عبدالمجيد العيباري (شيخ الملحون) - نقد المنهج التأريخي في أطروحة عباس الجيراري حول نشأة شعر الملحون: قراءة في أسس التوثيق وإشكالات التحقيق.

على الرغم من المكانة العلمية التي حظيت بها أطروحة الدكتور عباس الجيراري، وما اكتسبته من حضور واسع بوصفها من أوائل الدراسات الأكاديمية التي تناولت شعر الملحون المغربي من زاوية تاريخية، فإن إعادة قراءتها في ضوء المناهج الحديثة في التحقيق النصي والأنثروبولوجيا التاريخية تكشف عن جملة من الإشكالات المنهجية التي تستدعي المراجعة. ولا يتعلق الأمر هنا بالتقليل من القيمة العلمية للمجهود الذي بذله الباحث في مرحلة كانت الدراسات المتخصصة في الملحون لا تزال محدودة، وإنما بإعادة فحص الأسس التي بُنيت عليها بعض نتائجه، والتي تحولت مع مرور الزمن إلى مسلمات يتداولها الباحثون دون إخضاعها للنقد العلمي.
ويزداد هذا الفحص أهمية إذا استُحضر السياق التاريخي والفكري الذي أُنجزت فيه الأطروحة، حيث كانت الكتابة الأكاديمية آنذاك متأثرة بالمناخ الثقافي الذي طبع مرحلة المد القومي العربي، والذي كان يسعى إلى تأكيد الامتداد العربي والإسلامي لمختلف أشكال التعبير الثقافي المغربي، ومن بينها شعر الملحون. وفي هذا السياق، بدا الربط بين الملحون وقرون مبكرة، كالقرن التاسع الهجري، وسيلة لإضفاء عمق تاريخي يمنحه مشروعية ثقافية في مواجهة المركزية المشرقية. غير أن فهم هذا السياق لا يعني منح النتائج التي انتهت إليها الدراسة حصانة معرفية دائمة، إذ إن تطور مناهج البحث وظهور معايير أكثر صرامة في التحقيق يقتضيان إعادة النظر في تلك الفرضيات.
وتتمثل الإشكالية المنهجية الأساسية في اعتماد الأطروحة، في جانب مهم من مادتها التأسيسية، على الرواية الشفوية أكثر من اعتمادها على الوثيقة التاريخية المحققة. فقد صرح المؤلف بأنه استفاد كثيرًا من تقييدات الحاج أحمد سهوم، وهو ما يكشف أن جزءًا معتبرًا من المادة المؤسسة لتأريخ الملحون استند إلى روايات وملاحظات شخصية وبرامج إذاعية، أكثر مما استند إلى مخطوطات أو وثائق أرشيفية يمكن إخضاعها للتحقيق والمقارنة. ولا خلاف في القيمة العلمية للشهادة الشفوية بوصفها مصدرًا مساعدًا في دراسة التراث، غير أن المنهج التاريخي والأنثروبولوجي يميز بوضوح بين الشهادة الفردية والوثيقة التاريخية، فلا يجوز أن تحل الأولى محل الثانية عند بناء استنتاجات تتعلق بتاريخ النشأة أو نسبة النصوص.
وتظهر آثار هذا الاختيار المنهجي في عدد من الأمثلة الواردة في متن الأطروحة. فمن ذلك نسبة قصيدة إلى شاعر يدعى عبد الله بن احساين، وافتراض أنه عاش في القرن التاسع الهجري، اعتمادًا على رواية شفوية دون الاستناد إلى أي مخطوط معروف أو وثيقة تاريخية تؤكد وجود هذا الشاعر أو تثبت صحة نسبة النص إليه. ويزداد الأمر إشكالًا عندما يُخضع النص نفسه للتحليل الأسلوبي؛ إذ تكشف بنيته اللغوية، ونظامه الموسيقي، ومستوى نضجه الفني عن خصائص أقرب إلى مراحل متأخرة من تطور الملحون، مما يجعل نسبته إلى تلك المرحلة المبكرة محل تساؤل علمي مشروع.
