أ. د. سناء الشعلان (بنت نعيمة) - الأسطورة والتاريخ والأدب والرمز

الإطار الزمني الذي تنسب إليه حوادث الأسطورة مختلفٌ تماماً عن الزمن التاريخي للتجربة الإنسانية، ويعود في غالب الحالات إلى سالف العصر والأوان، ويُعتقد أنّ التاريخ في المجتمعات الإنسانية قد حلّتْ محلّه الأساطير، وهو يؤدي نفس الوظيفة، ولذلك فإنّ التاريخ ليس منفصلاً عن الأسطورة .
في حين أنّ الأسطورة تسجيل خاص مبسط لوقائع وأحداث وأمنيات. وفهم الأسطورة فهماً صحيحاً يقتضي إحاطة واسعة بتاريخ الأمة أو الدولة التي ظهرت فيها، وبجغرافيتها وبأحوالها الاجتماعية.فالأسطورة والتاريخ ينشآن عن التوق إلى معرفة أصل الحاضر، ولكنّهما يفترقان في القيمة التي نسبغها على ذلك الأصل. فهو أصل قُدسي عند الأسطورة، وأصل دنيوي مفرغ من الأسطورة في التاريخ. وبتعبير آخر، فإنّ الأسطورة تنظر إلى التاريخ باعتباره تجلٍّ للمشيئة الإلهية، أمّا التاريخ فينظر إلى موضوعه باعتباره تجلٍّ للإرادة الإنسانية في جدليتها مع قوانين فاعلة في حياة الإنسان الإجتماعية، وهذا يعني أنّنا أمام نوعين من التاريخ: تاريخ مقدّس، وتاريخ دنيوي.
ويتضحّ من دراسة الأساطير المختلفة أنّ الفكر الأسطوري توصّل في مراحله الأولى إلى الربط بين الحوادث التاريخية والظواهر الكونية، ومع انتقال البشر إلى حياة الاستقرار تعزّز ارتباطهم بالأرض، وتعزّز تصوّرهم لوحدة القبيلة والجنس، وظهرت إلى الوجود عبارة الأسلاف والأساطير التي تروي مآثرهم (الأساطير التاريخية) ثم حلّت محلّها أساطير الآلهة والأرباب السابقين (نشأة الكون وأصل الآلهة) وانتهت محاولات تحرّي المستقبل والحياة بعد الموت إلى ظهور أساطير الأخرويات.
وقد تقلّص الاهتمام بالبعد التاريخي للأسطورة شأنّه شأن تقلّص الاهتمام بالأسطورة منذ ازدهار نظرية النشوء والتّطور في نهاية القرن التاسع عشر، ولكنّه عاد إلى الأضواء مع مطلع القرن العشرين على يد علماء الأنثروبولوجيا واللغات، وتبع ذلك دراسات نفسية معمّقة وتطوير مناهج علم الاجتماع والأنثروبولوجية والدراسات الفلسفية والتاريخية. وظهر أصحاب المدرسة الذين يجدون وشائج حقيقية بين ما ترويه الأساطير وما يرويه التاريخ، فأصحاب هذه النظرية يذهبون إلى أنّ الوقائع التي ترويها الأساطير هي وقائع تاريخية احتفظت بها الذاكرة البشرية لفترة طويلة قبل أن يكتشف الإنسان الكتابة، وعزّز هؤلاء نظريتهم بالقول إنّ عدداً غير قليل من الأساطير القديمة هو نوع من التدوين البدائي للتاريخ، بمعنى أنّه يحتفظ في داخله ببعض الحقائق التاريخية الموغلة في القِدَم.
فالأسطورة ليست بدعة أو وهماً، بل هي مقولة جدلية ضرورية للوعي والوجود عامة. وفي ضوء ذلك يؤكّد الكثير من أصحاب هذه المدرسة أنّ كثيراً من مدونات القرنين السادس والخامس قبل الميلاد كانت تنزع إلى تحديد "تاريخ" لما ترويه، وأنّ التمييز بين التاريخيين: الأسطوري والتاريخي تمييز معاصر.
