يتعذّر أن نتحدث عن الأسطورة ونشأتها دون الحديث عن علاقتها بالدين، فكثير من الباحثين يرون أنّ الأسطورة تحكي تاريخاً مقدّساً، أو أنّها ظاهرة لا يمكن تفسيرها دون ربطها بمقولة الدين، أيّ لا يمكن تفسيرها حرفياً أو اجتماعياً أو نفسياً أو اقتصادياً فقط، ويقود هذا التعريف إلى التفريق الكامل بين الأسطورة وغيرها من الأنواع الأدبية التراثية والنصوص غير المقدّسة.
بعض الباحثين من أمثال أليكسي لوسيف يؤكّدون على استقلال الأسطورة فكريّاً بغض النظر عن البعد الوظيفي الديني، إذ يقول: "الأسطورة الصرفة قائمة بذاتها، ليست مضطرة في أيّ حال من الأحوال لأن تكون من حيث المبدأ دينية.
فهو يؤكّد أنّ الأسطورة كلٌّ قائم بحد ذاته لا يقبل التجزئة، فهي دينية بالغة الصرامة والتحديد، وهي لذلك مقولة ضرورية للإدراك وللوجود عموماً.
وقد تتخذ القصص الدينية ملامح أسطورية في الآداب التي تتضمّنها، بعد أن تأخذ منها ما يفيد طريقتها. وقد تأخذ القصص الدينية طريقها إلى أمّة أوأخرى كما في قصة طوفان نوح مثلاً، ومجمل قصص الخلق والكون والإنسان.
ويغلب الظن على أنّ الجانب الروحي المختفي وراء الأسطورة هو الذي يقرّبها من الدين، لا سيما عندما تحمل الأسطورة بعض الدلالات الدينية التي يعرفها كلّ من يؤمن بها، وبذا تغدو الأسطورة المنجز المعرفي الروحي للدين، وصولاً إلى ظهور طقوس شكّلت الدين فيما بعد.
وقد كانت المجتمعات البدائية في مرحلة تكوّن الأساطير تملك نوعاً من الإيمان الفطري ووحدة العقيدة، ثم غدتْ الأسطورة مع تطوّر المجتمعات تعبيراً عن مختلف الأفكار السياسية والاجتماعية والأخلاقية والفلسفية.
وفي ضوء ذلك أكّدت كثير من الدراسات الدينية إننا لا يمكن أن نفهم الإلياذة مثلاً على أفضل وجه إلاّ بالنظر إليها على أنّها رواية لتاريخ مقدّس، ولا يمكن تفسيرها حرفياً. إذ إنّ اليونانيين أخذوا أساطيرهم بجدية؛ لأنّهم آمنوا بأنّ الآلهة مسيطرة على القوى الطبيعية، ولذلك أخذوا يتوسلون إليها، ويدعونها لتبعث لهم الخير، وتبعد عنهم الشر، وأخذوا يقدمون لها القرابين، وينظمون أجمل الأغاني مادحين فيها آلهتهم.
وتلك العلاقة الحديثة بين الدين والأسطورة أثارت اهتمام الدارسين، ودفعت لويس سبنس إلى تعريف الأساطير بقوله: "إنّه علم يُعنى بدراسة الدين أو شكل من أشكاله الأولى عندما كان حقيقة معاشة.
وانطلاقاً من هذا القول كانت الأسطورة تقدّم مادة معرفية مقترحة أو حكاية متداولة تفسّر الظاهرة الدينية أو فوق الطبيعة كالآلهة والأبطال وقوى الطبيعة، وتتعلّق بكائن خارق، أو حادثة غير عادية، سواء أكان لها أساس واقعي أم لم يكن.
وتختلف مكانة الأسطورة باختلاف أشكال التراث في المجتمع، ومع أنّها قد تتعارض مع بعض التراث الديني إلاّ أنّها تبقى لصيقة به في ذلك المجتمع.
وثمّة أساطير وُجدتْ لتعليل شعائر محدّدة. وقد جرتْ على هذا الأساس دراسات عدة تؤكد الروابط بين الشعائر والأساطير المتّصلة بها.
والحقيقة أنّ الشعائر والطقوس هي الجانب العملي لأيّ دين، وقد ترتكز تلك الشعائر على الأساطير؛ لأنّها المادة الحية التي يعرفها المتعبّد. وقد تُمارس الطقوس لأزمنة طويلة عبر ممارسة يومية أو دورية أو موسمية في حين تُنسى الجذور السببية لها.
وبذلك نستطيع القول إنّ ممارسة الإنسان الأول لطقوس مبادئه الدينية ما هي إلاّ محاولة لاستعادة أوليات انتمائه إلى المطلق في الوجود، وهي طريقة لإلغاء الزمان التاريخي، ولاستعادة الزمان الأسطوري في فكر يربط العالم بحدث أولي ظهر في أقدم الأزمان، وإنّ ما يُمارس من طقوس ما هو إلاّ محاولة تكرار نموذج مثالي أسطوري. ويعتقد الدارسون للأساطير أنّ الإنسان الأوّل إنّما كان يؤدّي الطقوس استرضاءً لقوى الطبيعة، ويحتجّ هؤلاء بذلك التشابه القائم بين الأساطير القديمة، بما في ذلك تشابه الدوافع التي أنتجتها.
