المال والسلطة والفساد إنها الأضلاع التي تقوم عليها كرة القدم المعاصرة.
كتب يوما إدواردو غاليانو عن لعبة كرة القدم ما يلي:
"لقد تحول اللعب إلى استعراض، فـيه قلة من الأبطال وكثرة من المشاهدين، إنھا كرة قدم للمشاهدة. وتحول ھذا الاستعراض إلى واحدة من أكثر الأعمال التجارية ربحا فـي العالم، لا يجري تنظيمه من أجل اللعب وإنما من أجل منع اللعب".
صحيح أن هناك العديد من اليساريين الذين يزدرون كرة القدم كلعبة، ويعتبرون انتشارها في العالم مؤامرة امبريالية على الشعوب المقهورة للإبقاء عليها في حالة الطفولة. ليس هذا الاعتقاد تجديفا أو مبالغة. هناك أيضا مناضلين يساريين وقادة كبار، ومن بينھم الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي الذي امتدح كرة القدم واعتبرها «مملكة الوفاء البشري ھذه التي تمارس فـي الھواء الطلق».
غير أن هذا التناقض ناتج عن التحولات التاريخية التي عرفتها اللعبة، والشروط الاقتصادية والاجتماعية والوقائع الملموسة التي صهرتها و حددت وظائفها الجديدة؛ التي تجبر كل من يحمل رأسه فوق كتفيه أن يتساءل:
كيف تحول تاريخ اللعبة الشديدة المتعة والشغف والارتباط بالجماهير الشعبية إلى وبال وتلويت لحياتها؟
كيف فقدت التنظيمات الكروية استقلاليتها الاهلية والشعبية، وأصبحت في خدمة أسياد العصر أرباب المال والاعمال ووكلائهم أصحاب النفوذ السياسي. ووضعت الخبراء من مدبجي القوانين واللوائح التنظيمية في خدمة سادة الاستعراض الكروي المعاصر؟
إنها الرأسمالية المعاصرة ومحركاتها النفاثة الشركات الاحتكارية، وأياديها الخفية التي تمتلك وتحتكر سحر المال والتمويل والاستثمار والتسويق والاعلام والاشهار والتنظيم والنفوذ السلطوي. لقد تمكنت من إخضاع كل التنظيمات الرياضية لمشيئتها، بعد أن اكتشفت أن كرة القدم هي ھوى الجماهير التي توفر التسلية والعزاء للفقراء، وتبعدهم عن التمرد والعصيان والمقاومة وعن الأفكار الخبيثة الأخرى، حتى يسهل سياقهم كالقطيع. وبسهولة تستطيع استيعاب والتحكم في اندفاع الجماهير الغاضب، خاصة في بلدان الجنوب بؤر الصراعات والحروب والنهب والاحتلال والتبعية والتخلف.
أولا: عبر التحكم في التنظيمات والأندية والجمعيات الرياضية المحلية بالتمويل، فلم يعد تنظيمها وتمويلها أهلي أو شعبي(من يتذكر أن النقابات العمالية والمهنية كان لها اتحادات كروية وبطولات تم اندثرت)و أصبحت تخضع مباشرة إلى سلطة التحالف المقدس بين رجال المال و الاعمال والسلطة السياسية.
تانيا: عبر التحكم في مجالس الجامعات الوطنية والاتحادات الجهوية والقارية، وتخضع لسلطة الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا )، الذي أصبح يحكم ويعمل مثل "مجلس الامن الدولي" لإدارة و مراقبة وتنظيم وتسيير رياضة كرة القدم، ويملك في المصارف أموالا واستثمارات طائلة غير معلومة (ليس صدفة أن يوجد مقر الفيفا في سويسرا بنك العوائد المجهولة والمسروقة والمبيضة) ، وعلاقات متشعبة بعوالم المال و السياسة والنفوذ و البزنس.
الهدف النهائي هو رفع معدلات الأرباح والعوائد، تم صناعة الرأي الجماهيري وترويضه عبر طلاسم المعبودة الجديدة/ الكرة المستديرة، وداخل المعبد الجديد /الملعب.
كما في كل العلاقات الرأسمالية هناك أسياد وعبيد، العبيد الجدد في كرة القدم هم اللاعبون الذين تحولوا إلى محترفين مأجورين، و بضائع عابرة للحدود والجنسيات وفق قواعد السوق الرأسمالية التي تحدد القيمة والاجر وساعات العمل والسن والاجازة والتقاعد.. إلخ، تعصرهم كما يعصر الليمون بالتداريب المرهقة وكثرة المباريات ، تم يرمى بهم مبكرا.
