د. زهير الخويلدي - المقاربة السوسيولوجية عند د علي شريعتي بين التنوير الديني والثورة الثقافية

مقدمة

يُمثل د. علي شريعتي (1933-1977) واحداً من أهم المفكرين الإيرانيين والإسلاميين في القرن العشرين، الذين جمعوا بين التحليل السوسيولوجي العميق والالتزام الثوري. يقوم مشروعه على مقاربة سوسيولوجية للدين تجعل الإسلام أداة للتحرر الاجتماعي والثقافي، لا مجرد عقيدة فردية أو طقوس تقليدية. يستلهم شريعتي من علم الاجتماع الغربي (ماركس، دوركهايم، ويبر) لكنه يعيد صياغته داخل رؤية إسلامية شيعية ثورية، رافضاً الاستعمار الثقافي الغربي والركود الداخلي. يقع مشروعه في المنطقة الوسط بين التنوير الديني (إحياء الوعي الديني بالعقل والنقد) والثورة الثقافية (تغيير البنية الثقافية والاجتماعية للمجتمع). في هذه الدراسة، نستعرض أسس مقاربته السوسيولوجية، وكيف تتجلى في التوفيق بين التنوير والثورة. ففيم يتمثل مشروع شريعتي وما موقعه في الفكر الإسلامي المعاصر؟

الأسس المنهجية للمقاربة السوسيولوجية

يرفض شريعتي النظر إلى الدين كظاهرة مثالية منفصلة عن الواقع الاجتماعي. يعتمد على التحليل السوسيولوجي ليكشف كيف يتشكل الوعي الديني داخل الصراعات الطبقية والثقافية.

أولاً، يميز بين الدين كأداة سلطة (الدين الأسود أو الرسمي) والدين كحركة تحرر (الدين الأحمر أو العلوي). الدين الأسود يمثله رجال الدين التقليديون الذين يحولون الإسلام إلى أفيون شعبي يبرر الاستبداد والفقر. أما الدين الأحمر فيتمثل في آل البيت والإمام علي والحسين، كرموز للعدالة والثورة ضد الظلم.

ثانياً، يستخدم مفهوم "الأيديولوجيا" ليحلل الدين كقوة اجتماعية. الدين ليس محايداً؛ إنه إما يعزز الوضع القائم أو يحفز على التغيير. يطبق شريعتي تحليلاً طبقياً (مستلهماً ماركس نقدياً) ليبين كيف يستخدم الاستعمار والرأسمالية الدين لتخدير الجماهير، بينما يمكن للدين الحقيقي أن يكون أداة وعي وثورة.

ثالثاً، يركز على "الإنسان" كمركز: الإنسان في الإسلام ليس موضوعاً سلبياً، بل خليفة الله القادر على صنع التاريخ. هذا الإنسان السوسيولوجي يعيش في صراع دائم بين "التوحيد" (الوحدة والعدالة) و"الشرك" (الاستغلال والتجزئة).

التنوير الديني: إحياء الوعي النقدي

يُعتبر التنوير الديني عند شريعتي الخطوة الأولى نحو الثورة. يدعو إلى "تنوير إسلامي" يعيد قراءة النصوص والتاريخ بعيون عصرية. نقد التراث: ينتقد التصوف المنعزل والفقه الجامد الذي يبتعد عن الواقع. يعيد اكتشاف "الشيعة الحمراء" كتيار ثوري يمثل مقاومة الظلم منذ كربلاء. الحسين ليس رمزاً للبكاء فقط، بل قدوة في الشهادة والثورة.

التوفيق بين العلم والدين: يرى شريعتي أن العلم الحديث (الاجتماع، التاريخ) يخدم الدين إذا استخدم لكشف الحقيقة. التنوير يعني تحرير الوعي من الخرافة والتقليد الأعمى، ليصبح الدين قوة معرفية دافعة.

التعليم والثقافة: يؤكد على دور المثقف الديني (مثل نفسه) في تنوير الجماهير. المسجد والحسينية ليسا مكاناً للطقوس فقط، بل مدرسة للوعي الاجتماعي والنقد السياسي.