وقد تابع بعضهم القول: إنّه إن كان ثمة شيء من التاريخ في بعض الأساطير، فهو شبيه التاريخ الذي لا يسجل ما حدث، بل ما ظنّه الناس، أو اعتقدوا في أوقات مختلفة أنّه قد حدث أو هو تاريخ متنكّر فآلهة الأساطير رجال تجمّع حولهم ضباب الزمان والخيال، فضخّمهم، وصوّر أشكالهم حتى خلع عليهم صفة القداسة، بل أنّه قد ساد الاعتقاد زمناً في عصر النهضة أنّ الأساطير الدينية الوثنية هي تحريف للوحي التوراتي، ولم يتغيّر هذا الاعتقاد إلاّ عندما سنحت لهم فرصة للإطلاع على حضارات مصر والشام والرافدين وبلاد الشرق وشعوب أمريكيا، وتعرّفوا على أساطيرها.
وقد علّل أحد أقطاب مدرسة البعد التاريخي للأسطورة مرسيا الياد موقفه من تاريخية الأسطورة بقوله: إنّ ذكرى حدث تاريخي، أو شخصية حقيقية لا تدوم في الذاكرة الشعبية أكثر من قرنين أو ثلاثة، وتُعزى تلك الظاهرة إلى كون الذاكرة الشعبية تجد صعوبة في الاحتفاظ بالأحداث الفردية وبالوجوه الحقيقية، أنّها تعمل على نسق مغاير وبواسطة بُنى مختلفة، فتحتفظ بالأصناف بدلاً من الأحداث، وبالنماذج القديمة بدلاً من الشخصيات التاريخية.
وبذلك تغدو الأسطورة تاريخياً يُسجّل بطريقة خاصة، بل هو تاريخ ضمن أنساق إدراكية أخرى أنتجتها الذاكرة الإنسانية ضمن بُنى مختلفة، وخلعت عليها رداء الأسطورة، وجعلت منها أسطورة مؤرّخة –إن جاز القول- للتاريخ الحقيقي.

الأسطورة والرمز
يرى بعض علماء اللغة أنّ هناك حاجة إلى علم جامع يدرس الإشارات والرموز الأساسية في المجتمع، عبر دراسة التراكمات في التراث الإنساني، الذي تُعدّ الأسطورة من أبرز صور الترميز فيه.
ومع ظهور الحركة الرمزية في الأدب زاد الاهتمام بالاتجاهات الرمزية للإنسان البدائي، لا سيما الأساطير التي عبّر بها عن نفسه وعن مداركه، وبذلك غدت تلك الأساطير أكبر من حكايات، فهي تجسيد للحقيقة كما انطبعت في ذهن الإنسان البدائي، فعقل البدائي ليس مجرد مرآة تعكس ما انطبع عليها من صور، وإنّما طاقة نشطة تؤثر في الواقع، وتشكّله بالقدر الذي تتأثّر به، ومن هذا المنطلق تمثل الصّور الرمزية التي اخترعها الإنسان البدائي مساهمة منه في تفسير الواقع من حوله.
وتنهض نظرية الأسطورة والرمز على الاعتقاد بأنّ الأساطير جميعها ذات فعالية مجازية ورمزية، وتتضمّن في داخلها بعض الحقائق التاريخية أو الأدبية أو الدينية أو الفلسفية، ولكن على شكل رموز، تمّ استيعابها، بمرور الزمن على أساس ظاهرها الحرفي، وفي ضوء ذلك، فالأسطورة ليست مجرد سرد لقصة رمزية، إنْ هي إلاّ ثوب اختاره البدائي بعناية للفكر المجرّد، فالصّور لا يمكن فصلها عن الفكر: أنّها تمثّل الشكل الذي أصبحت التجربة فيه واعية بذاتها.
ويمكن تلمّس مصادر هذه النظرية لدى الفلاسفة الإغريق الأوائل الذين فسّروا الأساطير على أنّها: كنايات ومجازات، اخترعها مؤلفون، فضّلوا اللجوء إلى التلميح والرمز والاستعارة.