بقلم: أ. د.سناء الشعلان (بنت نعيمة)/ الأردن
بعض الباحثين من أمثال أليكسي لوسيف يؤكّدون على استقلال الأسطورة فكريّاً بغض النظر عن البعد الوظيفي الديني، إذ يقول: "الأسطورة الصرفة قائمة بذاتها، ليست مضطرة في أيّ حال من الأحوال لأن تكون من حيث المبدأ دينية.
فهو يؤكّد أنّ الأسطورة كلٌّ قائم بحد ذاته لا يقبل التجزئة، فهي دينية بالغة الصرامة والتحديد، وهي لذلك مقولة ضرورية للإدراك وللوجود عموماً.
وقد تتخذ القصص الدينية ملامح أسطورية في الآداب التي تتضمّنها، بعد أن تأخذ منها ما يفيد طريقتها. وقد تأخذ القصص الدينية طريقها إلى أمّة أوأخرى كما في قصة طوفان نوح مثلاً، ومجمل قصص الخلق والكون والإنسان.
ويغلب الظن على أنّ الجانب الروحي المختفي وراء الأسطورة هو الذي يقرّبها من الدين، لا سيما عندما تحمل الأسطورة بعض الدلالات الدينية التي يعرفها كلّ من يؤمن بها، وبذا تغدو الأسطورة المنجز المعرفي الروحي للدين، وصولاً إلى ظهور طقوس شكّلت الدين فيما بعد.
وقد كانت المجتمعات البدائية في مرحلة تكوّن الأساطير تملك نوعاً من الإيمان الفطري ووحدة العقيدة، ثم غدتْ الأسطورة مع تطوّر المجتمعات تعبيراً عن مختلف الأفكار السياسية والاجتماعية والأخلاقية والفلسفية.
وفي ضوء ذلك أكّدت كثير من الدراسات الدينية إننا لا يمكن أن نفهم الإلياذة مثلاً على أفضل وجه إلاّ بالنظر إليها على أنّها رواية لتاريخ مقدّس، ولا يمكن تفسيرها حرفياً. إذ إنّ اليونانيين أخذوا أساطيرهم بجدية؛ لأنّهم آمنوا بأنّ الآلهة مسيطرة على القوى الطبيعية، ولذلك أخذوا يتوسلون إليها، ويدعونها لتبعث لهم الخير، وتبعد عنهم الشر، وأخذوا يقدمون لها القرابين، وينظمون أجمل الأغاني مادحين فيها آلهتهم.
وتلك العلاقة الحديثة بين الدين والأسطورة أثارت اهتمام الدارسين، ودفعت لويس سبنس إلى تعريف الأساطير بقوله: "إنّه علم يُعنى بدراسة الدين أو شكل من أشكاله الأولى عندما كان حقيقة معاشة.
وانطلاقاً من هذا القول كانت الأسطورة تقدّم مادة معرفية مقترحة أو حكاية متداولة تفسّر الظاهرة الدينية أو فوق الطبيعة كالآلهة والأبطال وقوى الطبيعة، وتتعلّق بكائن خارق، أو حادثة غير عادية، سواء أكان لها أساس واقعي أم لم يكن.
وتختلف مكانة الأسطورة باختلاف أشكال التراث في المجتمع، ومع أنّها قد تتعارض مع بعض التراث الديني إلاّ أنّها تبقى لصيقة به في ذلك المجتمع.
وثمّة أساطير وُجدتْ لتعليل شعائر محدّدة. وقد جرتْ على هذا الأساس دراسات عدة تؤكد الروابط بين الشعائر والأساطير المتّصلة بها.
والحقيقة أنّ الشعائر والطقوس هي الجانب العملي لأيّ دين، وقد ترتكز تلك الشعائر على الأساطير؛ لأنّها المادة الحية التي يعرفها المتعبّد. وقد تُمارس الطقوس لأزمنة طويلة عبر ممارسة يومية أو دورية أو موسمية في حين تُنسى الجذور السببية لها.
وبذلك نستطيع القول إنّ ممارسة الإنسان الأول لطقوس مبادئه الدينية ما هي إلاّ محاولة لاستعادة أوليات انتمائه إلى المطلق في الوجود، وهي طريقة لإلغاء الزمان التاريخي، ولاستعادة الزمان الأسطوري في فكر يربط العالم بحدث أولي ظهر في أقدم الأزمان، وإنّ ما يُمارس من طقوس ما هو إلاّ محاولة تكرار نموذج مثالي أسطوري. ويعتقد الدارسون للأساطير أنّ الإنسان الأوّل إنّما كان يؤدّي الطقوس استرضاءً لقوى الطبيعة، ويحتجّ هؤلاء بذلك التشابه القائم بين الأساطير القديمة، بما في ذلك تشابه الدوافع التي أنتجتها.
بقلم: أ. د.سناء الشعلان (بنت نعيمة)/ الأردن