كرة القدم د. عبدالله إبراهيم - نقّادٌ عرب على خطّ التماس في كأس العالم (على سبيل الدعابة فقط)

لستُ من هواة كرة القدم أبدا، والتصريح بذلك سوف يُخرجني من الأهلية حتى من بين زمرة المثقفين العرب؛ فمن لم يكن له ضلعٌ في كرة القدم الآن فهو من عتاة الجاهلين في عصر السيولة المبهم الذي يختلط فيه الحابل بالنابل، ومن لا يحبل وينبل فلا مكان له في عالم اليوم. ومن أسف أن ذكرياتي مع كرة القدم مثيرة للأسى، وحتى باعثة على السخرية، والاعتراف بها مخجل بين أجيال خلبت الكرةُ ألبابهم؛ ففي أواخر سبعينيات القرن الماضي، وأنا طالبٌ في جامعة البصرة، تابعتُ مجاراةً لزملائي في المدينة الجامعية بعضَ مباريات كأس العالم لسنة 1978، وكان البث التلفزيوني، آنذاك، بالأبيض والأسود، ثم فوجئتُ بعد الاستراحة بأنّ الفريقين تبادلا موقعيهما في الملعب، فظننتُ أنّ خطأً ما قد وقع، فما الذي حدا بهما إلى تغيير المواقع؟ وأعلنتُ صراحة ضرورة تصحيح ذلك الخطأ الجسيم، فسخر مني زملائي، وشنّعوا عليّ. وأن تتعرّض لسخريةٍ من أقرانك جراء خطأ لا تعرف به، فسوف يدمغ ذلك ذاكرتك أبد حياتك، وإنه لجهلٌ لا يُغتفر لو عرف به أصدقائي الآن.
ومنذ ذلك الحين، ظلّت علاقتي بكرة القدم باردة، وربما شبه متجمّدة، إلا في حالاتٍ نادرةٍ جدًّا يحفّزني فيها صديقٌ على مشاهدة مباراةٍ يقع الإجماع على أهميتها خلال تلك العقود الطويلة من الزمن. غير أنّ كأس العالم الأخيرة كشفت لي أمرًا لم أكن على دراية به: بعض كبار النقّاد العرب يكتبون عن الكرة أفضل بكثير مما يكتبون عن الأدب. فإذا قرأتَ لهم عن الرواية شعرتَ أنّ الرواية في انهيار، وإذا قرأتَ لهم عن الشعر خشيتَ انقراض الشعر، أما إذا قرأت لهم عن النقد ونظرياته، فكأنهم يضاعفون ألغاز أرخميدس غموضا. ولكن إذا ما كتبوا عن مباراة بين فريقين من الفرق المتنافسة، انهمرت التحليلات الدقيقة، وتدفقت الإحصاءات حول أخطاء الدفاع والهجوم، وتوالدت الخطط التي لم يعرف بها مارادونا، ولم يسمع بها بيليه، وغابت عن بال كبار المدربين واللاعبين، فخلتُ أنّني قد خُدعتُ بأقراني؛ فقد سلخوا أعمارهم بين الملاعب، وعلى خطوط التماس، حتى لكأنّ (الفيفا) من صنيع أفعالهم، فيما حسبتُ أنهم شاركوني تلقّي النقد والفكر في الجامعات والمكتبات والمؤتمرات. فإذا بي في وادٍ ضيّق أجدب، وهم في أوديةٍ واسعة خصبة، فطوبى لهم!
ووجدتُ من بينهم أصدقاءَ لي يرسلون إليّ بعض مقالاتهم، أو هي تعترضني في الفيسبوك، حول منازلات كأس العالم، التي هي أشبه بالحروب بين الأمم، فلا يكتفون بنقد هذا الفريق أو ذاك، بل يقدّمون للمدربين وصفاتٍ إنقاذية عاجلة لفرق بلادهم المشاركة في الأولمبياد لكي تحظى بالكأس الثمينة، الكأس الحسناء، حتى خرجتُ بانطباعٍ غير أدبي فيه نوع من الظُلم: لو هاجر أولئك النقّاد من جمهورية الثقافة الفقيرة إلى مملكة الرياضة الثرية، لربحت الملاعب محللين بارعين يُشار إليهم بالبنان، وينطق بأسمائهم كلّ لسان؛ ففي أحيانٍ كثيرة، تكون أفضل خدمةٍ يقدّمها الناقد للأدب أن ينشغل عنه بكرة قدم.
حاشية:
لديّ اشتراكٌ في نظامٍ تلفزيوني يأتي لي على شاشةٍ كبيرة في البيت بكلّ القنوات في العالم تقريبًا، وهي بالآلاف بين إخبارية وسينمائية وموسيقية ورياضية، وما عدا بعض القنوات الإخبارية وقنوات الطبيعة، فلا أتابعها، فالعمل الثقافي يلتهم وقتي، وتعوزني الرغبة في ذلك، وربما يرشدني أولئك النقّاد من أصدقائي إلى الطريقة الأنسب لإحلال قنوات البث الرياضي الصاخبة محلّ قنوات البحار والغابات والجبال الهادئة، فأطلب منهم النصح، وقبل ذلك الصفح.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...