ومن هذا المنطلق صدر تايلور، أحد أعلام هذه النظرية، في اعتقاده بقدرة الإنسان البدائي على إنتاج الأسطورة نتيجة نظرته العامة إلى الكون، حتى إنّه جسّد مظاهرها كلّها على نحو رمزي، وما الكائنات التي زخرت بها أساطيره سوى نوع من إضفاء الوجود والذاتية على أفكاره، فهي بمثابة الرموز لأفكاره لا سيما أنّ الأقدمين كانوا يقصّون الأساطير بدل القيام بالتحليل والاستنتاج.
وهنا يجب أن ندرك حقيقة مهمة كي لا يظن الظّان أنّ في الأسطورة تسلية للسامعين، فما هي كذلك، وإنّما هي التفسير والتأويل اللاموضوعي للمظاهر الكونية، وبذلك تغدو تلك الأساطير صوراً تقليدية، ولكن ما من ريب في أنّها رؤية في الأصل كوحي هو جزء من التجربة نفسها، وأنّها من نتاج الخيال، ولكنّها ليست مجرد وهم.

الأسطورة والأدب
تعدّ الأسطورة المغامرة الإبداعية الأولى التي ابتكرتها المخيلة البشرية فيما ابتكرته من المغامرات التي كانت صدىً للواقع المعرفي والجمالي والتطوّر الإدراكي للإنسان، وعلى الرغم من أنّ تلك المغامرات كانت جدّية الطابع، فإنّها لم تنتج قطيعة مع الأسطورة، بل نستطيع القول إنّها أنتجت نفسها متضمّنة خصائص التفكير والتركيب الأسطوريين، ونستطيع أن نلمس هذه الخصائص في نتاج الأدباء اللذين استثمروا الأساطير، وأنتجوا إبداعهم بتأثر واضح بها.
ويبدو أنّ الأسطورة كانت المعين الأوّل للأدب عند كلّ الأمم السابقة، وبذا ترجع صلة الأدب بالأسطورة لاشتراكهما باللغة ثم صدورهما من مصدر واحد وهو المتخيّل. ولعلّ انجذاب الأديب نحو استثمار الأسطورة في نصّه الإبداعي يُعزى إلى ما تتمتع به من بناء فني راقٍ، وحكاية ساحرة، واشتمالها على عناصر التشويق فضلاً عن البعد الإنساني الواضح في مضمونها. فضلاً عن أنّها في الغالب مألوفة عند القاريء مما يسهم في زيادة فاعلية التلقي.
ونستطيع الزعم بأنّ الأساطير مصدر لا يُستهان به لانبثاق نماذج من الأدب، فالحبكة والشخصية والموضوع والصورة الأدبية هي مزج وتبديل لعناصر شبيهة موجودة في الأسطورة. ومردّ قدرة الأدب على تحريكنا هو امتلاك الأديب للمخاطبة الأسطورية، وامتلاكه السلطة السحرية التي نشعر بإزائها ببهجة مضطربة أو بفزع أمام عالم الإنسان.
وفي ضوء ذلك يصبح الأدب مسؤولاً حقيقياً عمّا سعت الأسطورة إلى تحقيقه، ألا وهو "أن يعرف الإنسان مكانه الحقيقي في الوجود، وأن يعرف دوره الفعّال في هذا المكان.
ونستطيع أن نصوغ المغامرات الإبداعية المجاورة أو المتداخلة والمتأثرة بالأسطورة في نسقين إبداعيين أساسيين:
الأوّل: ينتمي إلى حقل الأجناس الأدبية: كالشعر، والملحمة، والمسرحية، والرواية.
الثاني: ينتمي إلى كلّ ما هو شفاهي أو جمعي كالحكاية الشعبية، والخرافية، والبطولية، والخوارق.

أ- الأسطورة والأجناس الأدبية
العلاقة النشوئية الجدلية هي الرابط الأساسي بين الأسطورة والأدب، فالأدب والأسطورة يتداخلان، وقد يتبادلان الأدوار ببعض التحفّظ في لعبة الدخول إلى دائرة المقدس أو الخروج منها، فأسطورة ما قد تكون في دائرة الأسطورة في كتاب ما، وفي دائرة اللامقدس في كتاب آخر، وبذا تهبط إلى مستوى القصة غير المقدّسة، وتدخل حيّز الأدب.
