حيدر الأديب - قصيدة النثر خارج منطق المنصة: تحوّل الشعر من الحضور الصوتي إلى بنية القراءة

كانت المنصة نظامًا جماليًا كاملًا أنتج نوعًا محددًا من الشعر. والقصيدة التي نشأت في فضاء المشافهة احتاجت إلى عناصر تساعدها على الوجود أمام الجماعة: الوزن الذي ينظم الذاكرة، والقافية التي تثبت الإيقاع، والتكرار الذي يرسّخ النبرة، والصورة التي تُلتقط بسرعة أثناء السماع. لذلك كان الإيقاع طريقة وجود القصيدة نفسها.
حين انتقل الشعر تدريجيًا من فضاء الجماعة إلى فضاء الكتابة تغير مركز التجربة الشعرية. لم يعد هنالك جمهورا حاضرا امام الشاعر ليخاطبه، صار الشاعر يخاطب قارئًا منفردًا يدخل النص عبر التأمل والتأويل. وهنا ظهر تحول عميق من بنية السمع الى بنية القراءة بمعنى لم يعد السؤال كيف تُسمع القصيدة، وتشكل بدل ذلك سؤالا جوهريا هو كيف تعمل القصيدة داخل اللغة.
قصيدة النثر جاءت من هذا التحول. إنها ليست قصيدة فقدت الوزن ثم حاولت تعويض نقصها، كما يتصور بعض خصومها، وإنما قصيدة اختارت نظامًا جماليًا آخر. إذ لا تبني مشروعها على الإيقاع الخارجي الذي يحمل المعنى، جوهرها مبني على تنظيم داخلي للعلاقات بين الكلمات والصور والفراغات والإيحاءات.
إن المنصة تحتاج إلى قصيدة ذات زمن قصير؛ لحظة الإلقاء محدودة، والمتلقي الجماعي لا يملك فرصة العودة إلى الجملة أو الصورة. لذلك تميل قصيدة المنصة إلى الوضوح النسبي، وإلى الجملة ذات القوة الصوتية، وإلى الإيقاع الذي يقود الانفعال.
أما قصيدة النثر فتعمل وفق زمن مختلف. زمنها ليس زمن الاستماع، وإنما زمن الاكتشاف. القارئ يعود إلى العبارة، ويتوقف عند صورة، ويعيد تركيب العلاقات بين الأشياء. ولهذا فإن قوتها لا تظهر في الأداء الصوتي وحده،
القوة الحقيقية لقصيدة النثر تظهر فيما تسميه الشعرية الحديثة / توتر اللغة/ المسافة بين المعنى المباشر والمعنى الممكن.
هنا تظهر أهمية التمييز بين الشعرية الصوتية والشعرية النصية. الشعرية الصوتية تجعل الجسد الصوتي للقصيدة مركز وجودها؛ أما الشعرية النصية فتجعل البنية الداخلية للنص مركزها. طبعا الموسيقى هنا لم تحذف، ما حدث هو انتقالها من الخارج إلى الداخل. قصيدة النثر لا تتخلى عن الإيقاع، الامر الذي يفقدها جوهرها في مئات الأمثلة. الإيقاع سمة لازمة لقصيدة النثر وكل ما في الامر إنها تعيد تعريفه بوصفه حركة داخلية تتولد من تتابع الصور، وتوتر الجمل، وتجاور الدلالات.
ولهذا فإن محاولة اختبار قصيدة النثر بمعيار المنصة تشبه اختبار الرواية بمعيار الخطابة. المعيار في هذه الحالة لا يناسب الموضوع. فالقصيدة العمودية قد تبلغ ذروة حضورها في الصوت، وقصيدة النثر قد تبلغ ذروة حضورها في الصمت.
وقد فهم هذا التحول عدد من منظري الشعر الحديث. أدونيس مثلا رأى أن أزمة الشعر ليست أزمة شكل خارجي، بقدر ماهي أزمة رؤية إلى العالم واللغة. واشتغل هانس روبرت ياوس على فكرة أن العمل الأدبي يتغير أثره بتغير أفق التلقي، فالنص لا يعيش في طريقة واحدة من الاستقبال. كما أن تصور بول ريكور عن تعدد مستويات المعنى في النص يوضح أن بعض الكتابات لا تكشف طاقتها في المواجهة الأولى، ولكن عبر فعل التأويل.
قصيدة النثر إذن ليست قصيدة منصة لأن بنيتها لا تقوم على الحضور الجماعي المباشر، قصيدة النثر ذات بنية تقوم على الحضور التأويلي. إنها تنتمي إلى لحظة أصبح فيها الشعر أقل ارتباطًا بفكرة الشاعر الذي يقف أمام الجماعة، وأكثر ارتباطًا بفكرة النص الذي يخلق قارئه الخاص.
مع ذلك فأن هذا لا يمنحها امتيازًا مطلقًا. فقصيدة النثر التي تفتقد التكثيف والإيقاع الداخلي تتحول إلى نثر مقطع، كما أن القصيدة الموزونة التي تفتقد الرؤية تتحول إلى مجرد بناء صوتي. القضية ليست في الشكل، سر وجوهر القضية يكمن في قدرة الشكل على إنتاج شعرية خاصة. قدرة على استنطاق الأشياء واستنطاق ذاته بذاته عبر تمظهرات اللغة والمعنى
إن قصيدة المنصة وقصيدة النثر تنطلقان من تصورين مختلفين لوظيفة الشعر: الأولى تجعل الشعر حدثًا يقع بين الشاعر والجمهور، والثانية تجعل الشعر تجربة تقع بين اللغة والقارئ. الأولى تبني حضورها في اللحظة، والثانية تبني حضورها في الذاكرة والتأويل. لذلك فهما لا تدخلان في منافسة مباشرة؛ لأن كل واحدة منهما تجيب عن سؤال جمالي مختلف.
قصيدة النثر ليست قصيدة منصة فاشلة، وإنما قصيدة خرجت من منطق المنصة أصلًا، واختارت أن يكون مسرحها الحقيقي هو الصفحة، حيث لا يعلو صوت الشاعر فوق النص، وإنما يتكلم النص وحده.

حيدر الأديب

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...