لا يلتفت معظم الجمهور أو لا يتذكر إلا الناجحين/ النجوم من العبيد الجدد في اللعبة، أما الجمهور فتغريه وينخدع بالأضواء المسلطة علي هؤلاء النجوم بواسطة الاعلام الموجه. إنهم النجوم ليس فقط بسبب مهاراتهم الكروية ، ولكن أيضا بسبب انصياعهم لقواعد الخضوع المفروضة من التحالف المقدس للاتحادات مقابل ما يتساقط من فتات الموائد.
بعد التقاعد قد يتحول بعضهم إلى مجرد اسم مشهور لماركة تجارية في الأسواق أو رجل أعمال أو مستشار كروي أو إعلامي ناجح. إلخ.
أما الغالبية من العبيد الجدد فيطويهم النسيان والشيخوخة قبل الأوان، بسبب الإصابات والاعطاب والعزلة ومرض الادمان والفقر وحتى السجون والانتحار بعد أن فقدوا مدخراتهم وأحلامهم كلها.
الجمهور الواسع هو الضحية الثانية وهو يؤدي الثمن مرغما من ماله وأعصابه ووقته. وهو المشجع المتفرج المستهلك من الجنسين بالتساوي ومن مختلف الأعمار، في هذه اللعبة الساحرة والمخادعة. مشدوها في نصف غيبوبة بالملاعب، أمام الشاشات الكبرى في الساحات والمقاهي و الخمارات، وفي الدور والبراكات. الجميع مندمج في هذا الطقس الديني الجديد.
لقد أصبحت الساحرة الأداة الناعمة والحطب والوقود معا، لإشعال الحرائق في الوعي الجمعي للجمهور الواسع بواسطة صناعة الاعلام العالمي الموجه لنشر التعصب والكراهية والعنصرية والاحساس بالتفوق القومي والثقافي والحضاري المزيف. أداوتها السيكولوجية هي حالات الانتعاش اللحظي، بالاستيهام والاسقاط والتعويض عن الحرمان والشعور بالرضا أو الخذلان، التي تغرسها المستديرة في وعي الجمهور المنوم في كل مقابلة تنظم.
هناك تاريخ طويل من الوقائع المتناقضة، التي تعكس الصراع الدائر في حقل الكرة المستديرة وعوالمها بين الاسياد والعبيد. صراع مضمر وغير متكافئ ومفتت، لذلك في الغالب هو لصالح الاسياد. لكن تبرز معالم بطولية تضيئ الطريق لما ينبغي أن يكون عليه عالم المستديرة.
- في الحرب الاسبانية بين أنصار الجمهورية و أنصار فاشية حكم فرانكو الملكي، أرسلت حكومة إقليم الباسك سنة 1934 فريقها إلى فرنسا للدعاية للجمهورية وجمع المال. وفعل فريق برشلونة نفس الأمر وذهب إلى أمريكا. بعد انتصار الحكم الفاشي في اسبانيا بقي جل لاعبي الفريقين في المنفى، واعتبرتهم الفيفا متمردين وهددتهم بالمنع من اللعب بقمصان فرقهم ،وأصبح فريق العاصمة الريال يحصد الألقاب.
- هناك في كييف نصب تذكاري يذكر بإعدام أحد عشر لاعب لفريق دينامو كييف في 1942 ، وهي تحت الاحتلال الألماني النازي. جريمتهم أنهم ألحقوا الهزيمة بمنتخب هتلر وتمسكوا بكرامتهم في الجرأة على الانتصار، وتم إعدامهم بقمصان الفريق قرب جنبات الملعب.
- في أوج حرب الاستقلال الجزائري ضد فرنسا المحتلة تشكل الفريق الوطني من لا عبين محترفين في البطولة الفرنسية وكانوا نجوما فيها. فضلوا حمل القميص الوطني الجزائري وغادروا سرا فرنسا وهي تستعد لبطولة كأس العالم، من بينهم القائد مخلوفي وبن طيفور. أغلقت الفيفا كل الأبواب أمامهم وأعلنت فرنسا موتهم المدني. واستمر الفريق الوطني بنجومه يتدرب ويلعب أمام جمعيات رياضية عربية وفي أوربا الشرقية حتى انتزعت الجزائر استقلالها بالمقاومة.
ملاحظة
المقولتين مع الوقائع المذكورة تم نقلهم من كتاب إدوارو غاليانو: كرة القدم في الشمس والظل.