وكان أفلاطون أوّل من استعمل تعبير Muthologia ، وعنى به فن رواية القصة، ولا سيما تلك التي ندعوها بالأساطير، وهذا ليس بالغريب إذ نجد كلمة الأسطورة الإنجليزية Mythos ومثيلاتها في اللغة اللاتينية مشتقّة من الأصل اليوناني Muthos ،وتعني قصة أو حكاية، ولا يتحقّق هذا الارتباط من خلال أصل الكلمة فحسب، بل أنّه يمتدّ ليشمل عدداً من الخصائص التي تجعل من الأسطورة أدباً بالمعنى التام، أو نصّاً مدوناً يوفّر لنفسه خصائص النص الأدبي جميعها.
فإذا كانت الأسطورة شكلاً من أشكال النشاط الفكري، فهي بهذا المعنى تلتقي بالأدب بوصفه نشاطاً فكرياً أيضاً، كما تلتقي معه في أنّ لكليهما وظيفة واحدة، هي إيجاد توازن بين الإنسان ومحيطه. وكما تسهم الأسطورة في تحرير العقل من سطوة الواقع، وتحلق به فوق عالم المحسوسات، وتمنحه طاقة ترميم حالات التصدّع التي ينتجها هذا الواقع، فإنّ الأدب يُعدّ هو الآخر بحثاً في الواقع، ولكن دون امتثال لقوانينه الموضوعية أو انصياع لأعرافه المادية.
ونستطيع أن ندرك تلك العلاقة بين الأدب والأسطورة عبر مطالعة الأنواع الأدبية التي هي حقيقة حلقات متصلة في سلسلة الإبداع البشري.
والشعر هو أقدم ما وصلنا من نصوص، لا سيما الشعر القصصي منه، ويبدو أنّ البدايات كانت كلاماً غامضاً يناسب طقوس العبادة والسّحر، وقد تغدو الأسطورة بعد زمن كلاماً موزوناً ذا إيقاع خاص، ويكون للشعر الغنائي الفضل في حمل هذه الأساطير ذات الإيقاع والترنيمات، التي سرعان ما تتجلّى بشكل واضح في الملاحم الشعرية.
"ولعلّ من أبرز الصلات التي تقيمها الأسطورة مع الشعر، أو يقيمها الثاني مع الأوّل، أنّ لكليهما جوهراً واحداً على مستويي اللغة والأداء، فعلى المستوى الأوّل يشترك الاثنان في إشادتهما لغة استعاريّة، توميء ولا تفصح، وتلهث وراء الحقيقة دون أن تسعى إلى الإمساك بها، ويتجلّى الثاني من خلال عودة الشعر الدائمة إلى المنابع البكر للتجربة الإنسانية، ومحاولة التعبير عن الإنسان بوسائل عذراء لم يمتهنها الاستعمال اليومي.
وفي ضوء ذلك نستطيع أن نفهم سبب تربّي الأسطورة في أحضان المسرحي عند الإغريقي الذي كان معنيّاً بالتأمل بالأمور الدينية، وجاءت الأسطورة لتعبر عن هذا التأمل بالطقوس المسرحية الدنيوية المعروفة، لا سيما عبر المأساة التي أعطت الأسطورة صوتها ومنحتها الأسطورة قوتها، وبذلك تظهر علاقة الأسطورة بالملحمة التي تُكتب شعراً، وتتناول خلق الآلهة وصراعها، كما تتناول سيرة بطل الملحمة ومغامراته.
وللأسطورة جانب أدبي يتوجّه الاهتمام فيه إلى الجانب الفني البنائي دون الاهتمام بالوظائف الدينية، وعبر هذا الجانب الذي قد يمثل استطالات للسّرد المثيولوجي كان ظهور الرواية التي اشتركت مع الأساطير بصفة مركزية وهي صفة الأحدوثة لتكون بذلك الرواية مغامرة من المغامرات الإبداعية في تاريخ الخيال البشري.
