فاتن صبحي - إنهم يعيشون بيننا (حكاية)

يُحكى في سالف العصر والأوان، أن مملكة عظيمة شُيدت بين الجبال والأنهار، حتى ظن الناس أن الريح لا تجرؤ على الاقتراب من أسوارها، وأن الزمان نفسه يقف احترامًا على أبوابها.
ولم تكن قوتها في كثرة جندها، ولا في علو حصونها، بل في قلوب أهلها؛ فإذا اختلفوا ردهم العدل، وإذا احتاروا هدتهم الحكمة، وإذا دعا الواجب لبوه، حتى غدت المملكة مضرب الامثال بين البلاد.
وذات صباح، وقف رجلٌ غريب على مشارفها، في زيِّ تاجر، يقود قافلةً من الصناديق الموشاة بالذهب والحرير. استأذن في دخول الأسواق، فأُذن له.
وما إن فتح أول صندوق، حتى ازدحم الناس حوله، ثم لم تمضِ إلا أيام، حتى صار لكل بيتٍ منها نصيب.
ضمت صناديقه مرايا مذهبة الإطار، وأساور من نحاس، وألواحًا زجاجيةً يتراقص فيها الضوء، وكتبًا صغيرةً تحمل عناوين براقة، وأشياء لم يألفها أهل المملكة من قبل.
ومضت الأعوام...
فعلا الغبار رفوف دار الحكمة، ونامت المخطوطات في أماكنها، بينما لم تعرف دكاكين الغريب بابًا موصدًا.
وصار الطفل يحفظ الطريق إلى السوق، ويخطئ الطريق إلى الكُتاب.
وإذا أقبل المساء، أضاءت الوجوه بما بين الأكف، وخبت الأحاديث التي كانت تملأ البيوت.
واتسعت في الساحة الكبرى حلقات قارئي الطالع، وضاقت مقاعد الحكماء.
وفي المدارس، علا الضجيج، وخفت صوت المعلم.
ثم ظهر رجالٌ لم يكن أحدٌ يذكر متى دخلوا المملكة، يخوضون في كل مسألة، ويختلفون في كل يقين، حتى غدا الصخب أعلى من كل صوت.
وظلت الموائد تُعد كما عهدت، غير أن المقاعد حولها أخذت تخلو واحدًا بعد آخر.
أما التاجر، فلم يُر إلا قليلًا...
غير أن بضاعته كانت تزداد انتشارًا.
وفي ليلةٍ لم يسمع فيها الحارس صهيل خيل، ولا قرع طبول، ولا صليل سيوف...
أشرقت الشمس على راياتٍ غريبةٍ ترفرف فوق أبراج المملكة.
التفت الحارس يمنةً ويسرة.
لم يجد بابًا مكسورًا.
ولا سورًا منهدمًا.
ولا قتيلًا على الطريق.
وأما أهل المملكة...
فكانوا في أماكنهم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...