كتب يوما إدواردو غاليانو عن لعبة كرة القدم ما يلي:
"لقد تحول اللعب إلى استعراض، فـيه قلة من الأبطال وكثرة من المشاهدين، إنھا كرة قدم للمشاهدة. وتحول ھذا الاستعراض إلى واحدة من أكثر الأعمال التجارية ربحا فـي العالم، لا يجري تنظيمه من أجل اللعب وإنما من أجل منع اللعب".
صحيح أن هناك العديد من اليساريين الذين يزدرون كرة القدم كلعبة، ويعتبرون انتشارها في العالم مؤامرة امبريالية على الشعوب المقهورة للإبقاء عليها في حالة الطفولة. ليس هذا الاعتقاد تجديفا أو مبالغة. هناك أيضا مناضلين يساريين وقادة كبار، ومن بينھم الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي الذي امتدح كرة القدم واعتبرها «مملكة الوفاء البشري ھذه التي تمارس فـي الھواء الطلق».
غير أن هذا التناقض ناتج عن التحولات التاريخية التي عرفتها اللعبة، والشروط الاقتصادية والاجتماعية والوقائع الملموسة التي صهرتها و حددت وظائفها الجديدة؛ التي تجبر كل من يحمل رأسه فوق كتفيه أن يتساءل:
كيف تحول تاريخ اللعبة الشديدة المتعة والشغف والارتباط بالجماهير الشعبية إلى وبال وتلويت لحياتها؟
كيف فقدت التنظيمات الكروية استقلاليتها الاهلية والشعبية، وأصبحت في خدمة أسياد العصر أرباب المال والاعمال ووكلائهم أصحاب النفوذ السياسي. ووضعت الخبراء من مدبجي القوانين واللوائح التنظيمية في خدمة سادة الاستعراض الكروي المعاصر؟
إنها الرأسمالية المعاصرة ومحركاتها النفاثة الشركات الاحتكارية، وأياديها الخفية التي تمتلك وتحتكر سحر المال والتمويل والاستثمار والتسويق والاعلام والاشهار والتنظيم والنفوذ السلطوي. لقد تمكنت من إخضاع كل التنظيمات الرياضية لمشيئتها، بعد أن اكتشفت أن كرة القدم هي ھوى الجماهير التي توفر التسلية والعزاء للفقراء، وتبعدهم عن التمرد والعصيان والمقاومة وعن الأفكار الخبيثة الأخرى، حتى يسهل سياقهم كالقطيع. وبسهولة تستطيع استيعاب والتحكم في اندفاع الجماهير الغاضب، خاصة في بلدان الجنوب بؤر الصراعات والحروب والنهب والاحتلال والتبعية والتخلف.
أولا: عبر التحكم في التنظيمات والأندية والجمعيات الرياضية المحلية بالتمويل، فلم يعد تنظيمها وتمويلها أهلي أو شعبي(من يتذكر أن النقابات العمالية والمهنية كان لها اتحادات كروية وبطولات تم اندثرت)و أصبحت تخضع مباشرة إلى سلطة التحالف المقدس بين رجال المال و الاعمال والسلطة السياسية.
تانيا: عبر التحكم في مجالس الجامعات الوطنية والاتحادات الجهوية والقارية، وتخضع لسلطة الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا )، الذي أصبح يحكم ويعمل مثل "مجلس الامن الدولي" لإدارة و مراقبة وتنظيم وتسيير رياضة كرة القدم، ويملك في المصارف أموالا واستثمارات طائلة غير معلومة (ليس صدفة أن يوجد مقر الفيفا في سويسرا بنك العوائد المجهولة والمسروقة والمبيضة) ، وعلاقات متشعبة بعوالم المال و السياسة والنفوذ و البزنس.
الهدف النهائي هو رفع معدلات الأرباح والعوائد، تم صناعة الرأي الجماهيري وترويضه عبر طلاسم المعبودة الجديدة/ الكرة المستديرة، وداخل المعبد الجديد /الملعب.
كما في كل العلاقات الرأسمالية هناك أسياد وعبيد، العبيد الجدد في كرة القدم هم اللاعبون الذين تحولوا إلى محترفين مأجورين، و بضائع عابرة للحدود والجنسيات وفق قواعد السوق الرأسمالية التي تحدد القيمة والاجر وساعات العمل والسن والاجازة والتقاعد.. إلخ، تعصرهم كما يعصر الليمون بالتداريب المرهقة وكثرة المباريات ، تم يرمى بهم مبكرا.