فقد أكدت أبحاث لوكاتش وليفي شتراوس وجود صلات وثيقة بين الأسطورة والرواية، فالاختلاف عندهما يكاد لا يتجاوز أكثر من حاجز الزمن بين عصر الرواية وعصر الأسطورة، فالرواية في تصوّرهما "سمة حضارة تفتقر إلى نظام، واتساع رقعة، ومنطق الأسطورة، لكنّها مع ذلك تبحث عن إعادة اكتشافها في عملية إبداعية جديدة، وهي الرواية.

ب- الأسطورة والأجناس الشفاهية الجمعية
وتتداخل الأسطورة مع بُنى حكائية أخرى ذات طبيعة شفاهية جمعية منها: الحكاية الشفاهية، والحكاية الخرافية، والحكاية البطولية، والحكاية الطوطمية. والجدير بالذكر أنّ هذه الأنواع الأدبية التي تحاكي الأسطورة أو تلتبس بها حدّدتها وجهات نظر علمية غربية، وقد تخلو منها أو من بعضها أنواع التراث الأخرى عند الشعوب المختلفة، سواء أكانت تلك الشعوب بدائية أم متقدّمة في مدارج الحضارة. وفي التراث العربي تمييز واضح بين الأسطورة والخرافة والحكاية والسيرة التي يتناقلها الرواة الحكواتيون. واشتراك بعض الأجناس الحكائية مع الأسطورة في ملمح أو أكثر لا يجعلها بالتأكيد أسطورة، ولكنّه يقرّبها من بنائها وفنياتها، وإن لم يقربها من هدفها ووظيفتها، "ومن ثم يكون تقسيمها على أساس نوع الحكاية نفسها، وليس على أساس طبيعة الأسطورة ومضمونها.
فالحكاية لغة: نقل الحديث، ووصف الخبر إطلاقاً من غير تحديد، والجمع حكايا وحكايات ولكن الحكايا اكتسبت مع الزمن معنى خاصاً، فصارت تعني قصة مسموعة أو مقروءة تُروى في إطار محدّد من الزمان والمكان بأسلوب يحاكي الأسطورة، فهي حطام أساطير، أو بقاياها وأشلاؤها، أو تحتفظ بالكثير من خصائصها.
وتتنوّع الحكايات، وتختلف باختلاف مغزاها وموضوعها وزمانها ومكانها ودورها في المجتمع الذي اختصّ بها، فحكاية العلّة مثلاً، تأتي لتفسير ظاهرة أو تقليد، وهي بذلك تشبه الأسطورة، ولكنّها تختلف عنها بأنّ هدفها التفسيري بالغالب هو للتسلية، وكثيراً ما تكون إضافة متأخرة إلى الأسطورة أو زيادة عليها، ولكنّها ليست ملازمة لها بالضرورة. وتشترك الأسطورة والحكاية الشعبية باللامعقولية، واستحالة اخضاعهما للمنطق، إلاّ أنّ الأسطورة تؤدّي مهمة خاصة لا يقوم بها الأدب الشعبي، وهي الإجابة عن تساؤلات الناس بما يتصل ببدء الخليقة، وخلق الكون وهوية أوّل البشر، والنهاية المتوقعة لعالمنا، ومصير الإنسان بعد الموت، والخير والشر، إلى آخر هذا النوع من الأسئلة).
أمّا الحكاية الخرافية فهي لغة الحديث المستملح الكاذب، أو الحديث المتخيّل مطلقاً، وبها ُسمي (خرافة)، وهو رجل من بني عذرة استهوته الجن كما تزعم العرب، فلما رجع أُخبر بما رأى منها، فكذّبوه، حتى قالوا لما لا يصدق "حديث خرافة، وذهب مثلاً.
