د. عبدالله إبراهيم - ينظرُ ولا يرى

زرتُ بيتَ طه حسين في القاهرة، البيتَ الذي قضى فيه العقود الأخيرة من حياته، وأمسى اليوم متحفًا لا يسرّ باحثًا شغوفًا بتراث طه حسين. فالأولى أن يغدو منارة معرفيةً تتيح للباحثين الاطلاع على آثاره وأفكاره، لا بضع غرف أودعت فيها بعض مقتنياته. حتى المكتبة الصغيرة التي تضمّ الكتب التي كانت بحوزته وقت وفاته لا يُتاح للزائر النظر فيها. مكتبة عتيقة موصدة الأبواب، تبدو عليها آثار الإهمال.
ومن دون عناية سيادية رفيعة تعيد الاعتبار إلى متحف يليق بمقام صاحبه، بما في ذلك إعادة تأهيل المبنى، وجعل الحديقة شبه المهجورة ضريحًا تذكاريًّا لرفات طه حسين، واقتناء ما يمكن جمعه مما كُتب عنه بالعربية وغيرها، فقد يؤول ذلك المبنى إلى النسيان، عاجلًا أم آجلًا.
تجوّلتُ في غرف المتحف بما تضمّه من مقتنيات عائلية قليلة، فلم يستوقفني منها شيء بقدر ما استوقفتني النظّارتان السوداوان، فهما، في نظري، أيقونة تمثّل تجربة مفكّر نظر إلى العالم بعقله، ولم يره بعينيه. لم يستعن بهما لتقوية بصرٍ كليل، لأنه فقد بصره منذ طفولته المبكرة، وإنما كانتا تستران أثر عماه عن أنظار غيره. إنهما تحجبان عينين انطفأ فيهما الضوء، لكنهما تفصحان عن بصيرة نافذة.
أطال طه حسين النظر في العالم، لكنه لم ير شيئا منه. النظر هو طلب الإدراك وتحقيق الفهم، أما الرؤية فانكشاف الشيء من دون اشتراط فهمه. قد يُحرم المرء نعمة الرؤية، ولكنه لا يُعدم مُكنة النظر. نظارتا طه حسين استعارة بلاغية نقلت صاحبها من مستوى الرؤية إلى مستوى النظر، ثم من مستوى البصر إلى مستوى البصيرة.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...