لا يلتفت معظم الجمهور أو لا يتذكر إلا الناجحين/ النجوم من العبيد الجدد في اللعبة، أما الجمهور فتغريه وينخدع بالأضواء المسلطة علي هؤلاء النجوم بواسطة الاعلام الموجه. إنهم النجوم ليس فقط بسبب مهاراتهم الكروية ، ولكن أيضا بسبب انصياعهم لقواعد الخضوع المفروضة من التحالف المقدس للاتحادات مقابل ما يتساقط من فتات الموائد.
بعد التقاعد قد يتحول بعضهم إلى مجرد اسم مشهور لماركة تجارية في الأسواق أو رجل أعمال أو مستشار كروي أو إعلامي ناجح. إلخ.
أما الغالبية من العبيد الجدد فيطويهم النسيان والشيخوخة قبل الأوان، بسبب الإصابات والاعطاب والعزلة ومرض الادمان والفقر وحتى السجون والانتحار بعد أن فقدوا مدخراتهم وأحلامهم كلها.
الجمهور الواسع هو الضحية الثانية وهو يؤدي الثمن مرغما من ماله وأعصابه ووقته. وهو المشجع المتفرج المستهلك من الجنسين بالتساوي ومن مختلف الأعمار، في هذه اللعبة الساحرة والمخادعة. مشدوها في نصف غيبوبة بالملاعب، أمام الشاشات الكبرى في الساحات والمقاهي و الخمارات، وفي الدور والبراكات. الجميع مندمج في هذا الطقس الديني الجديد.
لقد أصبحت الساحرة الأداة الناعمة والحطب والوقود معا، لإشعال الحرائق في الوعي الجمعي للجمهور الواسع بواسطة صناعة الاعلام العالمي الموجه لنشر التعصب والكراهية والعنصرية والاحساس بالتفوق القومي والثقافي والحضاري المزيف. أداوتها السيكولوجية هي حالات الانتعاش اللحظي، بالاستيهام والاسقاط والتعويض عن الحرمان والشعور بالرضا أو الخذلان، التي تغرسها المستديرة في وعي الجمهور المنوم في كل مقابلة تنظم.
هناك تاريخ طويل من الوقائع المتناقضة، التي تعكس الصراع الدائر في حقل الكرة المستديرة وعوالمها بين الاسياد والعبيد. صراع مضمر وغير متكافئ ومفتت، لذلك في الغالب هو لصالح الاسياد. لكن تبرز معالم بطولية تضيئ الطريق لما ينبغي أن يكون عليه عالم المستديرة.
- في الحرب الاسبانية بين أنصار الجمهورية و أنصار فاشية حكم فرانكو الملكي، أرسلت حكومة إقليم الباسك سنة 1934 فريقها إلى فرنسا للدعاية للجمهورية وجمع المال. وفعل فريق برشلونة نفس الأمر وذهب إلى أمريكا. بعد انتصار الحكم الفاشي في اسبانيا بقي جل لاعبي الفريقين في المنفى، واعتبرتهم الفيفا متمردين وهددتهم بالمنع من اللعب بقمصان فرقهم ،وأصبح فريق العاصمة الريال يحصد الألقاب.
- هناك في كييف نصب تذكاري يذكر بإعدام أحد عشر لاعب لفريق دينامو كييف في 1942 ، وهي تحت الاحتلال الألماني النازي. جريمتهم أنهم ألحقوا الهزيمة بمنتخب هتلر وتمسكوا بكرامتهم في الجرأة على الانتصار، وتم إعدامهم بقمصان الفريق قرب جنبات الملعب.
- في أوج حرب الاستقلال الجزائري ضد فرنسا المحتلة تشكل الفريق الوطني من لا عبين محترفين في البطولة الفرنسية وكانوا نجوما فيها. فضلوا حمل القميص الوطني الجزائري وغادروا سرا فرنسا وهي تستعد لبطولة كأس العالم، من بينهم القائد مخلوفي وبن طيفور. أغلقت الفيفا كل الأبواب أمامهم وأعلنت فرنسا موتهم المدني. واستمر الفريق الوطني بنجومه يتدرب ويلعب أمام جمعيات رياضية عربية وفي أوربا الشرقية حتى انتزعت الجزائر استقلالها بالمقاومة.
ملاحظة
المقولتين مع الوقائع المذكورة تم نقلهم من كتاب إدوارو غاليانو: كرة القدم في الشمس والظل.