بهذا، يصبح التنوير الديني عملية سوسيولوجية تحول الإيمان من حالة فردية إلى وعي جماعي مسؤول.

الثورة الثقافية: تغيير البنية الاجتماعية والقيمية

يربط شريعتي التنوير بالثورة الثقافية، معتبراً أن التغيير السياسي لا ينجح بدون ثورة في الثقافة والقيم. مواجهة الاستعمار الثقافي: ينتقد "التغريب" (الغربنة) التي تجعل المجتمعات الإسلامية تقلد الغرب شكلياً دون جوهره. الثورة الثقافية تعني العودة إلى "الذات الإسلامية" مع استيعاب إيجابيات الحداثة (التكنولوجيا، العلوم) دون فقدان الهوية.

العدالة الاجتماعية: يفسر التوحيد سوسيولوجياً كرفض للطبقية والاستغلال. الإمام علي نموذج للحاكم العادل الذي يوزع الثروة ويحمي الضعفاء. الثورة الثقافية تبني مجتمعاً يقوم على "الأمة" لا على الطبقات أو القوميات الضيقة.

دور المرأة والشباب: يدعو إلى تحرير المرأة من التقاليد البالية، معتبراً إياها شريكاً في الثورة الثقافية. كذلك، الشباب هم وقود هذه الثورة، يجب تنويرهم دينياً ليكونوا قوة تغيير.

الشهادة والتضحية: يحول مفهوم "الشهادة" من طقس إلى فعل ثوري مستمر. كربلاء ليست حدثاً تاريخياً فقط، بل نموذجاً سوسيولوجياً للمقاومة ضد الطغيان في كل عصر.

التلاقي بين التنوير والثورة: الجدلية السوسيولوجية

تكمن عبقرية شريعتي في جعل التنوير الديني شرطاً للثورة الثقافية، والثورة شرطاً لعمق التنوير. هذا الجدل يتجاوز الثنائيات التقليدية (دين/دنيا، تقليد/حداثة). التنوير بدون ثورة يصبح نخبوياً مجرداً، والثورة بدون تنوير تتحول إلى عنف أعمى. المقاربة السوسيولوجية تكشف الروابط بين البنية الاقتصادية والوعي الثقافي والمعتقد الديني، فتصنع "إنساناً إسلامياً ثورياً" يجمع بين الروحانية والالتزام الاجتماعي.

تأثير شريعتي ظهر جلياً في الثورة الإيرانية 1979، حيث ألهمت أفكاره الشباب والمثقفين، رغم محاولات تهميشها لاحقاً. يظل مشروعه نموذجاً للجمع بين العلم الاجتماعي والإيمان، والنقد والالتزام.

خاتمة:

تمثل المقاربة السوسيولوجية عند علي شريعتي نموذجاً حياً لكيفية تحول الدين من قوة محافظة إلى محرك تقدمي. بين التنوير الديني الذي يوقظ العقول، والثورة الثقافية التي تغير الواقع، يبني شريعتي رؤية متكاملة تجعل الإسلام رسالة تحرر عالمية. إرثه يدعو المثقفين والشباب المسلمين إلى أن يكونوا "شهداء عصر"، يجمعون بين العلم والإيمان، والنقد والتضحية، في سبيل بناء حضارة إنسانية عادلة. لقد واجه شريعتي انتقادات: بعضها يراه متأثراً جداً بالماركسية، وبعضها ينتقد رومانسيته الثورية. لكنه يرد بأن مشروعه إسلامي أصيل يستوعب الإيجابيات النقدية من الغرب ليتجاوزها. في عصرنا، تظل مقاربته ذات صلة: في مواجهة التطرف الديني (الذي يفتقر إلى التنوير) والعلمانية المتطرفة (التي تفتقر إلى الروح). تقدم سوسيولوجيته طريقاً لثورة ثقافية سلمية تعيد بناء الهوية الإسلامية على أسس عقلانية وعدالية. في زمن الاضطرابات العالمية، تظل أفكاره مصدر إلهام لكل من يبحث عن تغيير يجمع بين الروح والعدالة. فماهو مستقبل التنوير الثوري السائر على خط الدكتور علي شريعتي؟

كاتب فلسفي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...