان موجة من الغضب أن تجتاح منصات التواصل، وأن يتحول اللاعب إلى هدف للانتقاد القاسي، كما يحدث في كثير من بقاع العالم. غير أن ما حدث في المغرب كان مختلفًا؛ إذ غلبت لغة الاحتواء على لغة الاتهام، وتعالت أصوات الثقة بدل أصوات اليأس، وكأن المغاربة جميعًا يرددون: إن الوطن لا يتخلى عن أبنائه بسبب عثرة، وإنما يساندهم حتى يستعيدوا بريقهم.

ولم يطل الانتظار حتى عاد إبراهيم دياز ليؤكد أن الثقة كانت في محلها، فصنع الأهداف، وأسهم في إسعاد الجماهير، لتتحول ضربة الجزاء الضائعة إلى مجرد تفصيل صغير في مسيرة لاعب كبير. وهكذا انتصر الاحتواء على الانفعال، وانتصرت الثقة على الإحباط.

وهذه ليست مجرد قصة لاعب كرة قدم، بل هي مرآة لروح المغرب. فالمغرب وطن اعتاد أن يحتضن أبناءه، لا أن يقصيهم، وأن يمنحهم فرصة النهوض بدل أن يدفنهم تحت ركام الأخطاء. ولذلك لم يكن مستغربًا أن يشعر كل من اختار حمل القميص الوطني، مهما كان موضع ميلاده أو أصوله أو ديانته، بأنه بين أهله وناسه. ففي هذا البلد، الانتماء لا يُختزل في مكان الولادة، بل يُترجم بالإخلاص للوطن والعطاء من أجله.

لقد قال المغفور له الحسن الثاني ذات يوم: المغرب بلد التحدي. ولم تكن تلك عبارة عابرة، بل كانت قراءة عميقة لشخصية أمة استطاعت عبر التاريخ أن تواجه الأزمات بثبات، وأن تحول الصعوبات إلى أسباب للنهوض. ولعل الزمن أضاف إلى هذه الحكمة بعدًا آخر، فأصبح المغرب أيضًا بلد الاحتواء؛ يحتضن أبناءه، ويؤمن بقدرتهم على تجاوز العثرات، ويمنحهم الثقة قبل أن يطالبهم بالإنجاز.

وفي الاتجاه نفسه، وصف المفكر والمؤرخ عبد الله العروي المغرب بأنه جزيرة . ولم يكن يقصد انفصالًا عن العالم، وإنما خصوصية حضارية وسياسية جعلت للمغرب شخصيته المستقلة، وقدرته على بناء نموذجه بعيدًا عن صخب المحيط وتقلباته. إنها جزيرة بالمعنى الحضاري؛ راسخة الجذور، منفتحة على العالم، لكنها عصية على الذوبان وفقدان الذات.

ومن هنا، فإن ما نراه اليوم من تلاحم بين الشعب وأبنائه ليس وليد الصدفة، بل هو امتداد لتاريخ طويل من التشبث بالوحدة، والالتفاف حول الثوابت، والإيمان بأن قوة المغرب لا تكمن فقط في مؤسساته، بل أيضًا في شعبه الذي يعرف كيف يختلف دون أن يتفرق، وكيف ينتقد دون أن يهدم، وكيف يعاتب دون أن يتنكر لأبنائه.

إن المغرب ليس وطنًا مثاليًا يخلو من التحديات، لكنه وطن يملك ما هو أثمن من ذلك: شعبًا يعرف معنى الوفاء، وقيادةً رسخت عبر العقود أسس الدولة والاستقرار، وهو ما جعل المملكة، رغم كل التحولات الإقليمية والدولية، تحافظ على توازنها وتواصل مسيرتها بثقة.

لهذا، حين نفخر بالمغرب، فإننا لا نفخر بانتصار رياضي عابر، ولا بلحظة حماس مؤقتة، وإنما نفخر بثقافة كاملة عنوانها الاحتواء، وبهوية صاغتها قرون من التاريخ، وبوطن علّم أبناءه أن السقوط ليس نهاية الطريق، وأن اليد التي تمتد لرفع المتعثر أشرف من الإصبع الذي يشير إليه باللوم.

ذلك هو المغرب الذي نعرفه… مغرب التحدي والاحتواء، مغرب الوفاء والانتماء، المغرب الذي يظل كبيرًا بعرشه، وشعبه، وتاريخه، وبكل أبنائه الأوفياء

د. ابراهيم عروش الدريسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...