والحكاية الخرافية، هي الحكاية التي لا صحة لها، وتقابلها كلمة (فابيولا) Fabula ، وكلمة (موثوس) Mothos اليونانية، ومعناها الأحدوثة أو الحكاية، ثم غدت تستعمل للإشارة إلى القصة المختلقة، وهي بعيدة عن الأسطورة التي تنطوي على حقائق لا يمكن إثبات صحتها، فالحكاية الخرافية موروثات باقية من الأساطير، ولكن ما يميزها عن الأسطورة هو موضوع الاعتقاد بها، فالأسطورة موضوع اعتقاد.
ويندرج تحت الحكاية الخرافية حكايا الخوارق، وهي روايات غير حقيقية لا أساس لها والخارق كلّ ما خالف العادة، ويُطلق على ما يجاوز قدرة الإنسان لا على نظام الطبيعة كقدرة بعض الأفراد على الاتصال بعالم الغيب، أو قدرتهم على قراءة الأفكار، أو اتصافهم بسرعة الكشف والإلهام، وهو لا يخرج عن كونه مراداً لله.
وحكايا الجن تتحدّث عن كائنات من هذا القبيل، وهي تحاكي الأساطير من ناحية عرضها لإحداث تفوق قدرات البشر، وشخصيات حقيقية مُنحت قوة خارقة شأنّها في ذلك شأن الحكاية الشعبية، كما أنّ الزمن الذي تتحدّث عنه الحكايا هو زمن التجربة الإنسانية، ولكنّها تُميّز عن الأسطورة بكونها تُروى للتسلية وللترفيه دون أيّ بعد ديني تقديسي. وأحمد زكي كمال يفرّق بين الحكاية والخرافية، وحكايا الجن والعفاريت، وإن جمع كليهما الأمور الخارقة للطبيعة، على اعتبار أنّ قصص الجن، والعفاريت، هي قصص رمزية تنشأ في مجتمعات لا يمكن أن تُوصف بالبدائية، بل هي مجتمعات راقية، في حين تظهر الخرافات في مجتمع يصدق بها كما في خرافة الهامة عند العرب الجاهلين.
أمّا الحكاية البطولية فإنّها حكايات تدّعي الحقيقة، وتُروى أحداثها نثراً أو شعراً بأسلوب قصصي يصعب عزوه إلى مؤلف معين، وهي تشتمل على بعض الحقائق التاريخية، وبعض الخوارق التي لم يألفها الناس.
وعلى الرغم من أنّ هذا النوع من الحكايا لا يتضمّن شيئاً من خصائص الأسطورة، فإنّه يلتقي معها في إنتاجه عوالم فوق واقعية، هي مما تنتجه المخيلة الشعبية التي تنزع عادة إلى إضفاء صفات أسطورية على بعض أبطال المجتمع، وتمنحهم قوى مفارقة لقوانين الواقع، وتحرّكهم في أزمنة وأمكنة لا تنصاع لإرادة تلك القوانين، وتبتكر لهم من السمات ما يجعلهم فوق مستوى البشر. كما أنّ الحكاية الخرافية تفترق عن الأسطورة بالزمان والمكان المحددين وليس المطلقين كما في الخرافة وحكايا الجن.
أمّا الحكاية الطوطمية، فإنّها حكاية تدور على ألسنة الحيوانات، وهي ذات بعد ترميزي تربوي غالباً، إذ يقول الحيوان ما لا يستطيع مبدع الحكاية أن يقوله.
ومن أشهر هذا النوع من الحكايات الأدب العربي القديم (كليلة ودمنة) لابن المقفع، (رسالة الغفران) لأبي العلاء المعري، (رسالة التوابع والزوابع) لابن شهيد الأندلسي، ورسالة (تداعي الحيوان على الإنسان) لإخوان الصفا.
وجدير بالذكر أنّ المشترك بين كلّ الأشكال الحكائية السابقة الذكر والأسطورة هو أنّها جميعاً حفريات للذاكرة الجمعية، وفي أنّها نتاج لمخيلة واحدة، تهدف إلى البحث عن إجابات لأسئلة الواقع حولها، وأخيراً أنّها تشكل معاً مصدراً من مصادر الإبداع الأدبي.



بقلم: أ. د.سناء الشعلان (بنت نعيمة)/ الأردن

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...