ويلاحظ الأمر نفسه في معالجة مفهوم «المدح»، حيث يقرر الباحث بداية أن هذا المصطلح كان يطلق حصريًا على شعراء المديح النبوي، ثم يستشهد بعد ذلك بقصيدة منسوبة إلى شاعر يدعى بوعمرو يعاتب فيها شعراء عصره لأنهم انصرفوا إلى مدح الأشخاص وتركوا مدح الرسول ﷺ. غير أن القراءة الأسلوبية والمعجمية لهذا النص توحي بانتمائه إلى مرحلة زمنية أكثر حداثة، وهو ما يضعف الاستنتاج التاريخي الذي بُني عليه، ويكشف عن نوع من الاضطراب المفاهيمي في توظيف الشواهد.
ولا تقف الإشكالات عند حدود التوثيق، بل تمتد إلى البنية الأسلوبية للنصوص نفسها. إذ يلاحظ الباحث، عند المقارنة بين عدد من القصائد المنسوبة إلى شعراء متباعدين زمنيًا وجغرافيًا، وجود تشابهات لافتة في المعجم، والتركيب، والصور البلاغية، وآليات البناء الفني، بما يوحي بوجود بصمة أسلوبية متقاربة يصعب تفسيرها بمجرد الانتماء إلى تقليد شعري واحد. ومن منظور الدراسات الأسلوبية الحديثة، ولا سيما التحليل الإحصائي للأسلوب (Stylometry)، تفتح هذه الظاهرة الباب أمام فرضية إعادة فحص نسب هذه النصوص، واحتمال أن يكون بعضها منتحلًا أو أُلحق بشعراء متقدمين لإضفاء عمق تاريخي على نشأة الملحون، وهي فرضية تستحق الدراسة بعيدًا عن الأحكام القطعية.
ويفضي ذلك إلى إشكال أكثر عمقًا يتعلق بمنهج البحث عن «البداية الأولى» لشعر الملحون. فالتراث الشفهي، بحكم طبيعته، لا يولد مكتملًا ولا يبدأ بنص مؤسس يمكن تحديده بدقة، وإنما يتشكل تدريجيًا داخل المجتمع، وتخضع نصوصه لعمليات متواصلة من التداول والاختيار والنسيان، حتى لا يبقى منها إلا ما استطاع أن يفرض حضوره في الذاكرة الجماعية. ومن ثم فإن البحث عن «نقطة الصفر» لهذا الفن بالاعتماد على نصوص غير محققة أو غير موثقة يمثل إشكالًا منهجيًا، لأن غياب الوثيقة لا يمكن تعويضه بالافتراض، كما أن صناعة تاريخ اعتمادًا على نصوص مجهولة السند لا تنتج معرفة تاريخية يقينية، بل تبني تصورًا افتراضيًا يحتاج إلى المراجعة المستمرة.
وانطلاقًا من ذلك، فإن إعادة تقييم أطروحة الدكتور عباس الجيراري لا ينبغي أن تُفهم بوصفها نقدًا لشخصه أو انتقاصًا من مكانته العلمية، بل باعتبارها ممارسة طبيعية يقتضيها تطور البحث العلمي. فالمعرفة الأكاديمية لا تقوم على تثبيت النتائج، وإنما على اختبارها بصورة دائمة في ضوء الأدلة الجديدة والمناهج المستحدثة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى إعادة فتح ملف نشأة شعر الملحون وفق مقاربة متعددة التخصصات، تجمع بين التحقيق النصي، والتحليل الأسلوبي، والأنثروبولوجيا التاريخية، والاستفادة من المخطوطات والوثائق والأرشيفات المتاحة، بما يسمح بإعادة بناء تاريخ هذا الفن على أسس أكثر صلابة ودقة، بعيدًا عن الروايات غير الموثقة أو الفرضيات التي لم تعد تكفي وحدها لتفسير نشأة أحد أهم مكونات التراث الأدبي المغربي.
وإني إذ أتناول هذه الأطروحة بالنقد، فلا أروم التقليل من شخص الدكتور عباس الجيراري، الذي لا يُنكر أحد مكانته الفكرية ودوره في المشهد الثقافي المغربي، وإنما غايتي من هذا الطرح هي إعادة فحص ما صار يُقدَّم للباحثين والطلبة على أنه يقينٌ علمي، بينما هو في حقيقته محلّ نظر واجتهاد
أسأل الله التوفيق في هذا المسعى، وأدعو المتابعين الكرام إلى التفاعل والمشاركة، فالقضية ليست مجرد نقاش أكاديمي، بل دفاع عن أمانة تاريخ فنٍّ عريق، اسمه الملحون.





تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...